تفسير سورة سورة المرسلات

أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (ت 710 هـ)

الناشر

دار الكلم الطيب، بيروت

الطبعة

الأولى

عدد الأجزاء

3

مقدمة التفسير
سورة المرسلات مكية وهي خمسون آية
الآيات من ١ إلى ٦
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)
﴿والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً والناشرات نَشْراً فالفارقات فَرْقاً فالملقيات ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾
أقسم سبحانه وتعالى بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض أو
نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أو حين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء عليهم السلام عذراً للمحقين أو نذراً للمبطلين أو أقسم برياح عذاب أرسلهن فعصفن وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ويجعله كسفا فألقين ذكراً إما عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها واما نذراً للذين لا يشكرون وينسبون ذلك إلى الأنواء وجعلن ملقيات الذكر باعتبار السببية عُرْفاً حال أي متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً أو مفعول له أي أرسلن للاحسان والمعروف وعصفا ونشرا مصدران أو نذرا أبو عمرو وكفى غير أبي بكر وحماد والعذر والنذار مصدران من عذر إذا محا الإساءة ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والشكر
— 584 —
وانتصابهما على البدل من ذِكْراً أو على المفعول له
— 585 —
آية رقم ٧
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)
﴿إن ما تُوعَدُونَ﴾ إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة ﴿لَوَاقِعٌ﴾ لكائن نازل لا ريب فيه وهو جواب القسم ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم
آية رقم ٨
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)
﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ محيت أو ذهب بنورها وجواب فَإِذَا محذوف والعامل فيها جوابها وهو وقوع الفصل ونحوه والنجوم فاعل فعل يفسره طُمِسَتْ
آية رقم ٩
وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)
﴿وَإِذَا السماء فُرِجَتْ﴾ فتحت فكانت أبواباً
آية رقم ١٠
وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)
﴿وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ﴾ قلعت من أماكنها
آية رقم ١١
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)
﴿وَإِذَا الرسل أقتت﴾ أي وقتت كقراءة أبي عمر وأبدلت الهمزة من الواو ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم
آية رقم ١٢
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)
﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أخرت وأمهلت وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هو له والتأجيل من الأجل كالتوقيت من الوقت
آية رقم ١٣
لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)
﴿ليوم الفصل﴾ بيان ليوم التأحيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق
آية رقم ١٤
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾ تعجيب آخر وتعظيم لأمره
آية رقم ١٥
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه سلام عليكم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه ﴿لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بذلك اليوم خبره
آية رقم ١٦
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ الأمم الخالية المكذبة
آية رقم ١٧
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾ مستأنف بعد وقف وهو وعيد لأهل مكة أي
— 585 —
ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثلما فعلنا بالأولين لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم
— 586 —
آية رقم ١٨
كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)
﴿كذلك﴾ مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ بكل من أجرم
آية رقم ١٩
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بما أوعدنا
آية رقم ٢٠
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)
﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ حقير وهو النطفة
آية رقم ٢١
فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)
﴿فجعلناه﴾ أي الماء في ﴿قرار﴾
﴿مكين﴾
مَّكِينٍ مقر يتمكن فيه وهو الرحم ومحل
آية رقم ٢٢
إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)
﴿إلى قدر معلوم﴾ الحال أي مؤخرا إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله وحكم به وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها
آية رقم ٢٣
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)
﴿فَقَدَّرْنَا﴾ فقدرنا ذلك تقديراً ﴿فَنِعْمَ القادرون﴾ فنعم المقدرون له نحن أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن والأول أحق لقراءة نافع وعلي بالتشديد ولقوله مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فقدره
آية رقم ٢٤
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بنعمة الفطرة
آية رقم ٢٥
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)
﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ وهو من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه وهو اسم ما يكفت كقولهم الضمام لما يضم وبه انتصب
آية رقم ٢٦
أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)
﴿أَحْيَاءً وأمواتا﴾ كأنه قيل كافتة أحياء وأمواتاً أو بفعل مضمر يدل عليه كِفَاتاً وهو تكفت أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها والتكبير فيهما للتفخيم أي تكفت أحياء لا يعدون امواتا لا يحصرون
آية رقم ٢٧
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ جبالاً ثوابت ﴿شامخات﴾ عاليات ﴿وأسقيناكم ماء فراتا﴾ عذبا
آية رقم ٢٨
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بهذه النعمة
آية رقم ٢٩
انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)
﴿انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي يقال للكافرين يوم القيامة سيروا إلى النار التي كنتم بها تكذبون
آية رقم ٣٠
انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)
﴿انطلقوا﴾ إلى تكرير التوكيد ﴿إلى ظل﴾ دخان جهنهم ﴿ذي﴾ في ﴿ثلاث شُعَبٍ﴾ يتشعب لعظمه ثلاث شعب وهكذا الدخان العظيم يتفرق ثلاث فرق
آية رقم ٣١
لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)
﴿لاَّ ظَلِيلٍ﴾ نعت ظل أي لا مظل من حر ذلك اليوم وحر النار ﴿وَلاَ يغني﴾ في محل الجراى وغير مغنٍ لهم ﴿مِنَ اللهب﴾ من حر اللهب شيئا
آية رقم ٣٢
إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)
﴿إِنَّهَا﴾ أي النار ﴿تَرْمِى بِشَرَرٍ﴾ هو ما تطاير من النار ﴿كالقصر﴾ في العظم وقيل هو الغليظ من الشجر الواحدة قصرة
آية رقم ٣٣
كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)
﴿كأنه جمالة﴾ كوفي غير أبي بكر جمع جمل جمالات غيرهم جمع الجمع صُفْرٌ جمع أصفر أي سود تضرب إلى الصفرة وشبه الشرر بالقصر لعظمه وارتفاعه وبالجمال للعظم والطول واللون
آية رقم ٣٤
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بأن هذه صفتها
آية رقم ٣٥
هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)
﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ وقرىء بنصب اليوم أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية وعن قوله ثُمَّ إِنَّكُمْ يوم القيامة عند ربكم تختصمون فقال في ذلك اليوم مواقف في بعضها يختصمون وفي بعضها لا ينطقون أو لا ينطقون بما ينفعهم بجعل نطقهم كلا نطق
آية رقم ٣٦
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)
﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ في الاعتذار ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على يُؤْذَنُ منخرط في سلك النفي أي لا يكون لهم إذن واعتذار
آية رقم ٣٧
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بهذا اليوم
آية رقم ٣٨
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)
﴿هذا يَوْمُ الفصل﴾ بين المحق والمبطل والمحسن والمسيء بالجزاء
— 587 —
﴿جمعناكم﴾ يا مكذبي محمد ﴿والأولين﴾ والمكذبين بين قبلكم
— 588 —
آية رقم ٣٩
فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)
﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ﴾ حيلة في دفع العذاب ﴿فَكِيدُونِ﴾ فاحتالوا عليّ بتخليص أنفسكم من العذاب والكيد متعدٍ تقول كدت فلاناً إذا احتلت عليه
آية رقم ٤٠
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث
آية رقم ٤١
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)
﴿إِنَّ المتقين﴾ من عذاب الله ﴿فِى ظلال﴾ جمع ظل ﴿وَعُيُونٍ﴾ جارية في الجنة
آية رقم ٤٢
وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)
﴿وفواكه مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي لذيذة مشتهاة
آية رقم ٤٣
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
﴿كُلُواْ واشربوا﴾ في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو فِى ظلال أي هم مستقرون في ظلال مقولاً لهم ذلك ﴿هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا
آية رقم ٤٤
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين﴾ فأحسنوا تجزوا بهذا
آية رقم ٤٥
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالجنة
آية رقم ٤٦
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)
﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ كلام مستأنف خطاب للمكذبين في الدنيا على وجه التهديد كقوله اعملوا مَا شئتم ﴿قَلِيلاً﴾ لأن متاع الدنيا قليل ﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ كافرون أي ان كل مجرم يأكل ويتمتع أياماً قلائل ثم يبقى في الهلاك الدائم
آية رقم ٤٧
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالنعم
آية رقم ٤٨
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)
﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا﴾ اخشعوا لله وتواضعوا إليه بقبول وحيه واتباع دينه ودعوا هذا الاستكبار لاَ يَرْكَعُونَ لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم وإذا قيل لهم صلوا لا يصلون
آية رقم ٤٩
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالأمر والنهي
آية رقم ٥٠
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن لم يؤمنوا بالقرآن مع أنه آية مبصرة ومعجزة باهرة من بين الكتب السماوية فبأي كتاب بعده يؤمنون والله أعلم
— 588 —
سورة النبأ مكية وهي أربعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

— 589 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

45 مقطع من التفسير