تفسير سورة سورة المعارج

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

الجامع لأحكام القرآن

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)

آية رقم ١
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ
سُورَة الْمَعَارِج وَهِيَ مَكِّيَّة بِاتِّفَاقٍ.
وَهِيَ أَرْبَع وَأَرْبَعُونَ آيَةً
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر " سَالَ سَايِلٌ " بِغَيْرِ هَمْزَة.
الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ.
فَمَنْ هَمَزَ فَهُوَ مِنْ السُّؤَال.
وَالْبَاء يَجُوز أَنْ تَكُونَ زَائِدَة، وَيَجُوز أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى عَنْ.
وَالسُّؤَال بِمَعْنَى الدُّعَاء ; أَيْ دَعَا دَاعٍ بِعَذَابٍ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
يُقَال : دَعَا عَلَى فُلَان بِالْوَيْلِ، وَدَعَا عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ.
وَيُقَال : دَعَوْت زَيْدًا ; أَيْ اِلْتَمَسْت إِحْضَاره.
أَيْ اِلْتَمَسَ مُلْتَمِس عَذَابًا لِلْكَافِرِينَ ; وَهُوَ وَاقِع بِهِمْ لَا مَحَالَةَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَعَلَى هَذَا فَالْبَاء زَائِدَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" تَنْبُت بِالدُّهْنِ " [ الْمُؤْمِنُونَ : ٢٠ ]، وَقَوْله.
" وَهُزِّي إِلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلَة " [ مَرْيَم : ٢٥ ] فَهِيَ تَأْكِيد.
أَيْ سَأَلَ سَائِل عَذَابًا وَاقِعًا.
آية رقم ٢
لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ
أَيْ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَهُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث حَيْثُ قَالَ :" اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم " [ الْأَنْفَال : ٣٢ ] فَنَزَّلَ سُؤَالَهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ بَدْر صَبْرًا هُوَ وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط ; لَمْ يُقْتَل صَبْرًا غَيْرهمَا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد.
وَقِيلَ : إِنَّ السَّائِلَ هُنَا هُوَ الْحَارِث بْن النُّعْمَان الْفِهْرِيّ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ) رَكِبَ نَاقَتَهُ فَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد، أَمَرْتنَا عَنْ اللَّه أَنْ نَشْهَد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّك رَسُول اللَّه فَقَبِلْنَاهُ مِنْك، وَأَنْ نُصَلِّيَ خَمْسًا فَقَبِلْنَاهُ مِنْك، وَنُزَكِّي أَمْوَالنَا فَقَبِلْنَاهُ مِنْك، وَأَنَّ نَصُوم شَهْر رَمَضَانَ فِي كُلّ عَام فَقَبِلْنَاهُ مِنْك، وَأَنْ نَحُجّ فَقَبِلْنَاهُ مِنْك، ثُمَّ لَمْ تَرْضَ بِهَذَا حَتَّى فَضَّلْت اِبْن عَمّك عَلَيْنَا ! أَفَهَذَا شَيْء مِنْك أَمْ مِنْ اللَّه ؟ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا هُوَ إِلَّا مِنْ اللَّه ) فَوَلَّى الْحَارِث وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًّا فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم.
فَوَاَللَّهِ مَا وَصَلَ إِلَى نَاقَته حَتَّى رَمَاهُ اللَّه بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلَى دِمَاغه فَخَرَجَ مِنْ دُبُره فَقَتَلَهُ ; فَنَزَلَتْ :" سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع " الْآيَة.
وَقِيلَ : إِنَّ السَّائِلَ هُنَا أَبُو جَهْل وَهُوَ الْقَائِل لِذَلِكَ، قَالَهُ الرَّبِيع.
وَقِيلَ : إِنَّهُ قَوْل جَمَاعَة مِنْ كُفَّار قُرَيْش.
وَقِيلَ : هُوَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ الْعَذَابَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقِيلَ : هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ دَعَا عَلَيْهِ السَّلَام بِالْعِقَابِ وَطَلَبَ أَنْ يُوقِعَهُ اللَّه بِالْكُفَّارِ ; وَهُوَ وَاقِع بِهِمْ لَا مَحَالَةَ.
وَامْتَدَّ الْكَلَام إِلَى قَوْله تَعَالَى :" فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا " [ الْمَعَارِج : ٥ ] أَيْ لَا تَسْتَعْجِل فَإِنَّهُ قَرِيب.
وَإِذَا كَانَتْ الْبَاء بِمَعْنَى عَنْ - وَهُوَ قَوْل قَتَادَة - فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنْ الْعَذَاب بِمَنْ يَقَع أَوْ مَتَى يَقَع.
قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا " [ الْفُرْقَان : ٥٩ ] أَيْ سَلْ عَنْهُ.
وَقَالَ عَلْقَمَة :
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِير بِأَدْوَاءِ النِّسَاء طَبِيب
أَيْ عَنْ النِّسَاء.
وَيُقَال : خَرَجْنَا نَسْأَل عَنْ فُلَان وَبِفُلَانٍ.
فَالْمَعْنَى سَأَلُوا بِمَنْ يَقَع الْعَذَاب وَلِمَنْ يَكُون فَقَالَ اللَّه :" لِلْكَافِرِينَ ".
قَالَ أَبُو عَلِيّ وَغَيْره : وَإِذَا كَانَ مِنْ السُّؤَال فَأَصْله أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَيَجُوز الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا.
وَإِذَا اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا جَازَ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ بِحَرْفِ جَرّ ; فَيَكُون التَّقْدِير سَأَلَ سَائِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ بِعَذَابٍ أَوْ عَنْ عَذَاب.
وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ هَمْز فَلَهُ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ لُغَة فِي السُّؤَال وَهِيَ لُغَة قُرَيْش ; تَقُول الْعَرَب : سَالَ يَسَال ; مِثْل نَالَ يَنَال وَخَافَ يَخَاف.
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيَلَان ; وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس " سَالَ سَيْل ".
قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : سَالَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة جَهَنَّم يُقَال لَهُ : سَائِل ; وَقَوْل زَيْد بْن ثَابِت.
قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَالْأَوَّل أَحْسَن ; كَقَوْلِ الْأَعْشَى فِي تَخْفِيف الْهَمْزَة :
سَالَتَانِي الطَّلَاق إِذْ رَأَتَانِي قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرٍ
وَفِي الصِّحَاح : قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال خَرَجْنَا نَسْأَل عَنْ فُلَان وَبِفُلَانٍ.
وَقَدْ تُخَفَّف هَمْزَته فَيُقَال : سَالَ يَسَال.
وَقَالَ :
وَمُرْهَق سَالَ إِمْتَاعًا بِأُصْدَتِهِ لَمْ يَسْتَعِنْ وَحَوَامِي الْمَوْت تَغْشَاهُ
الْمُرْهَق : الَّذِي أُدْرِكَ لِيُقْتَل.
وَالْأُصْدَة بِالضَّمِّ : قَمِيص صَغِير يُلْبَس تَحْتَ الثَّوْب.
الْمَهْدَوِيّ : مَنْ قَرَأَ " سَالَ " جَازَ أَنْ يَكُونَ خَفَّفَ الْهَمْزَة بِإِبْدَالِهَا أَلِفًا، وَهُوَ الْبَدَل عَلَى غَيْر قِيَاس.
وَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأَلِف مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : سِلْت أَسَال ; كَخِفْتُ أَخَاف.
النَّحَّاس : حَكَى سِيبَوَيْهِ سِلْت أَسَال ; مِثْل خِفْت أَخَاف ; بِمَعْنَى سَأَلْت.
وَأَنْشَدَ :
سَالَتْ هُذَيْل رَسُولَ اللَّه فَاحِشَةً ضَلَّتْ هُذَيْل بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
وَيُقَال : هُمَا يَتَسَاوَلَانِ.
الْمَهْدَوِيّ : وَجَازَ أَنْ تَكُونَ مُبْدَلَة مِنْ يَاء، مِنْ سَالَ يَسِيل.
وَيَكُون سَايِلٌ وَادِيًا فِي جَهَنَّم ; فَهَمْزَة سَايِل عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل أَصْلِيَّة، وَعَلَى الثَّانِي بَدَل مِنْ وَاو، وَعَلَى الثَّالِث بَدَل مِنْ يَاء.
الْقُشَيْرِيّ : وَسَائِل مَهْمُوز ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ سَأَلَ بِالْهَمْزِ فَهُوَ مَهْمُوز، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْر الْهَمْز كَانَ مَهْمُوزًا أَيْضًا ; نَحْو قَائِل وَخَائِف ; لِأَنَّ الْعَيْنَ اِعْتَلَّ فِي الْفِعْل وَاعْتَلَّ فِي اِسْم الْفَاعِل أَيْضًا.
وَلَمْ يَكُنْ الِاعْتِلَال بِالْحَذْفِ لِخَوْفِ الِالْتِبَاس، فَكَانَ بِالْقَلْبِ إِلَى الْهَمْزَة، وَلَك تَخْفِيف الْهَمْزَة حَتَّى تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ.
" وَاقِع " أَيْ يَقَع بِالْكُفَّارِ بَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ اللَّه ذِي الْمَعَارِج.
آية رقم ٣
مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ
نَزَّلَ اللَّه تَعَالَى :" سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع " فَقَالَ لِمَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ لِلْكَافِرِينَ ; فَاللَّام فِي الْكَافِرِينَ مُتَعَلِّقَة " بِوَاقِعٍ ".
وَقَالَ الْفَرَّاء : التَّقْدِير بِعَذَابٍ لِلْكَافِرِينَ وَاقِع ; فَالْوَاقِع مِنْ نَعْت الْعَذَاب وَاللَّام دَخَلَتْ لِلْعَذَابِ لَا لِلْوَاقِعِ، أَيْ هَذَا الْعَذَاب لِلْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَة لَا يَدْفَعهُ عَنْهُمْ أَحَد.
وَقِيلَ إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى، وَالْمَعْنَى : وَاقِع عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَرُوِيَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة أُبَيّ كَذَلِكَ.
وَقِيلَ : بِمَعْنَى عَنْ ; أَيْ لَيْسَ لَهُ دَافِع عَنْ الْكَافِرِينَ مِنْ اللَّه.
أَيْ ذَلِكَ الْعَذَاب مِنْ اللَّه ذِي الْمَعَارِج أَيْ ذِي الْعُلُوّ وَالدَّرَجَات الْفَوَاضِل وَالنِّعَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فَالْمَعَارِج مَرَاتِب إِنْعَامه عَلَى الْخَلْق وَقِيلَ ذِي الْعَظَمَة وَالْعَلَاء وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ مَعَارِج السَّمَاء.
وَقِيلَ : هِيَ مَعَارِج الْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُج إِلَى السَّمَاء فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ : الْمَعَارِج الْغُرَف ; أَيْ إِنَّهُ ذُو الْغُرَف، أَيْ جَعَلَ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّة غُرَفًا.
وَقَرَأَ عَبْد اللَّه " ذِي الْمَعَارِيج " بِالْيَاءِ.
يُقَال : مَعْرَج وَمِعْرَاج وَمَعَارِج وَمَعَارِيج ; مِثْل مِفْتَاح وَمَفَاتِيح.
وَالْمَعَارِج الدَّرَجَات ; وَمِنْهُ :" وَمَعَارِج عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ " [ الزُّخْرُف : ٣٣ ].
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ
أَيْ تَصْعَدُ فِي الْمَعَارِج الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ.
وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَالسُّلَمِيّ وَالْكِسَائِيّ " يَعْرُج " بِالْيَاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمْع ; وَلِقَوْلِهِ : ذَكِّرُوا الْمَلَائِكَةَ وَلَا تُؤَنِّثُوهُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمَاعَة.
" وَالرُّوح " جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس.
دَلِيله قَوْله تَعَالَى :" نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين " [ الشُّعَرَاء : ١٩٣ ].
وَقِيلَ : هُوَ مَلَك آخَر عَظِيم الْخِلْقَة.
وَقَالَ أَبُو صَالِح : إِنَّهُ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه كَهَيْئَةِ النَّاس وَلَيْسَ بِالنَّاسِ.
قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّهُ رُوح الْمَيِّت حِينَ يُقْبَض.
" إِلَيْهِ " أَيْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ وَهُوَ فِي السَّمَاء ; لِأَنَّهَا مَحَلّ بِرّه وَكَرَامَته.
وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيم " إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي " [ الصَّافَّات : ٩٩ ].
أَيْ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ.
وَقِيلَ :
إِلَيْهِ
أَيْ إِلَى عَرْشه.
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
قَالَ وَهْب وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق : أَيْ عُرُوج الْمَلَائِكَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ فِي وَقْت كَانَ مِقْدَاره عَلَى غَيْرهمْ لَوْ صَعِدَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة.
وَقَالَ وَهْب أَيْضًا : مَا بَيْنَ أَسْفَل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة.
وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد.
وَجَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَة وَبَيْنَ قَوْله :" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " فِي سُورَة السَّجْدَة، فَقَالَ :" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة " مِنْ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرْضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات خَمْسُونَ أَلْف سَنَة.
وَقَوْله تَعَالَى فِي ( الم تَنْزِيل ) :" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : ٥ ] يَعْنِي بِذَلِكَ نُزُول الْأَمْر مِنْ سَمَاء الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْض، وَمِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد فَذَلِكَ مِقْدَار أَلْف سَنَة لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام.
وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا وَالْحَكَم وَعِكْرِمَة : هُوَ مُدَّة عُمُر الدُّنْيَا مِنْ أَوَّل مَا خُلِقَتْ إِلَى آخِر مَا بَقِيَ خَمْسُونَ أَلْف سَنَة.
لَا يَدْرِي أَحَد كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
وَقِيلَ : الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة، أَيْ مِقْدَار الْحُكْم فِيهِ لَوْ تَوَلَّاهُ مَخْلُوق خَمْسُونَ أَلْف سَنَة، قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب.
يَقُول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا أَفْرُغ مِنْهُ فِي سَاعَة.
وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، وَلَكِنْ يَوْم الْقِيَامَة لَا نُفَاد لَهُ فَالْمُرَاد ذِكْر مَوْقِفهمْ لِلْحِسَابِ فَهُوَ فِي خَمْسِينَ أَلْف سَنَة مِنْ سِنِي الدُّنْيَا، ثُمَّ حِينَئِذٍ يَسْتَقِرّ أَهْل الدَّارَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ.
وَقَالَ يَمَان : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، فِيهِ خَمْسُونَ مَوْطِنًا كُلّ مَوْطِن أَلْف سَنَة.
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، جَعَلَهُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة، ثُمَّ يَدْخُلُونَ النَّارَ لِلِاسْتِقْرَارِ.
قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة إِنْ شَاءَ اللَّه، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة ".
فَقُلْت : مَا أَطْوَلَ هَذَا ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُونَ أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ).
وَاسْتَدَلَّ النَّحَّاس عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل بِمَا رَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( مَا مِنْ رَجُل لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَال إِلَّا جُعِلَ شُجَاعًا مِنْ نَار تُكْوَى بِهِ جَبْهَته وَظَهْره وَجَنْبَاهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه بَيْنَ النَّاسِ ).
قَالَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : مَا قَدْر ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى الْمُؤْمِن إِلَّا قَدْر مَا بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر.
وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( يُحَاسِبكُمْ اللَّه تَعَالَى بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الْحِسَاب وَأَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ ).
ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
وَقِيلَ : بَلْ يَكُون الْفَرَاغ لِنِصْفِ يَوْم، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " [ الْفُرْقَان : ٢٤ ].
وَهَذَا عَلَى قَدْر فَهْم الْخَلَائِق، وَإِلَّا فَلَا يَشْغَلهُ شَأْن عَنْ شَأْن.
وَكَمَا يَرْزُقهُمْ فِي سَاعَة كَذَا يُحَاسِبهُمْ فِي لَحْظَة، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " [ لُقْمَان : ٢٨ ].
وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة وَعَنْ قَوْله تَعَالَى :" فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة " [ السَّجْدَة : ٥ ] فَقَالَ : أَيَّام سَمَّاهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَعْلَم بِهَا كَيْفَ تَكُون، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا مَا لَا أَعْلَم.
وَقِيلَ : مَعْنَى ذَكَرَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَمْثِيل، وَهُوَ تَعْرِيف طُول مُدَّة الْقِيَامَة فِي الْمَوْقِف، وَمَا يَلْقَى النَّاس فِيهِ مِنْ الشَّدَائِد.
وَالْعَرَب تَصِف أَيَّام الشِّدَّة بِالطُّولِ، وَأَيَّام الْفَرَح بِالْقِصَرِ ; قَالَ الشَّاعِر :
وَيَوْم كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّرَ طُولَهُ دَم الزِّقّ عَنَّا وَاصْطِفَاق الْمَزَاهِر
وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; وَالْمَعْنَى : سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ مِنْ اللَّه دَافِع، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ.
وَهَذَا الْقَوْل هُوَ مَعْنَى مَا اِخْتَرْنَاهُ، وَالْمُوَفِّق الْإِلَه.
آية رقم ٥
فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
أَيْ عَلَى أَذَى قَوْمك.
وَالصَّبْر الْجَمِيل : هُوَ الَّذِي لَا جَزَع فِيهِ وَلَا شَكْوَى لِغَيْرِ اللَّه.
وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِب الْمُصِيبَة فِي الْقَوْم لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ.
وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب.
وَقَالَ اِبْن زَيْد : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف.
آية رقم ٦
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
يُرِيد أَهْل مَكَّة يَرَوْنَ الْعَذَابَ بِالنَّارِ بَعِيدًا ; أَيْ غَيْر كَائِن.
آية رقم ٧
وَنَرَاهُ قَرِيبًا
لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيب.
وَقَالَ الْأَعْمَش : يَرَوْنَ الْبَعْثَ بَعِيدًا لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلَى جِهَة الْإِحَالَة.
كَمَا تَقُول لِمَنْ تُنَاظِرهُ : هَذَا بَعِيد لَا يَكُون وَقِيلَ : أَيْ يَرَوْنَ هَذَا الْيَوْمَ بَعِيدًا " وَنَرَاهُ " أَيْ نَعْلَمهُ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِالْمَوْجُودِ.
وَهُوَ كَقَوْلِك : الشَّافِعِيّ يَرَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا.
آية رقم ٨
يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ
الْعَامِل فِي " يَوْم " " وَاقِع " ; تَقْدِيره يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب يَوْم.
وَقِيلَ :" نَرَاهُ " أَوْ " يُبَصَّرُونَهُمْ " أَوْ يَكُون بَدَلًا مِنْ قَرِيب.
وَالْمُهْل : دُرْدِيّ الزَّيْت وَعَكَره ; فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : مَا أُذِيبَ مِنْ الرَّصَاص وَالنُّحَاس وَالْفِضَّة.
وَقَالَ مُجَاهِد :" كَالْمُهْلِ " كَقَيْحٍ مِنْ دَم وَصَدِيد.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الدُّخَان "، وَ " الْكَهْف " الْقَوْل فِيهِ.
آية رقم ٩
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
أَيْ كَالصُّوفِ الْمَصْبُوغ.
وَلَا يُقَال لِلصُّوفِ عِهْن إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَصْبُوغًا.
وَقَالَ الْحَسَن :" وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ " وَهُوَ الصُّوف الْأَحْمَر، وَهُوَ أَضْعَف الصُّوف.
وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر :
كَأَنَّ فُتَات الْعِهْن فِي كُلّ مَنْزِل نَزَلْنَ بِهِ حَبّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّم
الْفُتَات الْقِطَع.
وَالْعِهْن الصُّوف الْأَحْمَر ; وَاحِده عِهْنَة.
وَقِيلَ : الْعِهْن الصُّوف ذُو الْأَلْوَان ; فَشَبَّهَ الْجِبَالَ بِهِ فِي تَلَوُّنهَا أَلْوَانًا.
وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَلِينَ بَعْدَ الشِّدَّة، وَتَتَفَرَّق بَعْدَ الِاجْتِمَاع.
وَقِيلَ : أَوَّل مَا تَتَغَيَّر الْجِبَال تَصِير رَمْلًا مَهِيلًا، ثُمَّ عِهْنًا مَنْفُوشًا، ثُمَّ هَبَاء مُنْبَثًّا.
آية رقم ١٠
وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
أَيْ عَنْ شَأْنه لِشُغْلِ كُلّ إِنْسَان بِنَفْسِهِ، قَالَهُ قَتَادَة.
كَمَا قَالَ تَعَالَى :" لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه " [ عَبَسَ : ٣٧ ].
وَقِيلَ : لَا يَسْأَل حَمِيم عَنْ حَمِيم، فَحَذَفَ الْجَارّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ.
وَقِرَاءَة الْعَامَّة " يَسْأَل " بِفَتْحِ الْيَاء.
وَقَرَأَ شَيْبَة وَالْبَزِّيّ عَنْ عَاصِم " وَلَا يُسْأَل بِالضَّمِّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله، أَيْ لَا يُسْأَل حَمِيم عَنْ حَمِيمه وَلَا ذُو قَرَابَة عَنْ قَرَابَته، بَلْ كُلّ إِنْسَان يُسْأَل عَنْ عَمَله.
نَظِيره :" كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة " [ الْمُدَّثِّر : ٣٨ ].
يُبَصَّرُونَهُمْ
أَيْ يَرَوْنَهُمْ.
وَلَيْسَ فِي الْقِيَامَة مَخْلُوق إِلَّا وَهُوَ نَصْب عَيْن صَاحِبه مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس.
فَيُبْصِر الرَّجُل أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَقَرَابَته وَعَشِيرَتَهُ وَلَا يَسْأَلهُ وَلَا يُكَلِّمهُ ; لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَتَعَارَفُونَ سَاعَة ثُمَّ لَا يَتَعَارَفُونَ بَعْد تِلْكَ السَّاعَة.
وَفِي بَعْض الْأَخْبَار أَنَّ أَهْل الْقِيَامَة يَفِرُّونَ مِنْ الْمَعَارِف مَخَافَة الْمَظَالِم.
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا :" يُبَصَّرُونَهُمْ " يُبْصِر بَعْضهمْ بَعْضًا فَيَتَعَارَفُونَ ثُمَّ يَفِرّ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض.
فَالضَّمِير فِي " يُبَصَّرُونَهُمْ " عَلَى هَذَا لِلْكُفَّارِ، وَالْمِيم لِلْأَقْرِبَاءِ.
وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى يُبَصِّر اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّار فِي يَوْم الْقِيَامَة ; فَالضَّمِير فِي يُبَصَّرُونَهُمْ " لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْهَاء وَالْمِيم لِلْكُفَّارِ.
اِبْن زَيْد : الْمَعْنَى يُبَصِّر اللَّه الْكُفَّارَ فِي النَّار الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا ; فَالضَّمِير فِي " يُبَصَّرُونَهُمْ " لِلتَّابِعِينَ، وَالْهَاء وَالْمِيم لِلْمَتْبُوعِينَ.
وَقِيلَ : إِنَّهُ يُبَصِّر الْمَظْلُومُ ظَالِمَهُ وَالْمَقْتُولُ قَاتِلَهُ.
وَقِيلَ :" يُبَصَّرُونَهُمْ " يَرْجِع إِلَى الْمَلَائِكَة ; أَيْ يَعْرِفُونَ أَحْوَال النَّاس فَيَسُوقُونَ كُلَّ فَرِيق إِلَى مَا يَلِيق بِهِمْ.
وَتَمَّ الْكَلَام عِنْدَ قَوْله :" يُبَصَّرُونَهُمْ ".
ثُمَّ قَالَ :
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ
أَيْ يَتَمَنَّى الْكَافِر.
لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ
يَعْنِي مِنْ عَذَاب جَهَنَّم بِأَعَزّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَقَارِبه فَلَا يَقْدِر.
ثُمَّ ذَكَرَهُمْ فَقَالَ :
آية رقم ١٢
وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ
زَوْجَته وَعَشِيرَته.
آية رقم ١٣
وَفَصِيلَتِهِ
أَيْ عَشِيرَته.
الَّتِي تُؤْوِيهِ
تَنْصُرهُ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَابْن زَيْد.
وَقَالَ مَالِك : أُمّه الَّتِي تُرَبِّيه.
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَرَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَب.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْفَصِيلَة دُونَ الْقَبِيلَة.
وَقَالَ ثَعْلَب : هُمْ آبَاؤُهُ الْأَدْنَوْنَ.
وَقَالَ الْمُبَرِّد : الْفَصِيلَة الْقِطْعَة مِنْ أَعْضَاء الْجَسَد، وَهِيَ دُون الْقَبِيلَة.
وَسُمِّيَتْ عِتْرَة الرَّجُل فَصِيلَته تَشْبِيهًا بِالْبَعْضِ مِنْهُ.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْحُجُرَات " الْقَوْل فِي الْقَبِيلَة وَغَيْرهَا.
وَهُنَا مَسْأَلَة، وَهِيَ : إِذَا حَبَسَ عَلَى فَصِيلَته أَوْ أَوْصَى لَهَا فَمَنْ اِدَّعَى الْعُمُوم حَمَلَهُ عَلَى الْعَشِيرَة، وَمَنْ اِدَّعَى الْخُصُوصَ حَمَلَهُ عَلَى الْآبَاء ; الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى.
وَالْأَوَّل أَكْثَر فِي النُّطْق، وَاَللَّه أَعْلَم.
وَمَعْنَى :" تُؤْوِيه " تَضُمّهُ وَتُؤَمِّنهُ مِنْ خَوْف إِنْ كَانَ بِهِ.
آية رقم ١٤
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
أَيْ وَيَوَدّ لَوْ فُدِيَ بِهِمْ لَافْتَدَى
ثُمَّ يُنْجِيهِ
أَيْ يُخَلِّصهُ ذَلِكَ الْفِدَاء.
فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْإِضْمَار، كَقَوْلِهِ :" وَإِنَّهُ لَفِسْق " [ الْأَنْعَام : ١٢١ ] أَيْ وَإِنَّ أَكْلَهُ لَفِسْق.
وَقِيلَ :" يَوَدّ الْمُجْرِم " يَقْتَضِي جَوَابًا بِالْفَاءِ ; كَقَوْلِهِ :" وَدُّوا لَوْ تُدْهِن فَيُدْهِنُونَ " [ الْقَلَم : ٩ ].
وَالْجَوَاب فِي هَذِهِ الْآيَة " ثُمَّ يُنْجِيه " لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوف الْعَطْف ; أَيْ يَوَدّ الْمُجْرِم لَوْ يَفْتَدِي فَيُنْجِيه الِافْتِدَاء.
آية رقم ١٥
كَلَّا
تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي " كَلَّا " وَأَنَّهَا تَكُون بِمَعْنَى حَقًّا، وَبِمَعْنَى لَا.
وَهِيَ هُنَا تَحْتَمِل الْأَمْرَيْنِ ; فَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى حَقًّا كَانَ تَمَام الْكَلَام " يُنْجِيه ".
وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى لَا كَانَ تَمَام الْكَلَام عَلَيْهَا ; أَيْ لَيْسَ يُنْجِيه مِنْ عَذَاب اللَّه الِافْتِدَاء ثُمَّ قَالَ :
إِنَّهَا لَظَى
أَيْ هِيَ جَهَنَّم ; أَيْ تَتَلَظَّى نِيرَانهَا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى " [ اللَّيْل : ١٤ ] وَاشْتِقَاق لَظَى مِنْ التَّلَظِّي.
وَالْتِظَاء النَّار اِلْتِهَابهَا، وَتَلَظِّيهَا تَلَهُّبهَا.
وَقِيلَ : كَانَ أَصْلهَا " لَظَظَ " أَيْ مَا دَامَتْ لِدَوَامِ عَذَابهَا ; فَقُلِبَتْ إِحْدَى الظَّاءَيْنِ أَلِفًا فَبَقِيَتْ لَظَى.
وَقِيلَ : هِيَ الدَّرَكَة الثَّانِيَة مِنْ طَبَقَات جَهَنَّم.
وَهِيَ اِسْم مُؤَنَّث مَعْرِفَة فَلَا يَنْصَرِف.
آية رقم ١٦
نَزَّاعَةً لِلشَّوَى
قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة وَنَافِع وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر عَنْهُ وَالْأَعْمَش وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " نَزَّاعَة " بِالرَّفْعِ.
وَرَوَى أَبُو عَمْرو عَنْ عَاصِم " نَزَّاعَة " بِالنَّصْبِ.
فَمَنْ رَفَعَ فَلَهُ خَمْسَة أَوْجُه : أَحَدهَا أَنْ تُجْعَل " لَظَى " خَبَر " إِنَّ " وَتُرْفَع " نَزَّاعَة " بِإِضْمَارِ هِيَ ; فَمِنْ هَذَا الْوَجْه يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " لَظَى ".
وَالْوَجْه الثَّانِي أَنْ تَكُونَ " لَظَى " وَ " نَزَّاعَة " خَبَرَانِ لِإِنَّ.
كَمَا تَقُول إِنَّهُ خُلُق مُخَاصِم.
وَالْوَجْه الثَّالِث أَنْ تَكُونَ " نَزَّاعَة " بَدَلًا مِنْ " لَظَى " و " لَظَى " خَبَر " إِنَّ ".
وَالْوَجْه الرَّابِع أَنْ تَكُونَ " لَظَى " بَدَلًا مِنْ اِسْم " إِنَّ " وَ " نَزَّاعَة " خَبَر " إِنَّ ".
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقِصَّة وَالْخَبَر لَظَى نَزَّاعَة لِلشَّوَى وَمَنْ نَصَبَ " نَزَّاعَة " حَسُنَ لَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى " لَظَى " وَيَنْصِب " نَزَّاعَةً " عَلَى الْقَطْع مِنْ " لَظَى " إِذْ كَانَتْ نَكِرَة مُتَّصِلَة بِمَعْرِفَةٍ.
وَيَجُوز نَصْبهَا عَلَى الْحَال الْمُؤَكِّدَة ; كَمَا قَالَ :" وَهُوَ الْحَقّ مُصَدِّقًا " [ الْبَقَرَة : ٩١ ].
وَيَجُوز أَنْ تُنْصَب عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَتَلَظَّى نَزَّاعَة ; أَيْ فِي حَال نَزْعهَا لِلشَّوَى.
وَالْعَامِل فِيهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام مِنْ مَعْنَى التَّلَظِّي.
وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ حَالًا ; عَلَى أَنَّهُ حَال لِلْمُكَذِّبِينَ بِخَبَرِهَا.
وَيَجُوز نَصْبهَا عَلَى الْقَطْع ; كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِزَيْدٍ الْعَاقِل الْفَاضِل.
فَهَذِهِ خَمْسَة أَوْجُه لِلنَّصْبِ أَيْضًا.
وَالشَّوَى : جَمْع شَوَاة وَهِيَ جِلْدَة الرَّأْس.
قَالَ الْأَعْشَى :
قَالَتْ قُتَيْلَة مَا لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ
وَقَالَ آخَر :
لَأَصْبَحْت هَدَّتْك الْحَوَادِث هَدَّة لَهَا فَشَوَاة الرَّأْس بَادٍ قَتِيرهَا
الْقَتِير : الشَّيْب.
وَفِي الصِّحَاح :" وَالشَّوَى : جَمْع شَوَاة وَهِيَ جِلْدَة الرَّأْس ".
وَالشَّوَى : الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالرَّأْس مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَكُلّ مَا لَيْسَ مَقْتَلًا.
يُقَال : رَمَاهُ فَأَشْوَاهُ إِذَا لَمْ يُصِبْ الْمَقْتَلَ.
قَالَ الْهُذَلِيّ :
فَإِنَّ مِنْ الْقَوْل الَّتِي لَا شَوَى لَهَا إِذَا زَلَّ عَنْ ظَهْر اللِّسَان اِنْفِلَاتهَا
يَقُول : إِنَّ مِنْ الْقَوْل كَلِمَة لَا تَشْوِي وَلَكِنْ تَقْتُل.
قَالَ الْأَعْشَى :
قَالَتْ قُتَيْلَة مَا لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ
قَالَ أَبُو عُبَيْد : أَنْشَدَهَا أَبُو الْخَطَّاب الْأَخْفَش أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء فَقَالَ لَهُ :" صَحَّفْت ! إِنَّمَا هُوَ سَرَاتُهُ ; أَيْ نَوَاحِيه فَسَكَتَ أَبُو الْخَطَّاب ثُمَّ قَالَ لَنَا : بَلْ هُوَ صَحَّفَ، إِنَّمَا هُوَ شَوَاتُهُ ".
وَشَوَى الْفَرَس : قَوَائِمه ; لِأَنَّهُ يُقَال : عَبْل الشَّوَى، وَلَا يَكُون هَذَا لِلرَّأْسِ ; لِأَنَّهُمْ وَصَفُوا الْخَيْلَ بِإِسَالَةِ الْخَدَّيْنِ وَعِتْق الْوَجْه وَهُوَ رِقَّته.
وَالشَّوَى : رُذَال الْمَال.
وَالشَّوَى : هُوَ الشَّيْء الْهَيِّن الْيَسِير.
وَقَالَ ثَابِت الْبُنَانِيّ وَالْحَسَن :" نَزَّاعَة لِلشَّوَى " أَيْ لِمَكَارِمِ وَجْهه.
أَبُو الْعَالِيَة : لِمَحَاسِن وَجْهه.
قَتَادَة : لِمَكَارِمِ خِلْقَته وَأَطْرَافه.
وَقَالَ الضَّحَّاك : تَفْرِي اللَّحْم وَالْجِلْد عَنْ الْعَظْم حَتَّى لَا تَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هِيَ الْمَفَاصِل.
وَقَالَ بَعْض الْأَئِمَّة : هِيَ الْقَوَائِم وَالْجُلُود.
قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :
سَلِيم الشَّظَى عَبْل الشَّوَى شَنِج النَّسَا لَهُ حَجَبَات مُشْرِفَات عَلَى الْفَالِ
وَقَالَ أَبُو صَالِح : أَطْرَاف الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
قَالَ الشَّاعِر :
إِذَا نَظَرْت عَرَفْت الْفَخْر مِنْهَا وَعَيْنَيْهَا وَلَمْ تَعْرِف شَوَاهَا
يَعْنِي أَطْرَافَهَا.
وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : الشَّوَى الْهَام.
آية رقم ١٧
تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى
أَيْ تَدْعُو لَظَى مَنْ أَدْبَرَ فِي الدُّنْيَا عَنْ طَاعَة اللَّه وَتَوَلَّى عَنْ الْإِيمَان.
وَدُعَاؤُهَا أَنْ تَقُولَ : إِلَيَّ يَا مُشْرِك، إِلَيَّ يَا كَافِر.
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَدْعُو الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِلِسَانٍ فَصِيح : إِلَيَّ يَا كَافِر، إِلَيَّ يَا مُنَافِق ; ثُمَّ تَلْتَقِطهُمْ كَمَا يَلْتَقِط الطَّيْر الْحَبّ.
وَقَالَ ثَعْلَب :" تَدْعُو " أَيْ تُهْلِك.
تَقُول الْعَرَب : دَعَاك اللَّه ; أَيْ أَهْلَكَك اللَّه.
وَقَالَ الْخَلِيل : إِنَّهُ لَيْسَ كَالدُّعَاءِ " تَعَالَوْا " وَلَكِنْ دَعْوَتهَا إِيَّاهُمْ تُمَكِّنهَا مِنْ تَعْذِيبهمْ.
وَقِيلَ : الدَّاعِي خَزَنَة جَهَنَّم ; أُضِيفَ دُعَاؤُهُمْ إِلَيْهَا.
وَقِيلَ هُوَ ضَرْب مَثَل ; أَيْ إِنَّ مَصِيرَ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى إِلَيْهَا ; فَكَأَنَّهَا الدَّاعِيَة لَهُمْ.
وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر :
وَلَقَدْ هَبَطْنَا الْوَادِيَيْنِ فَوَادِيًا يَدْعُو الْأَنِيس بِهِ الْعَضِيض الْأَبْكَم
الْعَضِيض الْأَبْكَم : الذُّبَاب.
وَهُوَ لَا يَدْعُو وَإِنَّمَا طَنِينه نَبَّهَ عَلَيْهِ فَدَعَا إِلَيْهِ.
قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْحَقِيقَة ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه بِآيِ الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة.
الْقُشَيْرِيّ : وَدُعَاء لَظَى بِخَلْقِ الْحَيَاة فِيهَا حِينَ تَدْعُو، وَخَوَارِق الْعَادَة غَدًا كَثِيرَة.
آية رقم ١٨
وَجَمَعَ فَأَوْعَى
أَيْ جَمَعَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي وِعَائِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ حَقَّ اللَّه تَعَالَى ; فَكَانَ جَمُوعًا مَنُوعًا.
قَالَ الْحَكَم : كَانَ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم لَا يَرْبِط كِيسَهُ وَيَقُول سَمِعْت اللَّهَ يَقُول :" وَجَمَعَ فَأَوْعَى ".
آية رقم ١٩
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
يَعْنِي الْكَافِر ; عَنْ الضَّحَّاك.
وَالْهَلَع فِي اللُّغَة : أَشَدّ الْحِرْص وَأَسْوَأ الْجَزَع وَأَفْحَشَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا.
وَقَدْ هَلِع ( بِالْكَسْرِ ) يَهْلَع فَهُوَ هَلِيع وَهَلُوع ; عَلَى التَّكْثِير.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصْبِر عَلَى خَيْر وَلَا شَرّ حَتَّى يَفْعَل فِيهِمَا مَا لَا يَنْبَغِي.
عِكْرِمَة : هُوَ الضَّجُور.
الضَّحَّاك : هُوَ الَّذِي لَا يَشْبَع.
وَالْمَنُوع : هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَ الْمَال مَنَعَ مِنْهُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : خَلَقَ اللَّه الْإِنْسَان يُحِبّ مَا يَسُرّهُ وَيُرْضِيه، وَيَهْرُب مِمَّا يَكْرَههُ وَيُسْخِطهُ، ثُمَّ تَعَبَّدَهُ اللَّه بِإِنْفَاقِ مَا يُحِبّ وَالصَّبْر عَلَى مَا يَكْرَه.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْهَلُوع هُوَ الَّذِي إِذَا مَسَّهُ الْخَيْر لَمْ يَشْكُر، وَإِذَا مَسَّهُ الضُّرّ لَمْ يَصْبِر ; قَالَهُ ثَعْلَب.
وَقَالَ ثَعْلَب أَيْضًا : قَدْ فَسَّرَ اللَّه الْهَلُوع،
آية رقم ٢٠
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا
وَهُوَ الَّذِي إِذَا نَالَهُ الشَّرّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَع
آية رقم ٢١
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
وَإِذَا نَالَهُ الْخَيْر بَخِلَ بِهِ وَمَنَعَهُ النَّاس.
وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( شَرّ مَا أُعْطِيَ الْعَبْد شُحّ هَالِع وَجُبْن خَالِع ).
وَالْعَرَب تَقُول : نَاقَة هِلْوَاعَة وَهِلْوَاع ; إِذَا كَانَتْ سَرِيعَة السَّيْر خَفِيفَة.
قَالَ :
صَكَّاء ذِعْلِبَةٌ إِذَا اِسْتَدْبَرْتهَا حَرَج إِذَا اِسْتَقْبَلْتهَا هِلْوَاع
الذِّعْلِبُ وَالذِّعْلِبَةُ النَّاقَة السَّرِيعَة.
وَ " جَزُوعًا " و " مَنُوعًا " نَعْتَانِ لِهَلُوعٍ.
عَلَى أَنْ يَنْوِيَ بِهِمَا التَّقْدِيم قَبْل " إِذَا ".
وَقِيلَ : هُوَ خَبَر كَانَ مُضْمَرَة.
آية رقم ٢٢
إِلَّا الْمُصَلِّينَ
دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ فِي الْكُفَّار ; فَالْإِنْسَان اِسْم جِنْس بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاء الَّذِي يَعْقُبهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا " [ الْعَصْر :
٢ - ٣ ].
قَالَ النَّخَعِيّ : الْمُرَاد بِالْمُصَلِّينَ الَّذِي يُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ.
اِبْن مَسْعُود : الَّذِينَ يُصَلُّونَهَا لِوَقْتِهَا، فَأَمَّا تَرْكهَا فَكُفْر.
وَقِيلَ : هُمْ الصَّحَابَة.
وَقِيلَ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّة، فَإِنَّهُمْ يَغْلِبُونَ فَرْط الْجَزَع بِثِقَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَيَقِينهمْ.
آية رقم ٢٣
الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ
أَيْ عَلَى مَوَاقِيتهَا.
وَقَالَ عُقْبَة بْن عَامِر : هُمْ الَّذِينَ إِذَا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا.
وَالدَّائِم السَّاكِن، وَمِنْهُ : نُهِيَ عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم، أَيْ السَّاكِن.
وَقَالَ اِبْن جُرَيْج وَالْحَسَن : هُمْ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ فِعْل التَّطَوُّع مِنْهَا.
آية رقم ٢٤
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
يُرِيد الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، قَالَهُ قَتَادَة وَابْن سِيرِينَ.
وَقَالَ مُجَاهِد : سِوَى الزَّكَاة.
وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : صِلَة رَحِم وَحَمْل كَلّ.
وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِأَنَّهُ وَصَفَ الْحَقَّ بِأَنَّهُ مَعْلُوم، وَسِوَى الزَّكَاة لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْر الْحَاجَة، وَذَلِكَ يَقِلّ وَيَكْثُر.
آية رقم ٢٥
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
" لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم " السَّائِل الَّذِي يَسْأَل النَّاسَ لِفَاقَتِهِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَغَيْرهمَا.
" وَالْمَحْرُوم " الَّذِي حُرِمَ الْمَالَ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَغَيْرهمَا : الْمَحْرُوم الْمُحَارَف الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَام سَهْم.
وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : الْمَحْرُوم الْمُحَارَف الَّذِي لَا يَتَيَسَّر لَهُ مَكْسَبه ; يُقَال : رَجُل مُحَارَف بِفَتْحِ الرَّاء أَيْ مَحْدُود مَحْرُوم، وَهُوَ خِلَاف قَوْلك مُبَارَك.
وَقَدْ حُورِفَ كَسْب فُلَان إِذَا شُدِّدَ عَلَيْهِ فِي مَعَاشه كَأَنَّهُ مِيل بِرِزْقِهِ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَة وَالزُّهْرِيّ : الْمَحْرُوم الْمُتَعَفِّف الَّذِي لَا يَسْأَل النَّاسَ شَيْئًا وَلَا يَعْلَم بِحَاجَتِهِ.
وَقَالَ الْحَسَن وَمُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة : الْمَحْرُوم الَّذِي يَجِيء بَعْدَ الْغَنِيمَة وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا سَهْم.
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَصَابُوا وَغَنِمُوا فَجَاءَ قَوْم بَعْدَمَا فَرَغُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَفِي أَمْوَالهمْ ".
وَقَالَ عِكْرِمَة : الْمَحْرُوم الَّذِي لَا يَبْقَى لَهُ مَال.
وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : هُوَ الَّذِي أُصِيب ثَمَره أَوْ زَرْعه أَوْ نَسْل مَاشِيَته.
وَقَالَ الْقُرَظِيّ : الْمَحْرُوم الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَة ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّا لَمُغْرَمُونَ.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ " نَظِيره فِي قِصَّة أَصْحَاب الْجَنَّة حَيْثُ قَالُوا :" بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ " [ الْقَلَم : ٢٧ ] وَقَالَ أَبُو قِلَابَة : كَانَ رَجُل مِنْ أَهْل الْيَمَامَة لَهُ مَال فَجَاءَ سَيْل فَذَهَبَ بِمَالِهِ، فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابه : هَذَا الْمَحْرُوم فَأَقْسَمُوا لَهُ.
وَقِيلَ : إِنَّهُ الَّذِي يَطْلُب الدُّنْيَا وَتُدْبِر عَنْهُ.
وَهُوَ يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا.
وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن حُمَيْد : الْمَحْرُوم الْمَمْلُوك.
وَقِيلَ : إِنَّهُ الْكَلْب ; رُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز كَانَ فِي طَرِيق مَكَّة، فَجَاءَ كَلْب فَانْتَزَعَ عُمَر رَحِمَهُ اللَّه كَتِف شَاة فَرَمَى بِهَا إِلَيْهِ وَقَالَ : يَقُولُونَ إِنَّهُ الْمَحْرُوم.
وَقِيلَ : إِنَّهُ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَته بِالْفَقْرِ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَاب ; لِأَنَّهُ قَدْ حُرِمَ كَسْبَ نَفْسه حَتَّى وَجَبَتْ نَفَقَته فِي مَال غَيْره.
وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ الَّذِي يُحْرَم الرِّزْق، وَهَذَا قَوْل حَسَن ; لِأَنَّهُ يَعُمّ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيّ : لِي الْيَوْم سَبْعُونَ سَنَة مُنْذُ اِحْتَلَمْت أَسْأَل عَنْ الْمَحْرُوم فَمَا أَنَا الْيَوْم بِأَعْلَمَ مِنِّي فِيهِ يَوْمئِذٍ.
رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ الشَّعْبِيّ.
وَأَصْله فِي اللُّغَة الْمَمْنُوع ; مِنْ الْحِرْمَان وَهُوَ الْمَنْع.
عَلْقَمَة :
وَعَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( وَيْل لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْفُقَرَاء يَوْم الْقِيَامَة يَقُولُونَ رَبّنَا ظَلَمُونَا حُقُوقَنَا الَّتِي فُرِضَتْ لَنَا عَلَيْهِمْ فَيَقُول اللَّه تَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُقَرِّبَنَّكُمْ وَلَأُبْعِدَنَّهُم ) ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي أَمْوَالهمْ حَقّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم " ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ.
آية رقم ٢٦
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
أَيْ بِيَوْمِ الْجَزَاء وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْفَاتِحَة " الْقَوْل فِيهِ.
آية رقم ٢٧
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أَيْ خَائِفُونَ.
آية رقم ٢٨
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
قَالَ اِبْن عَبَّاس : لِمَنْ أَشْرَكَ أَوْ كَذَّبَ أَنْبِيَاءَهُ.
وَقِيلَ : لَا يَأْمَنهُ أَحَد، بَلْ الْوَاجِب عَلَى كُلّ أَحَد أَنْ يَخَافَهُ وَيُشْفِق مِنْهُ.
آية رقم ٢٩
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ :" مِنْ غَرِيب الْقُرْآن أَنَّ هَذِهِ الْآيَات الْعَشْر عَامَّة فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَسَائِرِ أَلْفَاظ الْقُرْآن الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَة لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّة فِيهِمْ، إِلَّا قَوْل " وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ " فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرِّجَالَ خَاصَّة دُونَ الزَّوْجَات، " إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ " وَإِنَّمَا عَرَفَ حِفْظ الْمَرْأَة فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّة أُخْرَى كَآيَاتِ الْإِحْصَان عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة.
قُلْت : وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي الْآيَة فَلَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكهُ إِجْمَاعًا مِنْ الْعُلَمَاء ; لِأَنَّهَا غَيْر دَاخِلَة فِي الْآيَة، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْد مِلْكهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوز لِغَيْرِهِ عِنْد الْجُمْهُور.
وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحهمَا.
قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَد مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار ; لِأَنَّ تَمَلُّكهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِل النِّكَاحَ بَيْنهمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخ لِلنِّكَاحِ ; وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْد مِلْكهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيد وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّة مِنْهُ.
الْخَامِسَة : قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَكَم : سَمِعْت حَرْمَلَة بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُل يَجْلِد عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة " وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ " - إِلَى قَوْله - " الْعَادُونَ ".
وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنْ الذَّكَر بِعُمَيْرَةَ ; وَفِيهِ يَقُول الشَّاعِر :
وَمُطْعَم الْغُنْم يَوْم الْغُنْم مُطْعَمُهُ أَنَّى تَوَجَّهَ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ
إِذَا حَلَلْت بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاء وَلَا حَرَج
وَيُسَمِّيه أَهْل الْعِرَاق الِاسْتِمْنَاء، وَهُوَ اِسْتِفْعَال مِنْ الْمَنِيّ.
وَأَحْمَد بْن حَنْبَل عَلَى وَرَعه يُجَوِّزهُ، وَيَحْتَجّ بِأَنَّهُ إِخْرَاج فَضْلَة مِنْ الْبَدَن فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَة ; أَصْله الْقَصْد وَالْحِجَامَة.
وَعَامَّة الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيمه.
وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَة أَحْدَثَهَا الشَّيْطَان وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاس حَتَّى صَارَتْ قِيلَة، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ ; وَلَوْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى جَوَازهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَة يُعْرِض عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهَا خَيْر مِنْ نِكَاح الْأَمَة ; قُلْنَا : نِكَاح الْأَمَة وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَة عَلَى مَذْهَب بَعْض الْعُلَمَاء خَيْر مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِل أَيْضًا، وَلَكِنَّ الِاسْتِمْنَاءَ ضَعِيف فِي الدَّلِيل أَوْ بِالرَّجُلِ الدَّنِيء فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِير.
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ مِنْ أَزْوَاجهمْ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّه لَهُمْ لَا يُجَاوِزُونَ.
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
فِي مَوْضِع خَفْض مَعْطُوفَة عَلَى " أَزْوَاجهمْ " و " مَا " مَصْدَرِيَّة.
وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِّنَا وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ الِاسْتِمْنَاء وَنِكَاح الْمُتْعَة ; لِأَنَّ الْمُتَمَتِّع بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَات، لَا تَرِث وَلَا تُورَث، وَلَا يَلْحَق بِهِ وَلَدهَا، وَلَا يُخْرَج مِنْ نِكَاحهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَف لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَج بِانْقِضَاءِ الْمُدَّة الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ.
اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَة جَائِز فَهِيَ زَوْجَة إِلَى أَجَل يَنْطَلِق عَلَيْهَا اِسْم الزَّوْجِيَّة.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّة مِنْ تَحْرِيم نِكَاح الْمُتْعَة لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُل فِي الْآيَة.
قُلْت : وَفَائِدَة هَذَا الْخِلَاف هَلْ يَجِب الْحَدّ وَلَا يَلْحَق الْوَلَد كَالزِّنَا الصَّرِيح أَوْ يُدْفَع الْحَدّ لِلشُّبْهَةِ وَيَلْحَق الْوَلَد، قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا.
وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم أَحْوَال ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غُزَاة الْفَتْح ; ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ ; قَالَهُ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَاد مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْره، وَإِلَيْهِ أَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ.
آية رقم ٣١
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا لَا يَحِلّ عَادِيًا وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدّ لِعِدْوَانِهِ، وَاللَّائِط عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَة، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :" بَلْ أَنْتُمْ قَوْم عَادُونَ " [ الشُّعَرَاء : ١٦٦ ] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف " ; فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِر لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
فَلَتَ : فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاع مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :" وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ " خَصَّ بِهِ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاء ; فَقَدْ رَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : تَسَرَّرَتْ اِمْرَأَة غُلَامهَا ; فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَر فَسَأَلَهَا : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : كُنْت أَرَاهُ يَحِلّ لِي مِلْك يَمِينِي كَمَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَة بِمِلْكِ الْيَمِين ; فَاسْتَشَارَ عُمَر فِي رَجْمهَا أَصْحَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْر تَأْوِيله، لَا رَجْم عَلَيْهَا.
فَقَالَ عُمَر : لَا جَرَمَ ! وَاَللَّه لَا أُحِلّك لِحُرٍّ بَعْدَهُ أَبَدًا.
عَاقَبَهَا بِذَلِكَ وَدَرَأَ الْحَدَّ عَنْهَا، وَأَمَرَ الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا.
وَعَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول : أَنَا حَضَرْت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز جَاءَتْهُ اِمْرَأَة بِغُلَامٍ لَهَا وَضِيء فَقَالَتْ : إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُل تَكُون لَهُ الْوَلِيدَة فَيَطَؤُهَا ; فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي ; فَقَالَ عُمَر : أَتَزَوَّجْت قَبْلَهُ ؟ قَالَتْ نَعَمْ ; قَالَ : أَمَا وَاَللَّه لَوْلَا مَنْزِلَتك مِنْ الْجَهَالَة لَرَجَمْتُك بِالْحِجَارَةِ ; وَلَكِنْ اِذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُج بِهِ إِلَى غَيْر بَلَدهَا.
وَ " وَرَاء " بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُول ب " اِبْتَغَى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاج وَالْوَلَائِد الْمَمْلُوكَة لَهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ فَمَنْ اِبْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ ; فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاء مَحْذُوف، وَ " وَرَاءَ " ظَرْف.
وَ " ذَلِكَ " يُشَار بِهِ إِلَى كُلّ مَذْكُور مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا.
" فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ " أَيْ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ ; مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ.
آية رقم ٣٢
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
قَرَأَ الْجُمْهُور " لِأَمَانَاتِهِمْ " بِالْجَمْعِ.
وَابْن كَثِير بِالْإِفْرَادِ.
وَالْأَمَانَة وَالْعَهْد يَجْمَع كُلَّ مَا يَحْمِلهُ الْإِنْسَان مِنْ أَمْر دِينه وَدُنْيَاهُ قَوْلًا وَفِعْلًا.
وَهَذَا يَعُمّ مُعَاشَرَةَ النَّاس وَالْمَوَاعِيد وَغَيْر ذَلِكَ ; وَغَايَة ذَلِكَ حِفْظه وَالْقِيَام بِهِ.
وَالْأَمَانَة أَعَمّ مِنْ الْعَهْد، وَكُلّ عَهْد فَهُوَ أَمَانَة فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْل أَوْ فِعْل أَوْ مُعْتَقَد.
آية رقم ٣٣
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ
عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَرِيب أَوْ بَعِيد، يَقُومُونَ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِم وَلَا يَكْتُمُونَهَا وَلَا يُغَيِّرُونَهَا.
وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الشَّهَادَة وَأَحْكَامهَا فِي سُورَة " الْبَقَرَة ".
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :" بِشَهَادَاتِهِمْ " أَنَّ اللَّهَ وَاحِد لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله.
وَقُرِئَ " لِأَمَانَتِهِمْ " عَلَى التَّوْحِيد.
وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن.
فَالْأَمَانَة اِسْم جِنْس، فَيَدْخُل فِيهَا أَمَانَات الدِّين، فَإِنَّ الشَّرَائِعَ أَمَانَات اِئْتَمَنَ اللَّه عَلَيْهَا عِبَادَهُ.
وَيَدْخُل فِيهَا أَمَانَات النَّاس مِنْ الْوَدَائِع ; وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى فِي سُورَة " النِّسَاء ".
وَقَرَأَ عَبَّاس الدَّوْرِيّ عَنْ أَبِي عَمْرو وَيَعْقُوب " بِشَهَادَاتِهِمْ " جَمْعًا.
الْبَاقُونَ " بِشَهَادَتِهِمْ " عَلَى التَّوْحِيد، لِأَنَّهَا تُؤَدِّي عَنْ الْجَمْع.
وَالْمَصْدَر قَدْ يُفْرَد وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى جَمْع، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْت الْحَمِير ".
[ لُقْمَان : ١٩ ] وَقَالَ الْفَرَّاء : وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا " بِشَهَادَتِهِمْ " تَوْحِيدًا قَوْله تَعَالَى :" وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ " [ الطَّلَاق : ٢ ].
آية رقم ٣٤
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
قَالَ قَتَادَة : عَلَى وُضُوئِهَا وَرُكُوعهَا وَسُجُودهَا.
وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : التَّطَوُّع.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْمُؤْمِنُونَ ".
فَالدَّوَام خِلَاف الْمُحَافَظَة.
فَدَوَامهمْ عَلَيْهَا أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَدَائِهَا لَا يُخِلُّونَ بِهَا وَلَا يَشْتَغِلُونَ عَنْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الشَّوَاغِل، وَمُحَافَظَتهمْ عَلَيْهَا أَنْ يُرَاعُوا إِسْبَاغَ الْوُضُوء لَهَا وَمَوَاقِيتهَا، وَيُقِيمُوا أَرْكَانَهَا، وَيُكْمِلُوهَا بِسُنَنِهَا وَآدَابهَا، وَيَحْفَظُوهَا مِنْ الْإِحْبَاط بِاقْتِرَابِ الْمَأْثَم.
فَالدَّوَام يَرْجِع إِلَى نَفْس الصَّلَوَات وَالْمُحَافَظَة إِلَى أَحْوَالهَا.
آية رقم ٣٥
أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
أَيْ أَكْرَمَهُمْ اللَّه فِيهَا بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَات.
آية رقم ٣٦
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
قَالَ الْأَخْفَش : مُسْرِعِينَ.
قَالَ :
بِمَكَّةَ أَهْلهَا وَلَقَدْ أَرَاهُمْ إِلَيْهِ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاع
وَالْمَعْنَى : مَا بَالَهُمْ يُسْرِعُونَ إِلَيْك وَيَجْلِسُونَ حَوَالَيْك وَلَا يَعْمَلُونَ بِمَا تَأْمُرهُمْ.
وَقِيلَ : أَيْ مَا بَالُهُمْ مُسْرِعِينَ فِي التَّكْذِيب لَك.
وَقِيلَ : أَيْ مَا بَال الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إِلَى السَّمَاع مِنْك لِيَعِيبُوك وَيَسْتَهْزِئُوا بِك.
وَقَالَ عَطِيَّة : مُهْطِعِينَ : مُعْرِضِينَ.
الْكَلْبِيّ : نَاظِرِينَ إِلَيْك تَعَجُّبًا.
وَقَالَ قَتَادَة : عَامِدِينَ.
وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; أَيْ مَا بَالُهُمْ مُسْرِعِينَ عَلَيْك، مَادِّينَ أَعْنَاقَهُمْ، مُدْمِنِي النَّظَر إِلَيْك.
وَذَلِكَ مِنْ نَظَر الْعَدُوّ.
وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال.
نَزَلَتْ فِي جَمْع مِنْ الْمُنَافِقِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، كَانُوا يَحْضُرُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلَام - وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
و " قِبَلَك " أَيْ نَحْوَك.
آية رقم ٣٧
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
أَيْ عَنْ يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشِمَاله حِلَقًا حِلَقًا وَجَمَاعَات.
وَالْعِزِين : جَمَاعَات فِي تَفْرِقَة، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
وَمِنْهُ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابه فَرَآهُمْ حِلَقًا فَقَالَ :( مَالِي أَرَاكُمْ عِزِين أَلَّا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفّ الْمَلَائِكَة عِنْدَ رَبّهَا - قَالُوا : وَكَيْفَ تَصُفّ الْمَلَائِكَة عِنْد رَبّهَا ؟ قَالَ : يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفّ ) خَرَّجَهُ مُسْلِم وَغَيْره.
وَقَالَ الشَّاعِر :
تَرَانَا عِنْدَهُ وَاللَّيْل دَاجٍ عَلَى أَبْوَابه حِلَقًا عِزِينَا
أَيْ مُتَفَرِّقِينَ.
وَقَالَ الرَّاعِي :
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَن إِنَّ عَشِيرَتِي أَمْسَى سَرَاتهمْ إِلَيْك عِزِينَا
أَيْ مُتَفَرِّقِينَ.
وَقَالَ آخَر :
كَأَنَّ الْجَمَاجِمَ مِنْ وَقْعهَا خَنَاطِيل يَهْوِينَ شَتَّى عِزِينَا
أَيْ مُتَفَرِّقِينَ.
وَقَالَ آخَر :
فَلَمَّا أَنْ أَتَيْنَ عَلَى أُضَاخٍ ضَرَحْنَ حَصَاهُ أَشْتَاتًا عِزِينَا
وَقَالَ الْكُمَيْت :
وَنَحْنُ وَجَنْدَل بَاغٍ تَرَكْنَا كَتَائِبَ جَنْدَل شَتَّى عِزِينَا
وَقَالَ عَنْتَرَة :
وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكْت لِذِي وَلِيّ عَلَيْهِ الطَّيْر كَالْعُصَبِ الْعِزِين
وَوَاحِد عِزِين عِزَة، جُمِعَ بِالْوَاوِ وَالنُّون لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا مِمَّا حُذِفَ مِنْهَا.
وَأَصْلهَا عِزْهَةٌ، فَاعْتَلَّتْ كَمَا اِعْتَلَّتْ سَنَة فِيمَنْ جَعَلَ أَصْلهَا سِنْهَة.
وَقِيلَ : أَصْلهَا عِزْوَة، مِنْ عَزَاهُ يَعْزُوهُ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى غَيْره.
فَكُلّ وَاحِد مِنْ الْجَمَاعَات مُضَافَة إِلَى الْأُخْرَى، وَالْمَحْذُوف مِنْهَا الْوَاو.
وَفِي الصِّحَاح :" وَالْعِزَة الْفِرْقَة مِنْ النَّاس، وَالْهَاء عِوَض مِنْ الْيَاء، وَالْجَمْع عِزًى - عَلَى فِعَل - وَعِزُونَ وَعُزُونَ أَيْضًا بِالضَّمِّ، وَلَمْ يَقُولُوا عِزَات كَمَا قَالُوا ثِبَات ".
قَالَ الْأَصْمَعِيّ : يُقَال فِي الدَّار عِزُونَ، أَيْ أَصْنَاف مِنْ النَّاس.
وَ " عَنْ الْيَمِين وَعَنْ الشِّمَال " مُتَعَلِّق " بِمُهْطِعِينَ " وَيَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق " بِعِزِينَ " عَلَى حَدّ قَوْلِك : أَخَذْته عَنْ زَيْد.
آية رقم ٣٨
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَمِعُونَ كَلَامَهُ فَيَكْذِبُونَهُ وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِهِ وَيَقُولُونَ : لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ لَنَدْخُلَنَّهَا قَبْلَهُمْ، وَلَئِنْ أُعْطُوا مِنْهَا شَيْئًا لَنُعْطَيَنَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ; فَنَزَلَتْ :" أَيَطْمَعُ " الْآيَة.
وَقِيلَ : كَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَة أَرْهُط.
وَقَرَأَ الْحَسَن وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف وَالْأَعْرَج " أَنْ يَدْخُلَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْخَاء مُسَمَّى الْفَاعِل.
وَرَوَاهُ الْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم.
الْبَاقُونَ " أَنْ يُدْخَلَ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول.
آية رقم ٣٩
كَلَّا
لَا يَدْخُلُونَهَا.
إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ
ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ :" إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ " أَيْ إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة ; كَمَا خَلَقَ سَائِرَ جِنْسهمْ.
فَلَيْسَ لَهُمْ فَضْل يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا تُسْتَوْجَب بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَل الصَّالِح وَرَحْمَة اللَّه تَعَالَى.
وَقِيلَ : كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ :" إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ " مِنْ الْقَذَر، فَلَا يَلِيق بِهِمْ هَذَا التَّكَبُّر.
وَقَالَ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّمَا خُلِقْت يَا بْن آدَم مِنْ قَذَرٍ فَاتَّقِ اللَّهَ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير رَأَى الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة يَتَبَخْتَر فِي مُطْرَف خَزّ وَجُبَّة خَزّ فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّه، مَا هَذِهِ الْمِشْيَة الَّتِي يُبْغِضهَا اللَّه ؟ فَقَالَ لَهُ : أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ نَعَمْ، أَوَّلُك نُطْفَةٌ مَذِرَة، وَآخِرك جِيفَة قَذِرَة، وَأَنْتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِل الْعَذِرَة.
فَمَضَى الْمُهَلَّب وَتَرَكَ مِشْيَته.
نَظَمَ الْكَلَام مَحْمُود الْوَرَّاق فَقَالَ :
عَجِبْت مِنْ مُعْجَب بِصُورَتِهِ وَكَانَ فِي الْأَصْل نُطْفَة مَذِرَهْ
وَهُوَ غَدًا بَعْدَ حُسْن صُورَته يَصِير فِي اللَّحْد جِيفَة قَذِرَهْ
وَهُوَ عَلَى تِيهه وَنَخْوَته مَا بَيْنَ ثَوْبَيْهِ يَحْمِل الْعَذِرَهْ
وَقَالَ آخَر :
هَلْ فِي اِبْن آدَم غَيْر الرَّأْس مَكْرُمَة وَهُوَ بِخَمْسٍ مِنْ الْأَوْسَاخ مَضْرُوب
أَنْف يَسِيل وَأُذُن رِيحهَا سَهِكٌ وَالْعَيْن مُرْمَصَة وَالثَّغْر مَلْهُوبُ
يَا بْن التُّرَاب وَمَأْكُول التُّرَاب غَدًا قَصِّرْ فَإِنَّك مَأْكُول وَمَشْرُوب
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مِنْ أَجْل مَا يَعْلَمُونَ ; وَهُوَ الْأَمْر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب.
كَقَوْلِ الشَّاعِر وَهُوَ الْأَعْشَى :
أَأَزْمَعْت مِنْ آل لَيْلَى اِبْتِكَارًا وَشَطَّتْ عَلَى ذِي هَوًى أَنْ تُزَارَا
أَيْ مِنْ أَجْل لَيْلَى.
آية رقم ٤٠
فَلَا أُقْسِمُ
أَيْ أُقْسِم.
و " لَا " صِلَة.
بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ
هِيَ مَشَارِق الشَّمْس وَمَغَارِبهَا.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهَا.
وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد " بِرَبِّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب " عَلَى التَّوْحِيد.
آية رقم ٤١
عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ
يَقُول : نَقْدِر عَلَى إِهْلَاكهمْ وَالذَّهَاب بِهِمْ وَالْمَجِيء بِخَيْرٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْل وَالطَّوْع وَالْمَال.
وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
أَيْ لَا يَفُوتنَا شَيْءٌ وَلَا يُعْجِزنَا أَمْر نُرِيدهُ.
آية رقم ٤٢
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
أَيْ اُتْرُكْهُمْ يَخُوضُوا فِي بَاطِلهمْ وَيَلْعَبُوا فِي دُنْيَاهُمْ ; عَلَى جِهَة الْوَعِيد.
وَاشْتَغِلْ أَنْتَ بِمَا أُمِرْت بِهِ وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك شِرْكهمْ ; فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يَلْقَوْنَ فِيهِ مَا وُعِدُوا.
وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَمُجَاهِد وَحُمَيْد " حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ ".
وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف.
آية رقم ٤٣
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ
" يَوْم " بَدَل مِنْ " يَوْمهمْ " الَّذِي قَبْلَهُ، وَقِرَاءَة الْعَامَّة " يَخْرُجُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الرَّاء عَلَى أَنَّهُ مُسَمَّى الْفَاعِل.
وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَالْمُغِيرَة وَالْأَعْشَى عَنْ عَاصِم " يُخْرَجُونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الرَّاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول.
وَالْأَجْدَاث : الْقُبُور ; وَاحِدهَا جَدَث.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " يس ".
" سِرَاعًا " حِينَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ الْآخِرَةَ إِلَى إِجَابَة الدَّاعِي ; وَهُوَ نَصْب عَلَى الْحَال " كَأَنَّهُمْ إِلَى نَصْب يُوفِضُونَ " قِرَاءَة الْعَامَّة بِفَتْحِ النُّون وَجَزْم الصَّاد.
وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَفْص بِضَمِّ النُّون وَالصَّاد.
وَقَرَأَ عَمْرو بْن مَيْمُون وَأَبُو رَجَاء وَغَيْرهمَا بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَان الصَّاد.
وَالنُّصْب وَالنَّصْب لُغَتَانِ مِثْل الضُّعْف وَالضَّعْف.
الْجَوْهَرِيّ : وَالنَّصْب مَا نُصِبَ فَعُبِدَ مِنْ دُون اللَّه، وَكَذَلِكَ النُّصْب بِالضَّمِّ ; وَقَدْ يُحَرَّك.
قَالَ الْأَعْشَى :
وَذَا النُّصُب الْمَنْصُوب لَا تَنْسُكَنَّهُ لِعَافِيَةٍ وَاَللَّهَ رَبَّك فَاعْبُدَا
أَرَادَ " فَاعْبُدَن " فَوَقَفَ بِالْأَلِفِ ; كَمَا تَقُول : رَأَيْت زَيْدًا.
وَالْجَمْع الْأَنْصَاب.
وَقَوْله :" وَذَا النُّصُب " بِمَعْنَى إِيَّاكَ وَذَا النُّصُب.
وَالنُّصُب الشَّرّ وَالْبَلَاء ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَاب " [ ص : ٤١ ].
وَقَالَ الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء : النُّصُب جَمْع النَّصْب مِثْل رَهْن وَرُهُن، وَالْأَنْصَاب جَمْع نُصُب ; فَهُوَ جَمْع الْجَمْع.
وَقِيلَ : النُّصُب وَالْأَنْصَاب وَاحِد.
وَقِيلَ : النُّصُب جَمْع نِصَاب، هُوَ حَجَر أَوْ صَنَم يُذْبَح عَلَيْهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب " [ الْمَائِدَة : ٣ ].
وَقَدْ قِيلَ : نَصْب وَنُصْب وَنُصُب بِمَعْنًى وَاحِد ; كَمَا قِيلَ عَمْر وَعُمْر وَعُمُر.
ذَكَرَهُ النَّحَّاس.
قَالَ اِبْن عَبَّاس :" إِلَى نُصُب " إِلَى غَايَة، وَهِيَ الَّتِي تَنْصِب إِلَيْهَا بَصَرَك.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ : إِلَى شَيْء مَنْصُوب ; عَلَم أَوْ رَايَة.
وَقَالَ الْحَسَن : كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس إِلَى نُصُبهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه لَا يَلْوِي أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرهمْ.
يُوفِضُونَ
يُسْرِعُونَ وَالْإِيفَاض الْإِسْرَاع.
قَالَ الشَّاعِر :
فَوَارِس ذِبْيَان تَحْت الْحَدِيد كَالْجِنِّ يُوفِضْنَ مِنْ عَبْقَر
عَبْقَر : مَوْضِع تَزْعُم الْعَرَب أَنَّهُ مِنْ أَرْض الْجِنّ.
قَالَ لَبِيد :
كُهُول وَشُبَّان كَجِنَّةِ عَبْقَر
وَقَالَ اللَّيْث : وَفَضَتْ الْإِبِل تَفِض وَفْضًا ; وَأَوْفَضَهَا صَاحِبهَا.
فَالْإِيفَاض مُتَعَدٍّ، وَاَلَّذِي فِي الْآيَة لَازِم.
يُقَال : وُفِضَ وَأَوْفَضَ وَاسْتَوْفَضَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ.
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ
أَيْ ذَلِيلَة خَاضِعَة، لَا يَرْفَعُونَهَا لِمَا يَتَوَقَّعُونَهُ مِنْ عَذَاب اللَّه.
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
أَيْ يَغْشَاهُمْ الْهَوَان.
قَالَ قَتَادَة : هُوَ سَوَاد الْوُجُوه.
وَالرَّهَق : الْغَشَيَان ; وَمِنْهُ غُلَام مُرَاهِق إِذَا غَشِيَ الِاحْتِلَام.
رَهِقَهُ ( بِالْكَسْرِ ) يَرْهَقهُ رَهَقًا أَيْ غَشِيَهُ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" وَلَا يَرْهَق وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّة " [ يُونُس : ٢٦ ].
ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ
أَيْ يُوعَدُونَهُ فِي الدُّنْيَا أَنَّ لَهُمْ فِيهِ الْعَذَاب.
وَأُخْرِجَ الْخَبَر بِلَفْظِ الْمَاضِي لِأَنَّ مَا وَعَدَ اللَّه بِهِ يَكُون لَا مَحَالَةَ
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

44 مقطع من التفسير