تفسير سورة الحج

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
تفسير سورة سورة الحج من كتاب الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية المعروف بـالفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية .
لمؤلفه النخجواني . المتوفي سنة 920 هـ

عن الخطر ويعطيهم الخير الكثير الرَّحِيمِ لهم يسهل عليهم كل عسير
[الآيات]
يا أَيُّهَا النَّاسُ الناسبون للعهود والمواثيق الإلهية اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذي رباكم بأنواع الكرامات وبجلائل النعم واصناف اللذات والشهوات واجتنبوا عما نهاكم سبحانه عنه من المكاره والمعاصي وعموم المنكرات ولا تغتروا بامهاله إياكم في نشأتكم هذه واحذروا عن بطشه في النشأة الاخرى عند قيام الساعة إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ المعدة لانقهار النظام المشاهد وانحلال أجزاء العالم المحسوس شَيْءٌ عَظِيمٌ وامر فظيع هائل فجيع بحيث تضعضعت السموات من هيبتها واندكت الأرضون من شدة صولتها اذكر ايها المعتبر الرائي نبذا من أهوالها وافزاعها
يَوْمَ تَرَوْنَها
اى تلك الزلزلة الشديدة المهيبة بحيث تَذْهَلُ
اى تدهش وتغفل من غاية دهشتها وحيرتها كُلُّ مُرْضِعَةٍ
مشفقة متحننة عَمَّا أَرْضَعَتْ
اى ولدها الرضيع مع كمال محبتها ومودتها إياه
وَايضا تَضَعُ
عند حدوثها من شدة فزعها وهولها كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ
وحبل حَمْلَها
وجنينها
وَبالجملة تَرَى
ايها الرائي النَّاسَ
اى عموم الأنام عند حدوثها سُكارى
حيارى مدهوشين زائلة عقولهم من شدة الهول وَما هُمْ بِسُكارى
حقيقة وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ
النازل إياهم في تلك الحالة شَدِيدٌ
مدهش محير لعقولهم وأبصارهم وجميع قواهم ومشاعرهم
وَكيف لا يكون لله المنتقم القهار الجبار ذي القدرة الكاملة والغيرة التامة العذاب والنكال في النشأة الاخرى سيما على من يسئ الأدب معه وينسب اليه سبحانه ما لا يليق بشأنه وينكر يوم البعث والجزاء مع ورود الآيات العظام من لدنه سبحانه في شأنه إذ مِنَ النَّاسِ المجبولين على المراء والجدال مَنْ يُجادِلُ يمارى ويخاصم داعي الله ورسوله سيما فِي حق اللَّهِ ويبالغ فيه حيث ينفى ذاته سبحانه وعموم صفاته الذاتية الكاملة مع ان نفيه قد صدر عنه جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ دليل عقلي يتشبث به او نقلي يستند اليه بل انما هو ناش من جهل وعناد وَغاية مستنده ومتشبثه انه يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مضل مغو مَرِيدٍ غال مستمر في الشرارة والفساد بين العباد
لذلك كُتِبَ ونص عَلَيْهِ اى على الشيطان الطريد المريد المردود المطرود من لدنه سبحانه أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ اى الشيطان واتخذه وليا من دون الله واقتدى له واقتفى اثره فَأَنَّهُ اى الشيطان باغوائه واغرائه إياه يُضِلُّهُ ويصرفه عن سواء السبيل الذي هو طريق الايمان والتوحيد وَيَهْدِيهِ بمقتضى تلبيسه وتغريره إِلى عَذابِ السَّعِيرِ والله لبئس المولى ولبئس النصير
يا أَيُّهَا النَّاسُ المنهمكون في الغفلة والنسيان المنغمسون بلوازم الحدوث والإمكان المفضية الى انواع العصيان والطغيان إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك وتردد مِنَ امر الْبَعْثِ وإمكان وقوعه ومن قدرتنا على اعادة المعدوم فارجعوا الى وجدانكم وتأملوا في ابداعنا نفوسكم من كتم العدم أولا بلا سبق الهيولى والزمان حتى يزول ريبكم ويرتفع شككم فَإِنَّا قد خَلَقْناكُمْ وقدرنا وجودكم مِنْ تُرابٍ جماد ولا مناسبة بينكم وبينه أصلا إذ هو اصل النطفة ومادة المنى إذ المنى انما يحصل من الاغذية المتكونة من التراب ثُمَّ قدرناكم ثانيا مِنْ نُطْفَةٍ مصبوبة في الأرحام حاصلة من أجزاء الاغذية ثُمَّ صورناكم مِنْ عَلَقَةٍ اى دم منعقد من المنى المصبوب في الرحم ثُمَّ عينا اركان اجسامكم مِنْ مُضْغَةٍ اى لحم متكون من الدم المنعقد مُخَلَّقَةٍ كاملة الخلقة سوية الاجزاء بلا عيب ولا نقصان قابلة الفطرة للمعرفة والهداية والرشد التام وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ناقصة الخلقة معيبة الاجزاء والأركان منحطة عن درجة
الكمال كل تلك التبديلات والتغييرات منا دليل على كمال قدرتنا وارادتنا ووثوق حكمتنا وتدبيراتنا واختيارنا فيها انما أظهرناها لِنُبَيِّنَ ونظهر لَكُمْ كمال قدرتنا المتعلقة على جميع المقدورات المحققة والمقدرة على السوية بلا فتور وقصور وَبالجملة نُقِرُّ ونثبت فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ من الولد على اى وجه نريد ثبوته ذكرا او أنثى مبدلين ومغيرين من صورة الى اخرى مرارا كثيرة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت معين قد سميناه وعيناه في حضرة علمنا المحيط لتسويته وتعديله وبعد ما سوينا وعدلنا اركان جسمه على الوجه الذي تقتضيه حكمتنا قد نفخنا فيه من روحنا اى نفخنا الروح فيه علة غائية متقدمة على إيجاده وإظهاره وان كانت متأخرة وجودا وصورة ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ اى كلا منكم من بطون أمهاتكم طِفْلًا محتاجا الى الرضاعة والحضانة وانواع المحافظة ثُمَّ نربيكم بأنواع التربية والتغذية ونقوى امزجتكم ومشاعركم على التدريج كل ذلك لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ اى كمال رشدكم وقوتكم الجسمانية وتثمروا من المعارف والحقائق ما قد جبلتم لأجلها ان وفقتم من لدنا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى بعد ما بلغ أشده ورشده او قبل بلوغه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وهو سن الكهولة والهرم المستلزم للخرافة ونقصان العقل وضعف القوى والآلات لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ متعلق منه بمعلوم مخصوص شَيْئاً من امارات ذلك المعلوم بل قد صار ذلك المعلوم عنده كأن لم يلتفت اليه قط لغلبة الغفلة والنسيان عليه وسقوط الحفظ والإدراك عنه كل ذلك انما هو لإظهار قدرتنا الكاملة وارادتنا التامة الشاملة واختيارنا الغالب وَلا تعجب من كمال قدرتنا ومتانة صنعتنا وحكمتنا أمثال هذا تَرَى ايها الرائي الْأَرْضَ الممهدة المبسوطة كيف كانت هامِدَةً يابسة ميتة جامدة خامدة بعيدة عن الرطوبة والخضرة مطلقا كالرماد فَإِذا أَنْزَلْنا وقت تعلق قدرتنا وارادتنا باحيائها ونضارتها عَلَيْهَا الْماءَ المشتمل على خاصية الحيوة اهْتَزَّتْ وتحركت اهتزازا شوقيا وتحركا حبيا حضوريا وَرَبَتْ وارتفعت من حضيض الخمود وغورا لجمود طالبا الخروج الى ذروة فضاء الهوى والوصال والعروج الى غاية ما قد اعدله من أوج الكمال وَبعد حركتها وارتفاعها متشوقة أَنْبَتَتْ وأظهرت باقدارنا إياها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ نوع وصنف مما يخرج من الأرض بَهِيجٍ رائق عجيب بديع وهذا من أوضح الدلائل وأوثق البراهين عند ذوى النهى واليقين على وقوع البعث واعادة المعدوم وجميع المعتقدات الاخروية
ذلِكَ اى المذكورات من إيجاد المقدورات التي تستبعدها العقول السخيفة والأحلام الردية الضعيفة بِأَنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء هُوَ الْحَقُّ الثابت المحقق المقصور على الحقية والثبوت لا متحقق في الوجود سواه ولا معبود يعبد بالحق الا هو وَأَنَّهُ سبحانه بخصوصه حسب انفراده واستقلاله هو الحي القيوم المحيي يُحْيِ الْمَوْتى بالإرادة والاختيار وَأَنَّهُ بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته هو القادر المقتدر بكمال الاستقلال والاستحقاق عَلى كُلِّ شَيْءٍ دخل تحت قدرته وحيطة حضرة علمه المحيط وارادته الشاملة قَدِيرٌ بلا فتور ولا قصور ولا تزلزل ولا عثور
وَأَنَّ السَّاعَةَ الموعودة من عنده سبحانه آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها إذ هي من جملة المقدورات الإلهية التي قد قدر سبحانه وجودها وأثبتها في لوح قضائه وحضرة علمه المحيط وَأَنَّ اللَّهَ المتصرف بالاستقلال والاختيار يَبْعَثُ وينشر يوم الحشر عموم مَنْ فِي الْقُبُورِ من النفوس الخيرة والشريرة ثم يحاسبهم ويجازيهم على مقتضى حسابه إياهم ان خيرا فخير وان شرا فشر
وَمِنَ النَّاسِ
المجبولين على الكفران والنسيان مَنْ يُجادِلُ ويكابر فِي أوامر اللَّهِ وينكر مقدوراته الماضية والآتية مع انه قد صدر عنه هذا الإنكار بِغَيْرِ عِلْمٍ اى دليل عقلي مسبوق بترتيب المعلومات اليقينية او الظنية وَلا هُدىً اى حدس وكشف ملهم من عند الله ملقى في روعه وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ دليل نقلي منسوب الى الوحى والإلهام بحيث ينور ويضئ قلوب من صدق به وأخذ بما فيه وامتثل بمقتضاه ايمانا واحتسابا ومع انه ليس له سند لا عقلي ولا كشفى ولا شهودي هو معرض عن مطلق الدلائل والشواهد اللائحة مع وضوحها وظهورها صارف عنان فكره وعزمه عن التأمل فيها وبالجملة يجادل في الله حال كونه
ثانِيَ عِطْفِهِ يعنى لاويا عنقه موليا جنبيه طاويا كشحه عنها كبرا وخيلاء على اصحاب الدلائل والبراهين وارباب الكشف والشهود وعتوا واستكبارا وانما فعل ما فعل من عدم الالتفات والتوجه نحو اهل الحق لِيُضِلَّ بفعله هذا ضعفاء الأنام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الذي قد بينه الأنبياء العظام وأوضحه الرسل الكرام عليهم التحية والسّلام بوحي الله والهامه إليهم وبانزال الكتب والصحف عليهم وبالجملة لَهُ اى لهذا المستكبر العاتي بسبب ضلاله وإضلاله فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هوان وهون وطرد ولعن وأسر ونهب وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بعد انقراض النشأة الاولى عَذابَ الْحَرِيقِ المحرق الذي هو النار لا عذاب أشد منها وحين تعذيب الموكلين عليه بالنار قد أمرنا لهم ان يقولوا له على سبيل التقريع والتوبيخ زجرا عليه
ذلِكَ الذي قد لحقك الآن ونزل عليك من العذاب المخلد بِما قَدَّمَتْ وكسبت يَداكَ في النشأة الاولى وعلى مقدار ما اقترفته من المعاصي والآثام بلا زيادة عليها عدلا منا إياك وَاعلم ايها المسرف المبالغ في اقتراف الجرائم المستوجبة للعذاب أَنَّ اللَّهَ المتصف بالعدل القويم لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعنى ليس بمبالغ في جزاء الانتقام عن مقدار الجرائم والآثام مثل مبالغته في جزاء الانعام والإحسان تفضلا وامتنانا
وَمِنَ النَّاسِ المجبولين على نسيان المنعم وكفران نعمه مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ المنزه المستغنى عن إيمانه وسعادته وعن كفره وشقاوته عَلى حَرْفٍ اى شاكا مترددا منتظرا على حرف منصرفا منحرفا بلا جزم منه فيه وطمأنينة كالذي يتمكن يوم الوغاء على طرف الجيش مترددا منتظرا ان أحس الظفر قر في مكانه وتمكن وإلا فر كذلك حال هذا المؤمن المتزلزل المتذبذب فَإِنْ أَصابَهُ بعد ما آمن واسلم خَيْرٌ اى شيء يسره ويفرحه اطْمَأَنَّ بِهِ وتمكن لأجله متفئلا بالإسلام والايمان وَإِنْ أَصابَتْهُ بعد اختياره الايمان والإسلام فِتْنَةٌ اى بلية ومصيبة تمله وتورثه حزنا قد انْقَلَبَ ورجع عَلى وَجْهِهِ اى وجهته التي تركها من الكفر متطيرا متشأما بالإيمان والإسلام وبالجملة قد خَسِرَ ذلك المتزلزل المتذبذب في الدُّنْيا بأنواع المصيبات والبليات وَفي الْآخِرَةَ بالحرمان من درجات الجنات والخلود في دركات النيران بأنواع الخسران وبالجملة ذلِكَ الخسران المستوعب له في النشأتين هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ والحرمان العظيم لا خسران أعظم منه وافحش
وكيف لا يخسر ذلك المطرود المردود هو يَدْعُوا ويعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ المتصف بعموم أوصاف الكمال المستحق للعبادة والإطاعة استحقاقا ذاتيا ووصفيا ما لا يَضُرُّهُ اى شيأ خسيسا دنيا ان عصاه ولم يؤمن به ولم يعبده لا يتأتى منه الضرر والانتقام وَما لا يَنْفَعُهُ ان أطاعه وعبده حق عبادته وأطاعته لا يتأتى منه ان يثيبه ويغفر له ذنوبه ويحسن اليه ذلِكَ اى الإطاعة والانقياد لشيء لا يرجى منه النفع والضر هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
عن الهداية والتوحيد بمراحل خارجا عن الحصر والتعديد
بل يَدْعُوا ذلك الضال الغوى لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ اليه بسبب اتخاذه شريكا لله في استحقاق العبادة جهلا وعنادا مع انه سبحانه هو الواحد الأحد الصمد الفرد المستقل بالالوهية والربوبية ودخول المشرك المجترئ على الله بإثبات الشريك في النار محقق مقطوع به فيكون ضره بالنسبة اليه اقرب مِنْ نَفْعِهِ الذي توهمه ان يشفع لأجله عند الله مع ان الشفاعة عنده سبحانه انما هي باذنه سبحانه ايضا فثبت ان لا نفع له مطلقا والله لَبِئْسَ الْمَوْلى المعين الناصر الشفيع الأصنام والأوثان الخسيسة وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ العبيد المشركون الذين يعبدونهم ويوالونهم ويتخذونهم أربابا ويطمعون منهم الشفاعة عند الله مع ترك المحقق المجزوم وأخذ المعدوم الموهوم بدله ما هو إلا كفر باطل وزيغ زائل عاطل اللهم اهدنا بفضلك الى سواء السبيل
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة في كتابه من تعقيب الوعيد بالوعد إِنَّ اللَّهَ الهادي الى دار السّلام يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وهم الذين سبقوا بالإيمان بالله وبتصديق رسله وكتبه وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال التي قد أمرهم سبحانه في كتبه وأجرهم على السنة رسله بالإتيان والامتثال به واجتنبوا ايضا عن مطلق النواهي التي قد نهاهم سبحانه عنها جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق الجزئية المتجددة بتجددات الأمثال الا وهي الرموز والإشارات التي يتفطن بها العارف المتعرج من ظواهر المظاهر المرتبطة بالشؤون والتجليات الإلهية وبالجملة إِنَّ اللَّهَ الموفق لخواص عباده يَفْعَلُ معهم من الإحسان ما يُرِيدُ لهم من انواع الصلاح والفوز بالنجاح والتحقق بمقام الرضاء وشرف اللقاء ثم لما اعتقد المشركون ومن في قلبه عداوة راسخة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشكيمة شديدة وغيظ مفرط ان لا نصر ولا اعانة له من عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة كما زعمه رد الله عليهم نصرا له وترويجا لقوله
فقال مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ اى انه لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ولن يعين رسوله صلّى الله عليه وسلّم ابدا لا فِي الدُّنْيا وَلا في الْآخِرَةِ بل اعتقاده في حقه صلّى الله عليه وسلّم ان ما ادعاه من نصر الله إياه في الدنيا والآخرة انما هو لإثبات دعواه وترويج مدعاه والا فلا نصر له ولا ناصر له يقال لذلك المنكر ان شئت ازالة غيظك وحسدك عنه صلّى الله عليه وسلّم فَلْيَمْدُدْ وليتشبث ذلك الظان المنكر بِسَبَبٍ اى بحبل ممدود من الأرض إِلَى السَّماءِ اى نحوها وليرتفع ممسكا متعلقا بالحبل الممدود الى ان يتباعد من الأرض مسافة بعيدة بحيث لو سقط منها لا يرجى حياته أصلا ثُمَّ يقال له بعد ما ارتفع من الأرض جدا لْيَقْطَعْ الحبل ولينفصل عنه فقطع فوقع فَلْيَنْظُرْ بعد ما وقع على الأرض هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مكره هذا وحيلته هكذا ما يَغِيظُ اى غيظه برسول الله صلّى الله عليه وسلم والله يذهب هذا وأمثاله غيظه البتة وبالجملة ما يزول انكار المنكرين وغيظ المشركين المغتاظين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الا بهذه الحيلة والكيد يعنى بالموت والقتل
وَكَذلِكَ اى مثل ما قد نصرناه صلّى الله عليه وسلّم في وقائع كثيرة قد أَنْزَلْناهُ ايضا لتأييده ونصره آياتٍ اى دلائل بَيِّناتٍ واضحات دالة على صدقه في دعواه النبوة والرسالة والتشريع العام والإرشاد التام وَأنزلناه ايضا على سبيل العظة والتعليم أَنَّ اللَّهَ الهادي للعباد الموفق لهم الى سبيل الرشد يَهْدِي بعد ما بلغت لهم طريق الهداية والسداد بوحي الله إياك يا أكمل الرسل مَنْ يُرِيدُ يعنى من يتعلق ارادته ومشيئته سبحانه لهدايته ورشده يهديه ومن يتعلق بضلاله يضله وبالجملة ما
عليك يا أكمل الرسل الا البلاغ وعلى الله الهداية والرشد فلا تتعب نفسك في هداية من أحببت بل امر الهداية والضلال انما هو مفوض الى الكبير المتعال
لذلك قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الهادي لعموم الأنام الى توحيد الذات والصفات والأفعال جميعا وَالَّذِينَ هادُوا وهم الذين قد آمنوا بموسى الكليم عليه السّلام الهادي لامته الى توحيد الصفات وَالصَّابِئِينَ الذين يدعون الاطلاع على سرائر الكواكب والاجرام العلوية وَالنَّصارى وهم الذين آمنوا بعيسى عليه السّلام الهادي لامته الى توحيد الأفعال وَالْمَجُوسَ الذين يدعون التمييز بين فاعل الخير وفاعل الشر وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا بالله واثبتوا له شريكا مع تنزهه عن الشركة مطلقا وبالجملة كل من هؤلاء المذكورين يدعى حقية نفسه وبطلان غيره إِنَّ اللَّهَ المطلع بسرائر عموم عباده وضمائرهم يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ اى بين من هو المحق منهم من المبطل يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد للفصل والقطع وكيف لا يميز ولا يفصل سبحانه إِنَّ اللَّهَ المتجلى في الأنفس والآفاق عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ اى حاضر مع كل شيء رقيب عليه غير مغيب عنه أصلا
أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي ولم تعلم أَنَّ اللَّهَ المظهر لعموم المظاهر يَسْجُدُ يتذلل ويخضع لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من العلويات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من السفليات خصوصا معظمات الاجرام العلوية وَهي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وكذا معظمات الأجسام من السفليات وَهي الْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ اى مطلق الحيوانات وَيسجد له ايضا طوعا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين على استعداد الايمان وقابلية المعرفة والإيقان وَكَثِيرٌ منهم لانحرافهم عن الفطرة الاصلية بتقليد آبائهم ومعلميهم الذين يضلونهم عن سواء السبيل لذلك قد حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وثبت له العقاب في لوح القضاء وحضرة العلم المحيط الإلهي وَبالجملة مَنْ يُهِنِ اللَّهُ ويسقط رتبته ويحط درجته فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ معل رافع أَنَّ اللَّهَ المطلع على استعدادات عباده وقابلياتهم يَفْعَلُ معهم ما يَشاءُ بمقتضى علمه وخبرته ويحكم لهم وعليهم ما يريد حسب قدرته وارادته ثم لما تطاول نزاع اليهود مع المؤمنين وتمادى جدالهم وخصومتهم حيث قالت اليهود نحن أحق بالله منكم لتقدم ديننا وشرف نبينا وفضل كتابنا وقال المؤمنون نحن أحق منكم لان ديننا ناسخ عموم الأديان ونبينا خاتم دائرة النبوة والرسالة ومتمم مكارم الأخلاق وكتابنا الجامع لما في الكتب السالفة الناسخ لبعض أحكامها أفضل من سائر الكتب ونحن لا ننكر نبيا من الأنبياء وكتابا من الكتب وأنتم قد انكرتم بعيسى عليه السّلام وبدينه وبكتابه وكذا بديننا ونبينا وكتابنا مع انه مسلم عند نبيكم مذكور في كتابكم وأنتم تعلمون حقيته وتنكرونه عنادا او رد سبحانه في كتابه قصتهما وحكم بينهما
فقال هذانِ الفوجان والفرقتان يعنى المؤمنين واليهود خَصْمانِ قد اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ مع وجدة ذاته وشمول ألوهيته وربوبيته لعموم البرايا فَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله المتوحد بذاته واثبتوا شريكا وفرقوا بين كتبه ورسله بالإقرار والإنكار وبالتصديق والتكذيب قُطِّعَتْ اى أعدت وهيئت لَهُمْ ثِيابٌ وملابس متخذة مِنْ نارٍ شبهها بالثياب لإحاطتها وشمولها ومع ذلك يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ الماء الحار البالغ نهاية الحرارة
بحيث يُصْهَرُ ويذاب بِهِ اى بالماء الحار ما فِي بُطُونِهِمْ من الشحوم وغيرها وَكذا يذاب به
الْجُلُودُ وَلَهُمْ اى لردهم وزجرهم قهرا وزجرا مَقامِعُ سياط متخذة مِنْ حَدِيدٍ يعنى بيد كل من وكل عليهم من الزبانية سوط من نار وهم
من شدة كربهم
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها اى من النار مِنْ غَمٍّ مفرط وشدتهم وكآبة قد عرض لهم من شدة العذاب فطلبوا ان يخرجوا منها حين ألقتهم اللهب الى الطرف الأعلى منها تفريجا وتخفيفا أُعِيدُوا فِيها زجرا وتعنيفا ضاربين عليهم بالمقامع المذكورة وَحينئذ يقول لهم الزبانية الموكلون ذُوقُوا ايها المصرون على الكفر والعناد المسرفون المفسدون بأنواع الفجور والفساد عَذابَ الْحَرِيقِ المحرق أكبادكم بدل ما قد كنتم تبردونها بالسحت والرشى في نشأة الدنيا.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة إِنَّ اللَّهَ المتجلى على اهل الايمان بالتجليات الحبية الجمالية يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة ذاته سبحانه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقبولة عنده سبحانه المقربة نحوه تأكيدا لإيمانهم جَنَّاتٍ وحدائق ذات بهجة ونضارة وصفاء ترويحا لهم وتفريحا وانشراحا لصدورهم وتفريجا لغمومهم حيث تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المملوة بمياه المعارف والحقائق المذهبة للهموم الفارجة للكروب والغموم يُحَلَّوْنَ فِيها تهذيبا وتزيينا لظواهرهم من عكوس بواطنهم مِنْ أَساوِرَ متخذة مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً بها يرصع اساورهم وَلِباسُهُمْ دائما فِيها حَرِيرٌ تليينا لبشرتهم وتكميلا لترفههم وتنعمهم بدل ما كانوا يلبسون الصوف والخشن في دار الابتلاء والاختبار
وَلا يقتصر لهم فيها على تزيين الظاهر وتفريح الباطن فقط بل هُدُوا وارشدوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ليتصفوا بالصدق والتصديق ويداوموا على مواظبة شكر الله دائما بقولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده الحمد لله الذي هدانا لهذا وَبعد ما اتصفوا بالصدق والعدالة في الأقوال والأفعال هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ الذي هو التوحيد المسقط لعموم الإضافات مطلقا وقد اتصف به سبحانه لاستحقاقه بالحمد لذاته.
ثم قال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عن شعائر دينه وَمع ذلك يَصُدُّونَ ويصرفون الناس ايضا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعن سلوك معالم الهدى ومسالك اليقين لا في وقت دون وقت بل دائما مستمرا وَلا سيما يصدونهم عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي قد حرم الله عنه الصد والمنع مطلقا مؤبدا لأنه الَّذِي قد جَعَلْناهُ قبلة لِلنَّاسِ كافة وقد فرضنا عليهم الطواف حولها عامة من استطاع أنهم اليه سبيلا ولهذا ما صار مكة شرفها الله وما حولها ملكا لاحد بل نسبة الكل اليه سَواءً الْعاكِفُ المقيم فِيهِ وَالْبادِ المسافر الوارد عليه وَمَنْ يُرِدْ ويقصد سوء بالنسبة اليه من صدود وغيره مع انه مقيم فِيهِ او في حواليه وصدر عنه ذلك السوء بِإِلْحادٍ ميل مقرون بِظُلْمٍ يعنى عن قصد وتعمد لا عن سهو وجهل نُذِقْهُ بمجرد قصده وان لم يأته من الفعل والصدود مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم فجيع
وَكيف لا نذيقه من عذابنا الأليم إذ بناء بيتنا هذا انما هو على الطهارة الكاملة عن جميع الآثام والزكاء التام عن مطلق المعاصي والاجرام لذلك سمى بالمسجد الحرام اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ بَوَّأْنا بينا وعينا لِإِبْراهِيمَ حين شرفناه بخلعة الخلافة والنيابة وأمرنا له ببناء بيتنا هذا مَكانَ الْبَيْتِ اى قد عينا له موضع الكعبة بعد ما اندرست وسقطت بالطوفان وصارت مسواة لا علامة لها أصلا وأعلمنا له مكانه بريح قد أرسلناها مع ابراهيم حين سافر لهذا القصد من فلسطين ووصل الى بطحاء فكنست الريح حولها وأظهرت اصول بنيانها التي قد بنى عليها آدم صلوات الله عليه فبناه على بنائه وحينئذ قد أوحينا لإبراهيم تربية وتعليما أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً من مظاهري واظلالى في الوجود معى وَبعد ما
نزهت ذاتى عن شوب الشركة مطلقا طَهِّرْ بَيْتِيَ هذا الممثل من بيتي الذي قد بنيته انا بكمال قدرتي وحكمتى في صدرك الا وهو قلبك الذي هو بيت الله الأعظم الحقيقي عن عموم المعاصي والآثام وعن انواع المؤذيات والخبائث والقاذورات وعموم المكروهات إذ قد جعلنا بيتنا هذا قدوة وقبلة لِلطَّائِفِينَ والقاصدين بطوافهم حول البيت المتحقق عند كعبة الذات والوقوف على عرفات الأسماء والصفات وَالْقائِمِينَ المواظبين بالتوجه الدائمى والميل الشرفى الحقيقي الحبى بجميع الأركان والجوارح نحو الذات الاحدية المنقطعين عن عموم العلائق والإضافات وَالرُّكَّعِ اى الراكعين الذين قد قصمت ظهور هوياتهم عن حمل أعباء العبودية وامانة المعرفة واليقين السُّجُودِ اى الساجدين المتذللين الخاضعين الواضعين جباه انانياتهم على تراب المذلة والانكسار لدى الملك الجبار القهار بسلب عموم السوى والأغيار
وَبعد ما قد أوصينا خليلنا ما أوصينا قلنا له امرا إياه على سبيل الوجوب أَذِّنْ اذانا تاما واعلم اعلاما عاما فِي النَّاسِ وبشرهم بِالْحَجِّ اى اعلم الداني منهم والقاصي بوجوب الحج عليهم وقد لزمهم بالزامنا وإيجابنا إياهم ان يَأْتُوكَ ويزوروا بيتك ويطوفوا حوله حال كونهم رِجالًا مشاة ان كانوا من الأداني وَركبانا راكبين عَلى كُلِّ ضامِرٍ بعير مهزول قد أهزله وأتعبه بعد المسافة إذ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ طريق عَمِيقٍ غائر بعيد ان كانوا من الأقاصي
وانما امرناهم بالحج وفرضناه عليهم لِيَشْهَدُوا وليحضروا مَنافِعَ لَهُمْ اى امكنة ينفعهم الحضور فيها والوقوف بها منافع النشأة الاخرى ويسهل عليهم طريق التوحيد بالفناء والافناء والانقطاع من حطام الدنيا والتعري عن لباس البأس والعناء والتخلص عن مقتضيات القوى والهوى والتحلي بلباس التزهد والتقوى عن امتعة الدنيا والتشمر نحو جانب المولى والتجرد عن موانع الوصول الى دار البقاء من الأموال والأولاد وعموم حظوظ الدنيا وَيَذْكُرُوا فيها اسْمَ اللَّهِ المشتمل لجميع الأوصاف والأسماء المحيط لعموم الأشياء احاطة الشمس على عموم الاظلال والأضواء واحاطة الروح على جميع الجوارح والأعضاء بلا تركب وانقسام الى ابعاض وأجزاء سيما فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ محفوظات قد عينها الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء للتوجه والدعاء وهي عشر ذي الحجة الحرام وقيل النحر فلهم ان يذكروا اسم الله ويهللوا به عَلى تذكية ما رَزَقَهُمْ الله وأباح لهم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ مما ملكت ايمانهم حال كونهم متقربين بها الى الله هدية او اضحية فَكُلُوا بعد ما ذبحتم وذكيتم ايها الزائرون المتقربون مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ اى الذي قد شمله بؤس الفقر وأحاطت عليه شدة الفاقة
ثُمَّ بعد ذبح الهدايا والضحايا لْيَقْضُوا وليزيلوا تَفَثَهُمْ وأوساخهم العارضة لهم من رين الإمكان وشين الهويات ومقتضيات الأنانيات وَبعد تطهير أوساخ الإمكان وإكدار الهيولا والأركان لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ التي قد نذروها في قطع بوادي تعيناتهم ومهاوي هوياتهم وماهياتهم من ذبح بقرة امارتهم المضلة عن سواء السبيل وَبعد ما تطهروا من الأوساخ وأوفوا بالعهود والنذور لْيَطَّوَّفُوا منخلعين عن خلعة ناسوتهم متجردين عن ثياب بشريتهم وجلباب هويتهم بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ والركن الوثيق الذي هو عبارة عن قلب العارف المحقق المتحقق بمقام الفناء الذاتي والبقاء الأزلي الأبدي الذي لا يلحقه انصرام ولا يعرضه انقراض وانخرام فالامر
ذلِكَ لمن أراد السلوك لطريق الفناء والحج الحقيقي والطواف المعنوي وَبالجملة مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ
ويحافظ على حرمة ما قد حرمه الله في اوقات الحج ولم يهتك حرمتها ليجبرها بدم فَهُوَ اى الحفظ بلا هتك خَيْرٌ لَهُ مقبول عِنْدَ رَبِّهِ من هتكها وجبرها بدم وَاعلموا ايها المؤمنون قد أُحِلَّتْ لَكُمُ في دينكم الْأَنْعامُ كلها بأنواعها وأصنافها أكل لحومها وشرب ألبانها والانتفاع بأشعارها واوبارها والتقرب بها الى الله في اوقات الحج إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في كتابكم تحريمه بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة الآية وبعد ما عرفتم ما أحل الله لكم فَاجْتَنِبُوا ايها الموحدون الرِّجْسَ والقذر الذي هو حاصل مِنَ الْأَوْثانِ اى من قبلها ومن أجلها إذ هي شرك مناف للتوحيد والشرك من أخبث الخبائث وَاجْتَنِبُوا ايضا قَوْلَ الزُّورِ والبهتان إذ هو ظلم قرين الكفر والشرك معدود من عداده مسقط للمروءة والعدالة اللازمة لأهل الايمان والتوحيد يعنى اجتنبوا عن الشرك وكذا عن مطلق المعاصي المنافية للتوحيد
وكونوا حُنَفاءَ لِلَّهِ مخلصين له غير ملحدين منصرفين عما يليق بدينه غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ شيأ من مظاهره ومصنوعاته مطلقا وَاعلموا ايها العقلاء المكلفون المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد ان مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشريك مطلقا سواء كان شركه خفيا او جليا فَكَأَنَّما خَرَّ وسقط مِنَ السَّماءِ اى أوج الايمان وأعلى درجات التوحيد والعرفان فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ إذا سقط أخذته الطير فجاءة في الهواء فترميه في حضيض غائر عميق بعيد عن العمران أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ حين سقوطه منها فتطرحه فِي مَكانٍ سَحِيقٍ بعيد وواد غائر عميق وبالجملة من أشرك بالله العياذ بالله منه فقد وقع في هاوية الضلال وزاوية الوهم والخيال اللذين هما من أوحش اغوار الإمكان واظلم بوادي الخذلان والخسران بحيث لا يرجى نجاته منها أصلا
وبالجملة الحكم والأمر ذلِكَ لمن أشرك بالله وساء الأدب معه ولم يعرف حق قدره وقدر حقيته وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ المأمورة له في أداء الحج ويوقر حق توقيرها وتعظيمها فَإِنَّها اى شأن تعظيمها وتحسينها عن من صدر انما هو صادر ناشئ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الناظرة الى الله بنور الله في جميع أوقاتها وعموم حالاتها
لَكُمْ اى في ملككم وتحت تصرفكم ايها المؤمنون المعظمون شعائر الله الناسكون بمناسك الحج فِيها اى في الهدايا والضحايا التي أنتم تتقربون بها الى الله مَنافِعُ كثير درها وصوفها وشعرها وظهرها ونسلها ما لم تصل إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى الى حلول وقت قد سمى سبحانه لذبحها ثُمَّ بعد ما قرب وقتها وحان حينها مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
اى محل ذبحها عند البيت اى جميع الحرم وحواليه
وَاعلموا ايها الموحدون المحمديون ان لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية والآتية ايضا قد جَعَلْنا مَنْسَكاً ومذبحا معينا قد كانوا يتقربون فيه إلينا ويهدون نحونا بهدايا وقرابين وانما عيناهم ذلك لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عند التذكية والذبح عَلى ما رَزَقَهُمْ مما ملكت ايمانهم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قيدنا لهم لان الخيل والحمير لا يليق بالقربان والهدى وبعد ما علمتم ان لكل امة من الأمم مذبحا معينا ومنسكا مخصوصا يتقربون فيه إلينا فَإِلهُكُمْ اى فاعلموا ان اله الكل إِلهٌ واحِدٌ احد صمد فرد وتر لا تعدد فيه مطلقا ولا شركة له أصلا فَلَهُ أَسْلِمُوا وتوجهوا ان كنتم مسلمين مسلمين مفوضين اليه أموركم وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل من بين المسلمين بالمثوبة العظمى والدرجة العليا والفوز بشرف اللقاء الْمُخْبِتِينَ المطيعين الخاضعين الخاشعين المتواضعين
الَّذِينَ قد خبت وخمدت نيران شهواتهم من بأس الله وخشيته يعنى الذين إِذا ذُكِرَ اللَّهُ القادر المقتدر بالانعام والانتقام قد
وَجِلَتْ وخشيت قُلُوبُهُمْ خوفا من قهره وغضبه ومن حول صفات جلاله وسطوة سلطنته وكبريائه وَايضا الصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ من المصيبات والبليات التي قد جرى حكم الله عليها في سابق قضائه وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ المفروضة بأوقاتها المحفوظة مع شرائطها وأركانها المخصوصة وآدابها المسنونة تقربا اليه وتوجها نحوه بكمال الخضوع والخشوع والتذلل والانكسار وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ واستخلفناهم عليه ونسبناه إليهم يُنْفِقُونَ على الوجه الذي قد امرناهم به وعلى المصارف المذكورة المأمورة لهم في قوله سبحانه انما الصدقات للفقراء الآية متقربين بها الى الله ناوين الوصول الى جنة وحدته
وَاعلموا ايها المؤمنون المتقربون إلينا سيما في اوقات الحج انا قد جعلنا خير الهدايا وأكرم الضحايا الْبُدْنَ بادن كبذل وباذل وهي الإبل خاصة سميت بها لعظم بدنها وجسامتها وغلاء ثمنها وعظم وقعها في نفوس الناس لذلك قد جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ واعلام دينه ومعالم بيته واعلموا انه لَكُمْ فِيها خَيْرٌ كثير واجر جزيل وثواب عظيم عند الله ان تقربتم بها وان أردتم ذبحها فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عند تذكيتها قائلين الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله والله اكبر اللهم منك وإليك ومالنا الا الامتثال ما امرتنا به والسر عندك ولديك والحكمة دونك ومنتهى الكل إليك وعليكم ايها القاصدون المتقربون ان تذبحوها صَوافَّ صافة قوائمها مشدودة محكمة ثم تطعنون في لباتها فَإِذا وَجَبَتْ وسقطت جُنُوبُها على الأرض وخرجت روحها من جسدها فَكُلُوا مِنْها ان شئتم وَأَطْعِمُوا ايضا الْقانِعَ وهو الفقير الذي يقنع بما يعطى ولا يبادر الى السؤال والإلحاح وَأطعموا منها ايضا الْمُعْتَرَّ وهو الذي يبادر الى السؤال قبل الإعطاء ويبالغ فيه ويلح كَذلِكَ اى على الوجه الذي امر وذكر قد سَخَّرْناها اى البدن وذللناها لَكُمْ ايها المؤمنون المتقربون بها إلينا مع انها في كمال القوة والجسامة وأنتم في غاية الضعف والنحافة وانما سخرناها وذللناها لكم كي تتفطنوا من تسخيرها وتذليلها الى تذليل امارتكم المسلطة عليكم فتذبحوها في طريق الحق متقربين بها اليه سبحانه مشدودة قوائم قواها عن مقتضاها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة الأقدار والتوفيق عليها وتعطون بدلها من لدنه سبحانه مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
واعلموا ايها المتقربون الى الله بالهدايا والضحايا لَنْ يَنالَ اللَّهَ ولن يصيب ويصل اليه سبحانه لُحُومُها المتصدق بها إذ هو سبحانه منزه عنها وعن الانتفاع بها وَلا يصل ايضا اليه سبحانه دِماؤُها المهراقة وَلكِنْ ما يَنالُهُ وما يصل منها اليه سبحانه الا التَّقْوى اى التحرز والاجتناب الصادر مِنْكُمْ عن محارم الله ومنهياته والامتثال بأوامره والإتيان بمأموراته ومرضياته وبالجملة ما يقربكم اليه سبحانه الا امتثال الأوامر واجتناب النواهي لا اللحوم المطعمة ولا الدماء المهراقة ثم كرر سبحانه تأكيدا ومبالغة بقوله كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ اى الهدايا والضحايا لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ المتعزز بالعظمة والكبرياء المستقل بالمجد والبهاء حق تكبيره وتعظموه حق تعظيمه وتوقيره عَلى ما هَداكُمْ وأرشدكم الى الايمان والتوحيد وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الْمُحْسِنِينَ منهم وهم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ويحسنون الأدب معه كأنهم ينظرون اليه ثم لما خشي المؤمنون عن معاداة المشركين وخافوا عن مخاصمتهم وغيظهم وعن ذبهم وصدهم لو خرجوا نحو مكة للزيارة والطواف قاتلوا معهم وأكبوا عليهم غيبة وعلى أموالهم وأسروا أولادهم أزال الله سبحانه عنهم الرعب
وأسقط عنهم الخشية بقوله إِنَّ اللَّهَ المتكفل لأمور عباده الحفيظ عليهم
عما يؤذيهم يُدافِعُ كيد الكفرة العداة البغاة الطغاة عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وصدقوا بشعائر دينه وقصدوا إقامتها على مقتضى امره ووحيه وكيف لا يدفع سبحانه مع كمال قدرته وقوته خيانة من خان باحبائه واصدقائه إِنَّ اللَّهَ المنتقم لاعدائه لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ مبالغ في الخيانة سيما مع أوليائه كَفُورٍ مبالغ في كفران نعمه غايته إذ قد صرفها في غير محله مثل هدى الكفرة وذبحهم لأصنامهم وأوثانهم ولما اشتد إضرار الكفرة على المسلمين وامتد إذا هم عليهم ظلما وعدوانا أراد المؤمنون ان يقاتلوا ويشاجروا معهم فمنعهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن القتال والحرب باذن الله ووحيه اليه صلّى الله عليه وسلّم سبعين مرة حتى نزلت سبعون آية في المنع وقال صلّى الله عليه وسلم في كل مرة اصبروا حتى يأتى الله ثم لما شق على المسلمين ظلمهم وضرهم وصاروا مهانين أذلاء صاغرين مع قدرتهم على مقاتلتهم ومدافعتهم
أُذِنَ ورخص من جانب الحق على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ويريدون القتال معهم بعد ما تحملوا كثيرا من أذاهم وظلمهم فنزلت هذه الآية للرخصة بعد ما نزلت سبعون للمنع ولذلك قيل قد نسخت هذه الآية نيفا وسبعين آية وانما رخصهم سبحانه بها بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا اى بسبب انهم قد صاروا مظلومين صاغرين من أذى الكفار والمشركين وَإِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر عَلى نَصْرِهِمْ اى نصر الأولياء على الأعداء لَقَدِيرٌ ينصرهم ويغلبهم عليهم وان كانوا اكثر منهم
وكيف لا ينتقم سبحانه على أعدائه لأجل أوليائه إذ هم الَّذِينَ قد أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ظلما وعدوانا بِغَيْرِ حَقٍّ وبلا رخصة شرعية موجبة للإخراج والاجلاء إِلَّا أَنْ يَقُولُوا يعنى لا موجب لإخراجهم سوى قولهم هذا رَبُّنَا اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الشريك والولد وَكيف لا يدفع سبحانه شر الكفرة عن أوليائه الموحدين ولا ينصرهم على أعدائهم إذ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بتسليط اهل الايمان على المشركين المعاندين لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ لقد خربت وانهدمت البتة باستيلاء الأعداء على الأولياء صوامع اسم لمعابد الرهابنة وَبِيَعٌ للنصارى وَصَلَواتٌ هي كنائس اليهود وَمَساجِدُ للمسلمين وبالجملة انما أعد وهيئ كل واحد منها في الأديان المذكورة يُذْكَرُ فِيهَا اى ليذكر في كل واحدة منها اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً اى ذكرا كثيرا وحينا كثيرا وَالله لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ المتكفل لعباده مَنْ يَنْصُرُهُ ومن يعين دينه ونبيه ويصدق كتابه إِنَّ اللَّهَ المطلع لما في صدور عباده من الإخلاص لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ غالب قادر على وجوه الانعام والانتقام لأوليائه وأعدائه كما سلط ضعفاء اهل الايمان على صناديد العرب والعجم من الاكاسرة والقياصرة وأشاع دينهم بين الأنام الى يوم القيمة وكيف لا ينصرهم سبحانه إذ هم الموحدون
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ وقدرناهم وجعلنا لهم التصرف والاستيلاء فِي الْأَرْضِ وأقطارها المعدة للطاعات والعبادات أَقامُوا واداموا الصَّلاةَ والميل إلينا البتة بجميع جوارحهم واركانهم ميلا مقرونا بأنواع الخضوع والخشوع واصناف الاستكانة والانكسار تطهيرا لنفوسهم عن العتو والاستكبار وتقريبا لأنفسهم إلينا على وجه المذلة والافتقار وَمع ذلك قد آتَوُا الزَّكاةَ مصفية لبواطنهم عن زخرفة الدنيا الغدار وَقد أَمَرُوا ايضا على من دونهم بِالْمَعْرُوفِ المستحسن شرعا وعقلا وَكذلك نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ المستقبح شرعا وطبعا على الوجه المبين لهم من السنة رسلهم وكتبهم المنزلة عليهم من الله وَبالجملة لِلَّهِ المدبر المصلح لأحوال عباده عاقِبَةُ الْأُمُورِ اى عواقب عموم الأمور ومآلها اليه سبحانه حقيقة وان صدرت
عنهم صورة ثم لما تغمم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وتحزن من تكذيب قومه إياه صلّى الله عليه وسلّم وعن نسبتهم اليه ما لا يليق بشأنه أراد سبحانه ان يسلى حبيبه صلّى الله عليه وسلّم ويزيل عنه همه
فقال وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ قومك يا أكمل الرسل لا تبال بهم وبتكذيبهم فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ اى قبل أمتك قَوْمُ نُوحٍ أخاك نوحا عليه السّلام وَكذا قد كذبت عادٌ أخاك هودا عليه السّلام وَايضا قد كذبت ثَمُودُ أخاك صالحا عليه السّلام
وَكذا قد كذبت قَوْمُ إِبْراهِيمَ جدك خليل الله الجليل أبا الأنبياء عليه وعليهم التحية والسّلام وَكذا قَوْمُ لُوطٍ قد كذبوا أخاك لوطا عليه السّلام
وَكذا أَصْحابُ مَدْيَنَ أخاك شعيبا عليه السّلام وَلا سيما قد كُذِّبَ أخوك مُوسى الكليم وقد كذبه بنو إسرائيل مرارا متعددة مع ان آياته ومعجزاته من اظهر الآيات وابهر المعجزات وبالجملة قد وقع ما وقع فَأَمْلَيْتُ وأمهلت لِلْكافِرِينَ وجميع المكذبين المعاندين المستكبرين في جميع الصور المذكورة ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ على التفصيل بأنواع العذاب والنكال الى ان أهلكتهم واستأصلتهم بل بالمرة فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إياهم وإنكاري عليهم بعد إمهالي لهم بان بدلنا النعمة عليهم نقمة والمنحة محنة واللذة ألما والفرح ترحا والقصور قبورا ولا تستبعد يا أكمل الرسل من كمال قدرتنا أمثال هذا
فَكَأَيِّنْ يعنى كثيرا مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها واستأصلنا أهلها بأنواع العذاب والعقاب وَالحال انه هِيَ ظالِمَةٌ وأهلها خارجة عن مقتضى لحدود الإلهية فَهِيَ الآن ايضا من ظلم أهلها خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها يعنى جدرانها ساقطة على سقوفها من غاية انهدامها وانتكاسها وتقلبها وانطماسها وَكم بِئْرٍ معينة مُعَطَّلَةٍ لا يستقى منها لهلاك أهلها وَكم قَصْرٍ عال مَشِيدٍ محكم أركانه وبنيانه مجصص أساسه وجدرانه خال عن ساكنيه غير مسكون فيه ولا مأنوس في حواليه
أَينكرون أولئك المنكرون هذه المذكورات جميعا فَلَمْ يَسِيرُوا ولم يسافروا فِي الْأَرْضِ المعدة للعبرة والاستبصار فَتَكُونَ تثبت وتحصل لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ويعبرون بِها من الوقائع الواقعة فيها للأمم أَوْ يحصل لهم آذانٌ وقوة سماع واستماع يَسْمَعُونَ بِها اخبارهم وآثارهم وكيفية إهلاكهم واستئصالهم فَإِنَّها اى شأن قصصهم ووقائعهم لا تَعْمَى الْأَبْصارُ منها إذ الأبصار تشاهد آثارهم واطلالهم وَلكِنْ تَعْمَى منها الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ يعنى تعمى منها عيون بصائرهم وضمائرهم إذ لم يعتبروا منها ولم يستبصروا ولم ينظروا نحوها نظر المعتبر المتأمل والمستبصر الخبير وبالجملة من لم يعتبر مما جرى على الأمم الهالكة ومن الوقائع الهائلة الجارية عليهم الظاهرة من آثارهم واطلالهم فهم هم عمى القلوب وفاقدوا البصيرة التي هي سبب شهود الغيوب واطلاع عموم العيوب وان كانت عيونهم وحواسهم صحيحة وبعد ما قد استبطأ الكفار نزول العذاب الموعود وقالوا متى هذا لوعد نزل
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ يا أكمل الرسل بِالْعَذابِ الموعود على لسانك وَالحال انه لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ الصادق الصدوق وَعْدَهُ الذي وعده لعباده وان كان بعد حين سينزل عليهم البتة وَإِنَّ يَوْماً من ايام العذاب عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في الدنيا امتدادا وطولا واما في الشدة والعناء فلا يكتنه ولا يحصى فلم يستعجلون أولئك الحمقى
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ اى كثيرا من أهلها قد أَمْلَيْتُ وأمهلت لَها وأخرت عنها عذابها وَالحال انها هِيَ ظالِمَةٌ أهلها مستحقة للعذاب
أمثالها ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب الشديد بعد ما ازداد أهلها موجباته وسنأخذ ايضا هؤلاء الحمقى عن قريب وَبالجملة لا مخلص لهم منه إذ إِلَيَّ الْمَصِيرُ اى مرجع الكل الى ومنقلبهم عندي ولا مقصد بهم غيرى وان لم يعرفوا
قُلْ يا أكمل الرسل كلاما خاليا عن وصمة الكذب صادرا عن محض الحكمة يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مرسل من عند الله مُبِينٌ مظهر لكم موانعكم وعوائقكم عن طريق الحق وصراط مستقيم
فَالَّذِينَ آمَنُوا منكم بالله وصدقوا رسله وكتبه وَمع الايمان والتصديق قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المأمورة لهم على السنة رسلهم وكتبهم المقبولة المرضية عند ربهم لَهُمْ بواسطة ايمانهم وعملهم مَغْفِرَةٌ ستر وعفو لما مضى عليهم من الذنوب والمعاصي وَرِزْقٌ كَرِيمٌ من الصوري والمعنوي في الجنة جزاء لإيمانهم وصوالح أعمالهم
وَالَّذِينَ سَعَوْا وبذلوا وسعهم وجهدهم فِي ابطال آياتِنا وردها وتكذيبها ومع ذلك صاروا مُعاجِزِينَ قاصدين مسابقين ساعين مبادرين الى رد الممتثلين المصدقين بها وانكارهم لها وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المردودون هم أَصْحابُ الْجَحِيمِ وملازموها لا نجاة لهم منها أصلا ثم لما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إصرار قومه على الكفر وشدة عنادهم وشكيمتهم عليه وعلى دينه وعلى كتابه تمنى عليه السّلام ان يأتيه وينزل عليه من الله ما يقاربهم ويحببهم معه ويزيل غيظه عن قلوبهم ويلينها لقبول الإسلام فانزل الله سبحانه سورة النجم فقرأها صلّى الله عليه وسلّم عليهم فرحا مسرورا كي يسمعوا ويميلوا على طريق الحق ثم لما وصل الى قوله تعالى أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الاخرى وتوجهت القريش نحوه صلّى الله عليه وسلّم جميعا حيث سمعوا اسماء أصنامهم منه صلّى الله عليه وسلّم في خلال الآيات والتفتوا اليه عليه السّلام وعلى وجه أشعر منهم التلقي والقبول فالهى تلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلّم فغفل صلّى الله عليه وسلّم حينئذ عن قلبه واشتغل بهم تحننا إليهم القى الشيطان على لسانه في أثناء كلامه بعد ما انتهز اللعين الفرصة على مقتضى مناه ومتمناه واسمع لهم الآية هكذا تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ففرح بذلك قريش فلم يعلم صلّى الله عليه وسلّم ماذا صدر عنه لاستغراقه في أمنيته إذ قد وجدهم مائلين نحوه محسنين له وازداد تحسينهم ومحبتهم حينئذ له وكمال تلقيهم اليه وبالغوا في الإقبال عليه صلّى الله عليه وسلّم الى ان سجد المؤمنون والمشركون جميعا في آخر السورة فسر من هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسرت القريش ايضا مما سمعوا منه صلّى الله عليه وسلّم حيث، قالوا ان محمدا قد ذكر شفعاءنا فجاءه جبرائيل مؤدبا معاتبا فأخبر بما صدر عنه من تخليطه بغير الوحى فاغتم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشد اغتمام وخاف خوفا شديدا من غيرة الله وصولة قهره فانزل الله سبحانه تسلية لرسول الله وازالة لخوفه
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكمل الرسل مِنْ رَسُولٍ ذي وحى وشرع وكتاب وَلا نَبِيٍّ ذي وحى او منام او الهام له شرع وكتاب او بعث لترويج شرع غيره من الأنبياء والرسل وكتبهم إِلَّا إِذا تَمَنَّى وطلب شيأ قد أحب وقوعه من تلقاء نفسه واهتم بشأنه بلا ورود وحى عليه ومع ذلك قد تمنى من الله مثل تمنيك هذا ان ينزل سبحانه عليه من الآيات مناسبا لما أمله وأحبه أَلْقَى الشَّيْطانُ من تسويلاته وتغريراته فِي أُمْنِيَّتِهِ ومبتغاه كما القى في لسانك يا أكمل الرسل فالهاه عن نفسه الى حيث خلط اللعين بالوحي الإلهي من تسويلاته ثم بعد ما تنبه وتذكر النبي المتمنى ما وقع من نزغ الشيطان استعلى من غوائل اللعين ورجع الى الله متندما تائبا آئبا فَيَنْسَخُ اللَّهُ المؤيد لأنبيائه المراقب في عموم أحوالهم عليهم اى يسقط ويزيل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ
بعد ما أزال سبحانه ونسخ ما خلطه الشيطان وادخله في خلال الوحى من تلبيساته يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ المنزلة من عنده ويميزها ويفصلها احكاما تاما واتقانا محكما وتمييزا تماما وفضلا كاملا وَبالجملة اللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده المطلع على استعداداتهم عَلِيمٌ بما انزل عليهم مما يناسب استعداداتهم حَكِيمٌ في انزاله وتدبيره حسب مصالحهم وان توهم ان الله قادر على محافظة أنبيائه ورسله سيما نبينا صلّى الله عليه وسلّم عن إلقاء الشيطان وتغريره وتخليطه إياهم أول مرة فلم لم يحفظهم من القائه حتى لا يصدر عنهم أمثال ما صدر حتى أصبح الى نسخه وإزالته بالآخرة
قيل انما لم يحفظهم سبحانه أول مرة لِيَجْعَلَ سبحانه ما يُلْقِي الشَّيْطانُ في أثناء الوحى فِتْنَةً ابتلاء واختبارا لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الحاد وميل عن الحق وانحراف عن طريقه هل يعرفون ويميزون كلام الحق من تسويلات الشياطين أم لا وَلا سيما المرضى الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ عن ان يسع فيها كلام الله وآياته ألا وهم المشركون الذين قد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة عظيمة وغطاء غليظ تمنعهم عن استماع آيات الله وادراك مقاصده وَبالجملة إِنَّ الظَّالِمِينَ الخارجين المتجاوزين عن مقتضى العقل والشرع باتخاذهم الجمادات التي قد نحتوها بأيديهم شركاء شفعاء عنده لَفِي شِقاقٍ خلاف وجدال بَعِيدٍ عن الحق بمراحل فمن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
وَايضا لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ اللدني من عند الله ووفقوا من لدنه لقبول أحكامه أَنَّهُ اى القرآن وآياته المشتملة على الأوامر والنواهي والحكم والاحكام والمعارف والحقائق او اقداره سبحانه الشيطان بالإلقاء والتخليط المذكور افتتانا منه سبحانه وابتلاء لعباده الْحَقُّ الثابت المحقق النازل الصادر مِنْ رَبِّكَ يا أكمل الرسل فَيُؤْمِنُوا بِهِ اى بالله بانزاله القرآن او باقداره الشيطان ان يلقى اختبارا لعباده فكيف بالسنة آحاد عباده وعلى قلوبهم فَتُخْبِتَ وتطمئن لَهُ قُلُوبُهُمْ ويزداد وثوقهم وصاروا على خطر عظيم واحتياط بليغ عن غوائل الشيطان وتغريراته ومن افتتان الله إياهم وَبالجملة إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائر عباده لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا وأخلصوا لله في عموم ما جاءوا به من الأعمال والأحوال والمواجيد والأفعال بلا شوب شك وتردد إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيده بلا عوج وانحراف
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وانصرفوا عن مقتضيات آياته الكبرى لمرض صدورهم وقسوة قلوبهم فِي مِرْيَةٍ شك وارتياب مِنْهُ اى من القرآن او من ابتلاء الله إياهم بإلقاء الشيطان حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ اى أشراطها واماراتها بَغْتَةً فجاءة وهم حينئذ في ريبهم وغفلتهم يترددون أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ هو عذاب يوم القيمة وصفه بالعقم إذ لا يقبل فيه توبة ولا ايمان ولا شفاعة كأنه عقيم لا يد لهم خيرا ولا يثمر فيه أعمالهم ثوابا وتوبتهم قبولا وكيف يقبل فيه توبة واستغفار وينفعهم فيه الايمان
إذ الْمُلْكُ المطلق والتصرف التام والاستيلاء الكامل يَوْمَئِذٍ بعد انقضاء نشأة الابتلاء والاختبار لِلَّهِ المستقل بالالوهية والربوبية وعموم التصرف مطلقا وان كان في النشأة الاولى ايضا كذلك إذ لا يجرى في ملكه الا ما يشاء ازلا وابدا دنيا وعقبى الا انه سبحانه قد أقدرهم على الإطاعة والانقياد في النشأة الاولى صورة كما أقدرهم على الإنكار والعناد فيها لحكم ومصالح قد استأثر بها سبحانه في غيبه بلا اطلاع احد عليه إذ هي هذه نشأة الافتتان والاختبار وبعد انقضائها لا يقبل منهم جبر ما فوتوا على نفوسهم في تلك النشأة الآتية التي هي نشأة الجزاء
بل يَحْكُمُ سبحانه يومئذ بحكمه المبرم بَيْنَهُمْ بمقتضى ما قد علم منهم وصدر عنهم وجرى عليهم وحاسبهم به ان خيرا فخير وان شرا فشر فَالَّذِينَ آمَنُوا على وجه الإخلاص والإخبات وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ المترتبة على الايمان واليقين هم في النشأة الاخرى متمكنون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دائمون فيها مقيمون لا يتحولون الى ما هو ادنى بل يترقون الى الأعلى حتى يفوزوا بشرف اللقيا واللقاء والبقاء
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله في النشأة الاولى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا لبيان توحيدنا فَأُولئِكَ الأشقياء المكذبون المردودون لَهُمْ في الآخرة عَذابٌ مُهِينٌ لإهانتهم أنبياء الله ورسله وما نزل عليهم من الآيات البينات والمعجزات القاطعات الساطعات.
ثم قال سبحانه وَالموحدون المخلصون الَّذِينَ هاجَرُوا وتركوا مضيق بقعة الإمكان سالكين فِي سَبِيلِ اللَّهِ طالبين الوصول الى فضاء الوجوب والفناء فيه ثُمَّ قُتِلُوا بأيدي الغفلة الكفرة الجهلة عن معرفة الله ووحدة ذاته واستقلاله في عموم التصرفات بل في الوجود ولوازم الحيوة مطلقا أَوْ ماتُوا بالموت الاضطراري حتف أنوفهم بعد ما قد خرجوا من الحيوة الصورية بالموت الإرادي والفناء المعنوىّ الحقيقي لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ المنعم المفضل عليهم رِزْقاً حَسَناً حقيقيا من لدنه تفضلا عليهم وامتنانا وكيف لا يرزقهم سبحانه مع انهم أولياؤه وهو سبحانه رازق لعموم أعدائه فكيف باوليائه وَبالجملة إِنَّ اللَّهَ المتجلى في الآفاق المتكفل بارزاق من عليها وما عليها لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ اى من عموم من ينسب إليهم الرزق صورة ومجازا إذ مرجع الكل اليه ومبدؤه منه وتوفيقهم بيده واقدارهم منه وتمكينهم عليه وهم ظله وفي حيطة حضرة علمه وحوزة قدرته وحومة اختياره وارادته وفعلهم حقيقة منسوب اليه مسند به لا فاعل له ولهم سواه وبعد ما قد رزقهم الله بالرزق المعنوي بدل ما جاهدوا في سبيله من تحمل الأذى والمشاق والمتاعب في القطع والانقطاع عن مألوفات بقعة الإمكان ومشتهيات نفوسهم وهوياتهم فيها سيما من اللذات البهية والشهوات الشهية البهيمية
لَيُدْخِلَنَّهُمْ سبحانه حسب فضله وسعة جوده مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ اى مسكنا ومقاما ترضى به ومنه نفوسهم بدل ما يتركون من البقاع العلية والديار المزينة البهية والقصور المشيدة المرتفعة الا وهي المكاشفات العلية والمشاهدات الواردة عليهم دائما من الاطلاع على سرائر الأسماء والصفات الإلهية والواردات الغيبية الفائضة عليهم من فضاء عالم اللاهوت حسب جود حضرة الرحموت وَإِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده لَعَلِيمٌ بمصالحهم وما يستدعيه استعداداتهم حَلِيمٌ يفعل بهم ما يرضى به قلوبهم ونفوسهم ويسع في قابلياتهم ومشاعرهم
ذلِكَ الأمر والشأن المذكور لمن هاجر الى الله طالبا لقياه مخلصا خالصا لوجهه الكريم ثم قال سبحانه على سبيل الوصاية والتنبيه وَمَنْ عاقَبَ ظالمه بعد ما غلب عليه وأراد ان ينتقم عنه بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ اى بمقدار ظلمه بلا زيادة عليه ونقصان ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ اى غلب الظالم على المظلوم المنتقم كرة اخرى ومرة بعد اولى وأراد أن يظلم عليه ثانيا لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ العزيز الغالب المنتقم للمظلوم في الكرة الثانية ايضا ما لم يتجاوز عن حد الانتقام ولا ينظر سبحانه حسب عدله الى اجترائه الى الانتقام وتركه ما هو الاولى حسب فضله الا وهو العفو عند المقدرة وكظم الغيظ لدى الفرصة إِنَّ اللَّهَ المطلع لمقتضيات استعدادات عباده لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما صدر عنهم من المبادرة الى الانتقام لدى القدرة
ذلِكَ النصر على من ظلم بِأَنَّ اللَّهَ اى بسبب ان الله المستوي على القسط القويم يُولِجُ ويدخل اللَّيْلَ المظلم اى اجزاءه فِي النَّهارِ
المضيء وَيُولِجُ النَّهارَ المضيء ايضا فِي اللَّيْلِ المظلم على التدريج ليعتدلا ويعتدل من ظهر من كرهما وتجددهما وَأَنَّ اللَّهَ المدبر لمصالح مظاهره بالحكمة المتقنة سَمِيعٌ يسمع ما هو من قبيل المسموعات من الوقائع التي أدركها السمع بَصِيرٌ يبصر ما هو من قبيل المبصرات من الحوادث المدركة بالبصر
ذلِكَ اى سمعه سبحانه للمسموعات مطلقا وابصاره للمبصرات رأسا بِأَنَّ اللَّهَ المتجلى في الآفاق والأنفس هُوَ الْحَقُّ المقصور على التحقق والثبوت بالاستحقاق لا غيره من الاظلال الهالكة والعكوس المستهلكة الواجب وجوده بلا ارتياب الممتنع نظيره على الإطلاق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ ايها المشركون مِنْ دُونِهِ من الآلهة الباطلة هُوَ الْباطِلُ المقصور على العدم والبطلان كسائر المظاهر والمجالى التي لا وجود لها فكيف الألوهية والإله لا بد وان يكون واجب الوجود دائم التحقق والثبوت ازلا وابدا حيا قيوما سرمدا ثم جامعا ما يترتب على الوجود من الأوصاف والأسماء الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء وهم في أنفسهم معزولون عن الوجود فكيف عن لوازمها ولواحقها وَاعلموا أَنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء المتعزز المتأزر بإزار المجد والبهاء المتوحد المتفرد بالقيومية والبقاء الأزلي الأبدي هُوَ الْعَلِيُّ بذاته المتعالي عن ان تصفه السنة العقلاء وتعرب عنه افهام العرفاء الْكَبِيرُ المستكبر في شأنه جل جلاله عن ان يحيط به وبأوصافه وأسمائه مشاعر شيء من مظاهره ومصنوعاته
أَلَمْ تَرَ ايها المعتبر الرائي أَنَّ اللَّهَ المتخصص بالآثار البديعة والمتجلى بالصنائع العجيبة الغريبة قد أَنْزَلَ بعد تصعيد الابخرة والادخنة وتركيبها وتركيمها مِنَ السَّماءِ اى من جانبها ماءً مصفى على الأرض اليابسة الميتة فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ وتصير مُخْضَرَّةً بعد ما كانت هامدة يابسة أَنَّ اللَّهَ المدبر بالتدابير الباهرة لَطِيفٌ دقيق رقيق علمه متعلق برقائق المعلومات ودقائقها خَبِيرٌ ذو خبرة كاملة بحيث لا يعزب عن خبرته شيء ممارق وغلظ وكيف يعزب عن حيطة علمه شيء من المعلومات
إذ لَهُ ملكا وتصرفا إظهارا وخلقا مظاهر ما فِي السَّماواتِ اى عموم ما في العلويات من الكوائن والفواسد وَكذا مظاهر ما فِي الْأَرْضِ من السفليات مثلها وَإِنَّ اللَّهَ المتجلى على عموم ما ظهر وما بطن غيبا وشهادة لَهُوَ الْغَنِيُّ بذاته عن جميع مظاهره واظلاله الْحَمِيدُ بآثار أوصافه وأسمائه الكاملة
أَلَمْ تَرَ ايها الرائي ولم تعلم أَنَّ اللَّهَ المتكفل لأمور عباده سَخَّرَ لَكُمْ ولتربيتكم وترتيب معاشكم ما فِي الْأَرْضِ من الحيوانات التي تأكلون منها وتزرعون بها وتركبون عليها وتحملون هذا في البر وَسخر لكم الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وعلى مقتضى مشيئته وارادته حيثما سعيتموها واجريتموها أنتم حسب مقاصدكم ومرماكم تتميما لأمور معاشكم من كمال علمه وحكمته وبقوة قدرته وارادته وَيُمْسِكُ السَّماءَ معلقة بلا عمد وأساطين كراهة أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فيختل امور معاشكم بوقوعها وان كان لا يضركم إذ هي اجرام في غاية الخفة واللطافة بل انسد وبطل من وقوعها على الأرض إنزال المطر على الوجه المعهود المقوى لا نبات الأقوات وبالجملة من شأنها الوقوع لولا إمساكه سبحانه إياها إِلَّا ان تقع عليها بِإِذْنِهِ سبحانه وعند تعلق ارادته ومشيئته بوقوعها وذلك في يوم القيمة وعند الطامة الكبرى أَنَّ اللَّهَ المدبر لمصالح العباد بِالنَّاسِ المجبولين على الكفران والنسيان لَرَؤُفٌ مشفق عطوف رَحِيمٌ بهم يعفو زلتهم ويرزقهم من حيث لا يحتسبون
وَكيف لا يرحمكم ولا يرأف عليكم مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ في النشأة الاولى
وأظهركم من كتم العدم بحوله وقوته بلا سبق مادة ومدة ثُمَّ يُمِيتُكُمْ اظهار لقدرته وبسطته ومقتضيات جلاله وقهره ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في النشأة الاخرى لتوفية الجزاء على ما أمركم به في النشأة الاولى وبالجملة إِنَّ الْإِنْسانَ مركب من السهو والنسيان لَكَفُورٌ مبالغ في الكفران لنعم الله ناس لحوق كرمه ومن جملة انعامنا عليه انا
لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم قد جَعَلْنا وعينا لهم مَنْسَكاً معينا ومقصدا مخصوصا هُمْ ناسِكُوهُ اى ينسكونه ويسلكون نحوه ويتقربون فيه بالقرابين والهدايا فَلا يُنازِعُنَّكَ يعنى من حقهم واللائق بحالهم ان لا ينازعنك ولا يخاصمنك يا أكمل الرسل فِي الْأَمْرِ الذي كنت عليه من الذبح وغيره من الشعائر المتعلقة بأمور الدين ومعالم الهدى واليقين وَادْعُ أنت يا أكمل الرسل إِلى توحيد رَبِّكَ عموم الأنام حيث ما أمرت إِنَّكَ في دعوتك هذه لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ اى طريق واضح سوى موصل الى التوحيد الذاتي بلا عوج وانحراف
وَإِنْ جادَلُوكَ في أمرك هذا ودعوتك هذه وخاصموا معك عنادا ومكابرة فلا تلتفت أنت يا أكمل الرسل إليهم ولا تقابل معهم على سبيل المعارضة والممانعة فَقُلِ لهم ولدفعهم اللَّهُ المطلع لخفيات الأمور واسرارها أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ بمقتضى اهوية نفوسكم فيجازيكم على مقتضى علمه وخبرته بكم وبأعمالكم وان الجأتمونى الى الخصومة والحكومة
ف اللَّهُ المحيط المطلع بضمائر كلا الفريقين يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبيني يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ معى من شعائر ديني وملتي وامارات يقيني وهدايتي
أَتنكر ايها المنكر المجبول على الإدراك والشعور احاطة علم الله بعموم المعلومات ولَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ المتجلى بجميع ما ظهر وبطن يَعْلَمُ بعلمه الحضوري جميع ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ من الأمور الكائنة والفاسدة فيهما بحيث لا يعزب عن حيطة خبرته وعلمه شيء وكيف لا يعلمها سبحانه إِنَّ ذلِكَ جميعا مثبت مسطور فِي كِتابٍ هو لوح قضائه وحضرة علمه المحيط ولا تستبعد أمثال هذا عن جنابه سبحانه إِنَّ ذلِكَ الاطلاع على الوجه المذكور عَلَى اللَّهِ المتصف بجميع أوصاف الكمال يَسِيرٌ وبجنب قدرته وارادته سهل حقير
وَهم في غاية غفلتهم عن الله وانكارهم احاطة علمه يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ المستحق للعبادة بالاستحقاق ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً اى أصناما وأوثانا لم ينزل سبحانه على استحقاقهم للعبادة برهانا وتبيانا ليكون حجة دالة على مدعاهم وَبالجملة هم يعبدون ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ لا دليل عقلي ولا نقلي دال على لياقتهم واستحقاقهم للعبادة والانقياد بل ما يعبدون الا ظلما وزورا بلا سند عقلي او نقلي وَبالجملة ما لِلظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى العقل والنقل حين بطش الله إياهم وانتقامه عنهم مِنْ نَصِيرٍ ينصرهم او يستدفع عنهم العذاب ويستشفع لهم عنده سبحانه بتخفيفه
وَمن غاية ظلمهم وخروجهم عن مقتضى الحدود الإلهية إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا مع كونها بَيِّناتٍ واضحة الدلالات عليها تَعْرِفُ وتبصر أنت ايها الرائي فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بها الْمُنْكَرَ اى علامات الإنكار وامارات العتو والاستكبار بحيث ترونهم من شدة شكيمتهم وغيظهم المفرط يَكادُونَ ويقربون يَسْطُونَ يبطشون ويأخذون بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا يعنى النبي وأصحابه غيظا عليهم وعلى ما جرى من ألسنتهم بل على من انزل عليهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع أَتغيظون وتضجرون من استماع هذه الآيات العظام وتتشاءمون من سماعها فَأُنَبِّئُكُمْ وأخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ الآيات وهو أشد غيظا واكثر ضجرة وكآبة منها يعنى النَّارُ المسعرة
الموعودة التي قد وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى لهم ولأجلهم بسبب كفرهم وضلالهم وَبالجملة بِئْسَ الْمَصِيرُ والمنقلب النار المسعرة المعدة لأصحاب الإنكار والضلال
يا أَيُّهَا النَّاسُ المجبولون على الغفلة والنسيان والجهل عن عظمة الله وحق قدره لذلك قد أثبتم له أمثالا واشباها مع تعاليه وتنزهه عن الشركة مطلقا اسمعوا ايها المشركون المبطلون قد ضُرِبَ مَثَلٌ في حق شركائكم ومعبوداتكم الباطلة فَاسْتَمِعُوا لَهُ سمع تدبر وتأمل ثم أنصفوا واعدلوا بلا مكابرة وعناد إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتعبدون أنتم ايها المدعون المكابرون مِنْ دُونِ اللَّهِ القادر المقتدر بعموم المقدورات بالعلم المحيط والارادة الكاملة والحكمة المتقنة البالغة لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً بل لن يقدروا على خلق احقر منه واخس لا كل واحد منهم فرادى بل وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ اى لخلق الذباب وتظاهروا لإيجاده مجتمعين لن يقدروا ايضا البتة وَكيف خلق الذباب وإظهاره من العدم بل إِنْ يَسْلُبْهُمُ ويأخذ منهم الذُّبابُ الحقير الضعيف الذي لا شيء احقر منه وأضعف شَيْئاً من الالهة الباطلة اى من حليهم وزينتهم لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ولا يقدروا على ان يخرجوا من يده لعجزهم وعدم قدرتهم وبالجملة كيف تعبدون ايها الحمقى العابدون لأولئك الهلكى والعاجزين الساقطين ومن انى تطيعون بهم وتقيمون بعبادتهم فقد ظهر ولاح من هذا المثل للمتأمل المتدبر أنه قد ضَعُفَ وحط وسقط عن زمرة العقلاء ورتبتهم الطَّالِبُ العابد الجاهل وَالْمَطْلُوبُ المعبود المجهول المنحط عن رتبة احقر الأشياء وأخسها فكيف عن أعلاها وأقواها فكيف عن خالق الأشياء وموجدها ومظهرها من كتم العدم على سبيل الإبداع والاختراع تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وبالجملة ما صدر عنهم كل ما صدر من الهذيانات الباطلة العاطلة ومن المزخرفات الزاهقة الزائلة الا بواسطة انهم ما قَدَرُوا اللَّهَ القادر المقتدر على عموم المقدورات والمرادات وما عرفوا لوازم ألوهيته وما علموا حَقَّ قَدْرِهِ وقدر حقيته كما هو اللائق بشأنه لذلك ما وصفوه حق وصفه وما نسبوا اليه ما يليق بجنابه جهلا وعنادا بحيث اثبتوا له شركاء عاجزين من أضعف الأشياء وأحقرها إِنَّ اللَّهَ المتردي برداء العظمة والكبرياء لَقَوِيٌّ في ذاته لا حول ولا قوة الا به عَزِيزٌ غالب في امره وحكمه متصرف مستقل في ملكه وملكوته يفعل كل ما يفعل بالإرادة والاختيار ويحكم كل ما يريد بكمال الاستيلاء والاستقلال لا راد لفعله ولا معقب لحكمه الا وهو الكبير المتعال ومن علو شأنه سبحانه وسمو برهانه وكمال عزته وكبريائه وغاية سطوته وسلطانه يتوسل اليه ويتوصل نحوه بوسائل ووسائط قد اختارهم سبحانه لرسالته واجتباهم من خليقته لهداية التائهين في بيداء ألوهيته الى زلال وحدته وهداهم بمقتضى سنته وجرى عادته وحكمته انقياد دينه وملته
كما أشار اليه سبحانه في كتابه حيث قال اللَّهُ العلى المتعالي ساحة عز ذاته عن ان يكون شرعة كل وارد او يطلع على سرائر أسمائه وصفاته واحدا بعد واحد بل يَصْطَفِي ويختار نفسه وذاته حسب دقائق أسمائه وصفاته مِنَ الْمَلائِكَةِ المقربين عنده رُسُلًا يرسلهم سبحانه الى خواص البشر وخلصه وَايضا يصطفى ويختار مِنَ خيار النَّاسِ واشرافهم رسلا يرسلهم نحو عموم العباد بالنبوة والرسالة ليرشدوهم الى توحيده سبحانه ويهدوهم الى سواء طريقه إِنَّ اللَّهَ المطلع لاستعدادات عباده سَمِيعٌ يسمع جميع أقوالهم ومناجاتهم ويقضى عموم حاجاتهم بَصِيرٌ يبصر جميع أعمالهم وأفعالهم ويجازيهم عليها
إذ يَعْلَمُ سبحانه بعلمه الحضوري منهم عموم ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الأفعال
والأحوال حالا حاضرا وَكذا عموم ما خَلْفَهُمْ من الأخلاق والأطوار ماضيا ومستقبلا غائبا وَبالجملة إِلَى اللَّهِ الذي قد بدأ منه عموم ما بدا تُرْجَعُ الْأُمُورُ الكائنة ازلا وابدا ظاهرا وباطنا حالا ومآلا دنيا وعقبى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق ورجوع الكل نحوه أولا وبالذات ارْكَعُوا عنده خاضعين خاشعين منكوسين منكسرين وَاسْجُدُوا له متواضعين متذللين وَبالجملة اعْبُدُوا بجميع اركانكم وجوارحكم رَبَّكُمْ الذي رباكم بأنواع النعم كي تعرفوا ذاته حسب استعداداتكم وقابلياتكم واشكروا نعمه الفائضة عليكم وأدوا حقوق كرمه مقدار وسعكم واعبدوا إياه حق عبادته حسب طاقتكم وَبالجملة افْعَلُوا الْخَيْرَ على الوجه الذي أمرتم به طلبا لمرضاته واحذروا عن الشر هربا عن سخطه وحلول غضبه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون بما وعدتم من جنة المأوى وشرف اللقاء. وفقنا بفضلك وجودك بما تحب عنا وترضى
وَبعد ما سمعتم ما سمعتم من علو شأنه وكمال عظمته وكبريائه وبسطته وبهائه جاهِدُوا فِي اللَّهِ واجتهدوا في طريق توحيده حَقَّ جِهادِهِ وابذلوا وسعكم وطاقتكم في سلوك سبيل المعرفة والتوحيد مرابطين قلوبكم الى الله باذلين مهجكم في سلوك سبيل الفناء فيه وكيف لا تجاهدون مع انفسكم ولا يرابطون قلوبكم ايها المائلون الى الله بالميل الحبى الشوقى مع انه هُوَ بذاته قد اجْتَباكُمْ واصطفاكم من بين بريته لدرك توحيده والاتصاف بعرفانه وقد أرسل عليكم الرسل وانزل الكتب ليرشدوا لكم اليه ويبينوا لكم طريق توحيده بوضع المناهج والطرق والمسالك الموصلة اليه والملل والأديان المثمرة له وَبالجملة ما جَعَلَ سبحانه عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ والشريعة الموضوعة بينكم مِنْ حَرَجٍ ضيق وعسر خارج عن وسعكم وطاقتكم بل قد وسع سبحانه عليكم الأمر وفضلكم على سائر خليقته حيث فطركم على فطرة المعرفة وجبلكم على جبلة التوحيد وجعل ملتكم مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ صلوات الرّحمن عليه وسلامه إذ لا ضيق فيه ولا حرج أضاف سبحانه ابوة ابراهيم الى الامة إذ هو صلّى الله عليه وسلم جد الرسول صلّى الله عليه وسلّم والرسول أب لهم إذ رسول كل امة بالنسبة الى أمته أب بل هو خير الآباء بإرشادهم الى الحق ولا معنى للأب حقيقة الا المرشد المربى وكما جعل سبحانه ملتكم ملة ابراهيم هُوَ سبحانه بذاته ايضا قد سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ في كتبه السالفة حيث قال سبحانه من يؤمن ويصدق بمحمد خاتم النبوة والرسالة يصير مسلما وَفِي هذا الكتاب قد بين التسمية على وجه التسليم وسماكم فيه ايضا مسلمين ضمنا وانما سماكم سبحانه مسلمين مسلمين منقادين لِيَكُونَ الرَّسُولُ الذي هو أكمل الرسل وأفضل الأنبياء بنفسه شَهِيداً عَلَيْكُمْ شاهدا على انقيادكم وتسليمكم في يوم الجزاء وَتَكُونُوا أنتم ايضا بسبب هذا الاسم والتسمية والاضافة أفضل الأمم واشرف الفرق وبواسطة كونكم من أمته وزمرته وتحت لوائه وفي حيطة حوزته تكونون شُهَداءَ أمناء عَلَى عموم النَّاسِ بتبليغ رسالته صلّى الله عليه وسلم إليهم واظهار الدعوة لهم وبعد ما ثبت خيريتكم وشرفكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ واديموا الميل والتوجه نحو الحق بجميع الجوارح والأركان تقربا اليه شوقا وتحننا وَآتُوا الزَّكاةَ المسقطة لميلكم والتفاتكم الى زخرفة الدنيا وحطامها وَبالجملة اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ في كل الأحوال واثقين بفضله وجوده وفوضوا أموركم كلها اليه متوكلين عليه إذ هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومعينكم ومتولى أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى الأمين هو سبحانه وَنِعْمَ النَّصِيرُ الناصر المعين ذو القوة المتين حسبنا الله ونعم الوكيل
563
خاتمة سورة الحج
ايها السالك المجاهد في سبيل الله مع اعداء الله التي هي عبارة عن موانع الوصول الى توحيده الذاتي ان تجاهد او لامع نفسك التي بين جنبيك إذ هي أعدى عدوك وأشد صولة واستيلاء على مملكة باطنك وقلبك الذي هو مخيم سرادقات سلطان الوحدة ومحل نزول قهرمان العزة ومهبط الوحى الإلهي والوارد الغيبى فلك ان تزيل صولتها وتشتت شملها وتفرق جمعها التي هي جنودها وأعوانها من القوى الشهوية والغضبية وجميع الأوصاف البهيمية المستدعية الداعية الى تخريب القلب وتعمير النفس الامارة بالسوء وتقويتها وتقويمها إذ عداوتها ومنعها ذاتية حقيقية بلا واسطة وعداوة سائر الموانع بواسطتها وإياك إياك الإطاعة والانقياد إليها فإنها تشغلك عن الحق وتضلك عن سبيله وتغريك الى الباطل ونفودك الى طريقه. فاعلم ايها المجاهد الطالب للغلبة على جنود النفس الامارة انه لا يمكن لك هذا ولا يتيسر عليك الا بالاعتزال عن أقطاع الشيطان وعن مملكة النفس ومشتهياتها ومستلذاتها بالكلية وبالتشمير نحو الحق بالعزيمة الخالصة عن مطلق الرياء والرعونات والانخلاع عن مقتضيات الأوصاف البشرية بالإرادة الصادقة وبالتوجه التام نحو الوحدة الذاتية من طريق الفناء بإسقاط الإضافات المشعرة لتوهم الكثرة وبالجملة لا يتم سلوك السالك في طريق التوحيد الا بالفناء في الله والبقاء ببقائه ربنا هب لنا من لدنك جذبة تنجينا عن مضائق هوياتنا وتوصلنا الى فضاء توحيدك بمنك وجودك
[سورة المؤمنين]
فاتحة سورة المؤمنين
لا يخفى على المؤمنين المفلحين الفائزين بالدرجة العلية والمرتبة السنية من مراتب التوحيد المنتظرة لأرباب الولاء الوالهين في سر سريان الوحدة الذاتية وكيفية امتدادها وانبساطها على هياكل التعينات وتماثيل الهويات العدمية المنصبغة بصبغ الوجود الفائض من التجليات الذاتية والشئون الصفاتية المتشعشعة من الذات الاحدية لإظهار الكمالات المندمجة فيها ان ترقى المؤمنين الموقنين بالتوحيد الذاتي من حضيض البشرية المتصفة بالأوصاف الناسوتية والتطورات الطبيعية الى ذروة الشئون الذاتية اللاهوتية المنعكسة من الأسماء الذاتية الإلهية انما هو بالميل المقارن بالخشوع والخضوع والتذلل التام والانكسار المفرط المسقط للوازم الأنانية المبعدة عن الحق وكذا بالإعراض والانصراف عن فرطات الألحاظ وسقطات الألفاظ وبالتطهر والتعري عن زخرفة الدنيا المانعة من الوصول الى المولى وكذا عن جميع الأوصاف البهيمية من الغضبية والشهوية الا ما تقضيه الحكمة الإلهية من الإبقاء والاستغناء فمن تعدى وتجاوز عنه فقد لحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا. وبالجملة لا بد للقاصد السائر السالك نحو الحق من الميل الخالص الدائم والتوجه التام المستمر نحوه مع انخلاع عن لوازم ناسوته ورسوم هويته مطلقا متدرجا في افنائها وفنائها الى ان يفنى عن الافناء والفناء ايضا حتى يمكن له الوصول الى فضاء اللاهوت وسعة حضرة الرحموت فح انقطع السير وارتفع الغير ولم يبق الا الخير الى الخير الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لذلك اخبر سبحانه في هذه السورة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم عن احوال المؤمنين الموقنين اوصافهم وترقبهم فيها فقال متبركا باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد أفاض على ارباب الايمان بعد رسوخهم وتمكنهم فيه كرامة التوحيد والعرفان الرَّحْمنِ عليهم يوفقهم على انواع الطاعات واصناف الخيرات والمبرات الموصلة الى درجات الإحسان الرَّحِيمِ لهم ينجيهم عن دركات النيران ويوصلهم
564
Icon