تفسير سورة سورة الفتح
المكي الناصري
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
مقدمة التفسير
ومن هنا ننتقل إلى سورة " الفتح " المدنية أيضا، وهذه السورة نزلت في السنة السادسة من الهجرة عقب " صلح الحديبية " الشهير، " والفتح " الذي تشير إليه هو صلح الحديبية نفسه، باعتبار ما كان فيه من المصلحة في البداية، وما آل إليه أمره في النهاية، لا " فتح مكة " كما يتبادر إلى بعض الأذهان، قال عبد الله بن مسعود : " إنكم تعدون ( الفتح ) فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية "، وقال جابر : " ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية "، وروى البخاري بسنده عن البراء قال : " تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ". إلى آخر الحديث. ذلك أنه مضت خمسة أعوام منذ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والمشركون يمنعونه ويمنعون المومنين من دخول مكة ولو في الأشهر الحرم، حتى كان العام السادس للهجرة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيارة بيت الحرام في رفقة ألف وأربعمائة من المسلمين، وذلك في شهر ذي القعدة، وخرج " معتمرا " لا يريد حربا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، إيذانا للمشركين بأنه فعلا غير عازم على حربهم ولا على فتح مكة، لكن قريشا لبسوا " جلود النمور " وخرجوا لملاقاته، إذ تعاهدوا فيما بينهم على أن لا يدخلها أبدا، وتبودلت الرسل بين الفريقين، وكان عثمان بن عفان رسول الله إلى قريش، وكان سهيل بن عمرو رسول قريش إلى رسول الله، وانتهى الأمر بكتابة صلح الحديبية الشهير، الذي كان من جملة ما تضمنه أن يرجع الرسول عامه ذاك، ثم يأتي إلى مكة من العام القابل، وكان علي رضي الله عنه كاتب الصحيفة المتضمنة لشروط الصلح، وعند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وهو في طريقه إلى المدينة المنورة نزلت عليه سورة " الفتح " المدنية التي نحن بصدد تفسيرها الآن. وبمناسبة نزولها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك بن أنس : " نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ١ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر
ﰡ
آية رقم ١
ﭑﭒﭓﭔﭕ
ﭖ
وبمناسبة نزولها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك بن أنس :" نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ١ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقد كان هذا الخطاب الإلهي الكريم بشرى مضاعفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناله في الدنيا وما يناله في الآخرة، وذلك بالإضافة إلى ما تضمنه من تصديق لمعاهدة الصلح التي عقدها مع قريش، ومن إعلان الله رضاه عن الأهداف السامية الموفقة، التي رمت إليها تلك الخطة النبوية الكريمة.
وقوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، يتضمن إحدى الخصائص التي يختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشاركه فيها غيره من الناس. قال ابن كثير :" وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهذا تشريف عظيم لرسول الله، هذا هو صلى الله عليه وسلم في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة، التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين ".
وقوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، يتضمن إحدى الخصائص التي يختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشاركه فيها غيره من الناس. قال ابن كثير :" وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهذا تشريف عظيم لرسول الله، هذا هو صلى الله عليه وسلم في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة، التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين ".
آية رقم ٤
وانتقلت الآيات إلى الحديث عن " السكينة " التي أنزلها الله في قلوب المومنين، وما ينتظرهم من الجزاء الحسن عند الله، وما ينتظر المنافقين والمشركين من العذاب الأليم، وبينت الآيات أن مبايعة المومنين لرسول الله تحت الشجرة في " بيعة الرضوان " بالحديبية إنما هي مبايعة لله : يد الله فوق أيديهم
آية رقم ١١
ولم يهمل كتاب الله الحديث عن موقف المنافقين من الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله، وعن الأعذار التي ينتظر أن ينتحلوها ليبرروا بها تخلفهم عنه، ويفضح كتاب الله نواياهم الحقيقية، ومخاوفهم الوهمية : بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمومنين إلى أهليهم أبدا
آية رقم ١٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:ولم يهمل كتاب الله الحديث عن موقف المنافقين من الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله، وعن الأعذار التي ينتظر أن ينتحلوها ليبرروا بها تخلفهم عنه، ويفضح كتاب الله نواياهم الحقيقية، ومخاوفهم الوهمية : بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمومنين إلى أهليهم أبدا
آية رقم ١٥
ويحدد كتاب الله الموقف المناسب اتخاذه منهم، فيما يستقبل من معارك الجهاد الإسلامي، كما يتنبأ بما سيمتحنون به في مستقبل الأيام : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون... ١٦ .
آية رقم ١٦
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥:ويحدد كتاب الله الموقف المناسب اتخاذه منهم، فيما يستقبل من معارك الجهاد الإسلامي، كما يتنبأ بما سيمتحنون به في مستقبل الأيام : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون... ١٦ .
آية رقم ١٧
ويعرج كتاب الله في نهاية هذا الربع على الأعذار المقبولة شرعا للتخلف عن الجهاد، والإعفاء من الواجبات العسكرية، وفي هذه الأعذار ما هو لازم ودائم، كالعمى والعرج المستمر، وما هو عارض ومؤقت، كالمرض الذي يطرأ ثم يزول، إذ يعتبر المريض ملحقا بذوي الأعذار العارضة حتى يبرأ من مرضه، وذلك قوله تعالى : ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج .
وتختم آيات هذا الربع بنفس المبدأ الذي كان فاتحة لها، ألا وهو مبدأ الطاعة لله والطاعة لرسوله، وما يناله المطيع من الجزاء بالحسنى، وما يناله العاصي من العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول نعذبه عذابا أليما١٧ .
وتختم آيات هذا الربع بنفس المبدأ الذي كان فاتحة لها، ألا وهو مبدأ الطاعة لله والطاعة لرسوله، وما يناله المطيع من الجزاء بالحسنى، وما يناله العاصي من العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول نعذبه عذابا أليما١٧ .
آية رقم ١٨
الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
آية رقم ١٩
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
آية رقم ٢٠
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
وقوله تعالى : فعجل لكم هذه ، إشارة إلى صلح الحديبية نفسه كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقوله تعالى : وكف أيدي الناس عنكم ، إشارة إلى أن الله كفى المؤمنين القتال هذه المرة فلم ينلهم أعداؤهم بسوء رغما عما أضمروه واستعدوا له من الحرب والقتال.
وقوله تعالى : ولتكون آية للمومنين وليهديكم صراطا مستقيما إشارة إلى نفس وقعة الحديبية وصلحها الشهير، فقد كان هذا الصلح مفاجأة كبرى لبعض المسلمين أول الأمر، حتى خيل إليهم أن فيه شيئا من التراجع إلى الوراء، لكن الله الذي يسدد خطوات نبيه بالوحي من عنده، هو الذي كان يعلم ما لهذا الصلح من عواقب محمودة الأثر، سريعة الظهور، وها هو الحق سبحانه وتعالى يثبت للمؤمنين أن هذا الصلح نفسه سيكون آية لهم، ومعجزة جديدة للإسلام، وكذلك كان الأمر، فصدق الله وعده، ونصر جنده.
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
وقوله تعالى : فعجل لكم هذه ، إشارة إلى صلح الحديبية نفسه كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقوله تعالى : وكف أيدي الناس عنكم ، إشارة إلى أن الله كفى المؤمنين القتال هذه المرة فلم ينلهم أعداؤهم بسوء رغما عما أضمروه واستعدوا له من الحرب والقتال.
وقوله تعالى : ولتكون آية للمومنين وليهديكم صراطا مستقيما إشارة إلى نفس وقعة الحديبية وصلحها الشهير، فقد كان هذا الصلح مفاجأة كبرى لبعض المسلمين أول الأمر، حتى خيل إليهم أن فيه شيئا من التراجع إلى الوراء، لكن الله الذي يسدد خطوات نبيه بالوحي من عنده، هو الذي كان يعلم ما لهذا الصلح من عواقب محمودة الأثر، سريعة الظهور، وها هو الحق سبحانه وتعالى يثبت للمؤمنين أن هذا الصلح نفسه سيكون آية لهم، ومعجزة جديدة للإسلام، وكذلك كان الأمر، فصدق الله وعده، ونصر جنده.
آية رقم ٢١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
آية رقم ٢٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
آية رقم ٢٣
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
في المصحف الكريم
تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله :" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمومنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".
ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال :" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال :" لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان :" أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى : لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ، ومن أجل رضى الله عن المومنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة –وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المومنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المومنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري :" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة – أي : صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي : بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام :" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".
وقوله تعالى في التعقيب على ذلك : وكان الله عزيزا حكيما١٩ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المومنين من " العزة " المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.
وقوله تعالى : ومغانم كثيرة يأخذونها ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".
آية رقم ٢٤
وقوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ، إشارة إلى ما أقدم عليه فريق من مشركي مكة : حيث تسللوا وهم مسلحون إلى المكان الذي ينزل فيه رسول الله ومن معه بالحديبية، عسى أن ينالوا منه ومن المسلمين شيئا، فسيقوا أسارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عليه السلام : ّهل جئتم في عهد أحد ؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا ؟ فقالوا : لا " فعفا عنهم وخلى سبيلهم، كما رواه النسائي في سننه.
آية رقم ٢٥
وانتقل كتاب الله إلى وصف هذه الواقعة المؤثرة، والدور الذي لعبته قريش فيها، وإلى ذكر ما أنزله الله من السكينة على رسوله والمؤمنين، حتى أخذت الأحداث مجرى آخر لصالح الإسلام والمسلمين، فقال تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ، وقال تعالى : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما٢٦ .
آية رقم ٢٦
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:وانتقل كتاب الله إلى وصف هذه الواقعة المؤثرة، والدور الذي لعبته قريش فيها، وإلى ذكر ما أنزله الله من السكينة على رسوله والمؤمنين، حتى أخذت الأحداث مجرى آخر لصالح الإسلام والمسلمين، فقال تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ، وقال تعالى : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما٢٦ .
آية رقم ٢٧
ثم عرج كتاب الله على قصة الرؤيا التي رآها الرسول عليه الصلاة والسلام في منانه، وأخبر بها أصحابه وهو بالمدينة قبل عام الحديبية، وهو " أنه دخل مكة وطاف بالبيت "، فلما سار في طريقه إلى مكة ظن جماعة منهم أن تعبير تلك الرؤيا سيتم في نفس العام، ونبه كتاب الله إلى أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم تتحقق في نفس هذا العام، أي : في السنة السادسة للهجرة، فإنها ستصدق في فرصة أخرى، لأنها رؤيا صالحة، " والرؤيا الصالحة جزء من النبوة "، وهي واقعة لا محالة بحول الله وقوته : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ، فلما كان ذو القعدة من العام السابع للهجرة، وهو العام التالي لصلح الحديبية، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا هو ومن كان معه في الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي إلى ذي طوى، ودخل مكة ومعه أصحابه يلبون، وهو على ناقته القصواء، وهي نفس الناقة التي كان يركبها عليه الصلاة والسلام في الحديبية من العام الماضي، وعبد الله بن رواحة الأنصاري يقود ناقته، وكل من في مكة من الرجال والنساء والولدان يتطلعون إلى طلعته البهية من مختلف المنازل والطرق، ما عدا رؤوس الشرك الذين لم يستطيعوا رؤية ذلك المشهد العظيم، ففارقوا مكة طيلة زيارة الرسول، وبذلك تحققت رؤيا رسول الله، وتم وعد الله وأكد كتاب الله أن الخطة التي اختطها رسوله لحل أزمة الحديبية عن طريق الصلح كانت بوحي الله وتوفيقه : فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا٢٧ .
آية رقم ٢٨
وتنبأ كتاب الله بنصرة دينه وإظهاره على بقية الأديان، وذلك ما تم على يديه وعلى أيدي خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ٢٨ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما٢٩ .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٨:وتنبأ كتاب الله بنصرة دينه وإظهاره على بقية الأديان، وذلك ما تم على يديه وعلى أيدي خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ٢٨ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما٢٩ .
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
19 مقطع من التفسير