تفسير سورة سورة آل عمران

أبى بكر السجستاني

كتاب نزهة القلوب

أبى بكر السجستاني

﴿ ٱلتَّوْرَاةَ ﴾: معناه الضياء والنور؛ وقال البصريون أصلها وَوَرْيَةَ (فوعلة) من ورَى الزند وروى (لغتان) إذا خرجت ناره ولكن الواو الأولى قلبت تاء؛ كما قلبت في تولج؛ وأصلها وولج من ولج أي دخل؛ والياء قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقال الكوفيون: توراة: أصلها تورية " على تفعلة " إلا أن الياء قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. ويجوز أن تكون تورية * على وزن تفعلة فنقل من الكسر إلى الفتح كما قالوا: جارية وجاراة؛ وناصية وناصاة (إنجيل): إفعيل من النجل وهو الأصل؛ والإنجيل أصل لعلوم وحكم. ويقال: هو من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته؛ والإنجيل مستخرج به علوم وحكم.
﴿ آيَاتٌ ﴾ علامات؛ وعجائب أيضاً؛ وآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه. وقيل معنى آية من القرآن أي جماعة حروف؛ يقال خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم. قال الشاعر: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا   بآيتنا نزجي اللقاح المطافلاأي بجماعتنا أي لم يدعوا وراءهم شيئا ﴿ زَيْغٌ ﴾: ميل. وقوله عز وجل ﴿ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ أي ميل عن الحق﴿ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار ﴾[ص: ٦٣] أي مالت. وقوله تعالى جل ذكره﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾[الصف: ٥] أي لما مالوا عن الحق أمال الله قلوبهم عن الإيمان والخير ﴿ تَأْوِيلِ ﴾ أي مصير ومرجع وعاقبة؛ وقوله عز وجل: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ أي ما يئول إليه من معنى وعاقبة. ويقال: تأول فلان الآية؛ أي نظر إلى ما يئول معناها ﴿ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾: الذين رسخ عليهم وإيمانهم وثبت كما يرسخ النخل في منابته؛ قال أبو عمر: سمعت المبرد وثعلبا يقولان: معنى قوله عز وجل ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾: المتذاكرون بالعلم؛ وقالا لا يذاكر بالعلم إلا حافظ.
﴿ ٱلْقَنَاطِيرِ ﴾ جمع قنطار؛ وقد اختلف في تفسير القنطار؛ فقال بعضهم: ملء مَسك ثور ذهبا أو فضة. وقيل ألف ألف مثقال؛ وقيل غير ذلك. وجملته أنه كثير من المال. والمقنطرة: المكملة كما تقول: بدرة مبدرة وألف مؤلفة: أي تامة. وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة؛ كأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة (مسومة) تكون من سامت أي رعت؛ فهي سائمة؛ وأسمتها أنا وسومتها. وتكون مسومة: معلمة، من السيماء: وهي العلامة. وقيل: المسومة المطهمة؛ والتطهيم التحسين. وقوله عز وجل﴿ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾[هود: ٨٢-٨٣] يعني حجارة معلمة عليها أمثال الخواتيم.(مآب): مرجع.
﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ ﴾: أي تدخل هذا في هذا؛ فما زاد في واحد نقص من الآخر مثله.﴿ تُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾: تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن؛ وقيل: بعض الحيوان من النطفة والبيضة وهما ميتان؛ من الحي.﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير تقدير وتضييق.﴿ تُقَـٰةً ﴾ وتقية بمعنى واحد.
آية رقم ٣٤
﴿ ذُرِّيَّةً ﴾: أي أولاد وأولاد أولاد. قل بعض النحويين: ذرية: تقديره فعلية من الذر؛ لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى. وقال غيره: أصل ذرية ذُرُّورة على وزن فُعلولة فلما كثر ذلك التضعيف أبدلت الراء الأخيرة ياء فصارت ذروية؛ ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية. وقيل ذرية: فُعُّولة من ذرأ الله الخلق؛ فأبدلت الهمزة ياء كما أبدلت أبدلت في نبئ.
﴿ كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي ضمها إليه وحضنها ﴿ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ هو مقدم المجلس وأشرفه؛ وكذلك هو في المسجد. والمحراب أيضا: الغرفة، والجمع المحاريب ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ من أين لك هذا؟ وقوله:﴿ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾[البقرة: ٢٢٣] كيف شئتم؛ ومتى شئتم؛ وحيث شئتم؛ فتكون أنى على ثلاث معان.
﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ أي على عالم دهرها كما فضلت فاطمة وخديجة على نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم. انظر ١٤٠ من الأعراف.
آية رقم ٤٦
﴿ يُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾: يكلمهم في المهد آية وأعجوبة؛ ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة. والكهل: الذي انتهى شبابه؛ يقال اكتهل الرجل إذا انتهى شبابه.
﴿ أَحَسَّ ﴾ علم ووجد ﴿ أَنصَارِيۤ ﴾ أعواني ﴿ ٱلْحَوَارِيُّونَ ﴾: هم صفوة الأنبياء عليهم السلام الذين خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم ونصرتهم؛ وقيل إنهم كانوا قصَّارين فسموا الحواريين لتبييضهم الثياب؛ ثم صار هذا الإسم مستعملا فيمن أشبههم من المصدقين؛ وقيل كانوا صيادين؛ وقيل كانوا ملوكا، والله أعلم * قال أبو عمر: فيه ثلاث لغات: صَفوة وصِفوة وصُفوة والكسر أجودهن.
(ربانيون) كاملو العلم؛ قال محمد بن الحنفية رضوان الله عليه حين مات ابن عباس رضي الله عنهما: اليوم مات رباني هذه الأمة. وقال أبو العباس ثعلب: إنما قيل للفقهاء الربانيون، لأنهم يربون العلم أي يقومون به. وقال أبو عمر عن ثعلب: العرب تقول: رجل رباني وربي إذا كان عالما عاملا.
﴿ بَكَّةَ ﴾: اسم لبطن مكة لأنهم يتباكُّون فيه، أي يزدحمون، ويقال بكة: مكان البيت ومكة سائر البلد، وسميت مكة لاجتذابها الناس من كل أفق، يقال: امتك الفصيل ما في ضرع الناقة: إذا استقصى فلم يدع منه شيئا.
آية رقم ١١٥
﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾: أي فلن تجحدوا ثوابه.
﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾: أي تتخذ لهم مصاف ومعسكرا.
﴿ فَوْرِهِمْ ﴾ أي من وجههم، ويقال من غضبهم. ويقال فار فهو فائر إذا غضب ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ أي معلمين بعلامة يعرفونها في الحروب.
آية رقم ١٢٧
﴿ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أي يغيظهم ويحزنهم، ويقال: يكبتهم أي يصرعهم لوجوههم.﴿ خَآئِبِينَ ﴾: أي فاتهم الظفر.
﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي سعتها، ولم يرد العرض الذي هو خلاف الطول.
آية رقم ١٤١
﴿ يُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي يخلص الله الذين آمنوا من ذنوبهم وينقيهم منها، يقال: محص الحبل يمحص محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يتملص، وحبل محص وملص، وأملص يملص. وقولهم: ربنا محص ذنوبنا: أي أذهب ما تعلق بنا من الذنوب.
﴿ انْفَضُّواْ ﴾: تفرقوا. وأصل الفض الكسر.﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ أي استخرج آراءهم وعلم ما عندهم، مأخوذ من شُرت الدابة وشَّورتها إذا استخرجت جريها وعلمت خبرها.﴿ عَزَمْتَ ﴾ أي صححت رأيك في إمضاء الأمر.
آية رقم ١٦٣
﴿ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ الجنة درجات أي منازل بعضها فوق بعض.
﴿ مَفَازَةٍ ﴾ أي منجاة، مفعلة من الفوز يقال: فاز فلان: أي نجا، والفوز: الظفر. وقوله تعالى:﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ﴾[النبأ: ٣١] أي ظفرا بما يريدون. يقال: فاز فلان بالأمر إذا ظفر به.
(قيام) على ثلاثة معان: جمع قائم، ومصدر قمت قياما. وقيام الأمر وقوامه: ما يقوم به الأمر. ومنه قوله جل وعز:﴿ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾[النساء: ٥].
أي قواما.
﴿ أَخْزَيْتَهُ ﴾: أهلكته. قال أبو عمر: ويقال باعدته من الخير، ومنه قوله تعالى:﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ ﴾[التحريم: ٨].
﴿ خَٰشِعِينَ ﴾ أي متواضعين ﴿ رَابِطُواْ ﴾: أي اثبتوا ودوموا، وأصل المرابطة والرباط أن يربط هؤلاء خيولهم ويربط هؤلاء خيولهم في الثغر، كل يعد لصاحبه، فسمي المقام بالثغور رباطا.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

70 مقطع من التفسير