تفسير سورة سورة الصافات
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑﭒ
ﭓ
... معنى وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط...
والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره...
أما فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية...
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره...
أما فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.
آخرون فهموا وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية...
فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات: ١-٢] ومعنى فَالتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ٣] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـٰنِ الرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢-٤].
هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.
آية رقم ٥
رَّبُّ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ
وفي آية أخرى قال:
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ [طه: ٦] وهذا الذي تحت الثرى هو الذي يحتاج مِنّا إلى بحث لنصل إليه ونكتشفه ونُخرجه كما قلنا من عالم الملكوت إلى عالم الملْك.
هنا قال وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات: ٥]، وفي موضع آخر قال:
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠] إذن: الحق سبحانه يُبْقي لألمحية الالتقاط الذهني من الألفاظ موضعاً، فما دام هناك مشارق إذن لابد أنْ يقابلها مغارب؛ لأن الشمس لا تشرق على قوم إلا وتغرب عن آخرين، إذن: عرفناها باللزوم.
وحين نستعرض هاتين الكلمتين في كتاب الله نجد أنهما تأتيان مرة بصيغة المفرد
رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: ٩]، وتأتي بصيغة المثنى
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧]، وتأتي بصيغة الجمع
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠].
ذلك لأنه إذا خاطب الإنسان الواحد في المكان الواحد قال المشرق والمغرب، لأن لكل مكان مشرقاً ومغرباً، فإنْ تعدَّدتْ الأماكن تعددت المشارق والمغارب، فنحن مثلاً في القطر الواحد نلاحظ أن مغرب القاهرة غير مغرب الأسكندرية، فإذا نظرنا إلى كل الأمكنة في الكرة الأرضية علمنا أن المشارق والمغارب لا تتناهى، ففي كل نصف ثانية مشرق ومغرب.
لذلك قلنا: من حكمة الخالق سبحانه في دورة الأرض حول نفسها، وحول الشمس أنها تُوزع مقومات الحياة في الكون كله، فلو ظَلَّتْ الشمس مواجهةً لمكان واحد لاحترق، ولو ظلَّتْ غائبة عن مكان لَتجمَّد. ونتيجة هذه الحركة يظل الحق سبحانه معبوداً في كل أوان بكل عبادة، كما سبق أن أوضحنا أنه في اللحظة الواحدة يُصلَّى الصبح عند قوم، والظهر عند آخرين، والعصر عند آخرين، والمغرب والعشاء، وهكذا على مَدار اليوم والليلة.
أما قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] قالوا: المشرقان يعني: المشرق والمغرب، أو مشرق الصيف ومشرق الشتاء.
وفي آية أخرى قال:
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ [طه: ٦] وهذا الذي تحت الثرى هو الذي يحتاج مِنّا إلى بحث لنصل إليه ونكتشفه ونُخرجه كما قلنا من عالم الملكوت إلى عالم الملْك.
هنا قال وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات: ٥]، وفي موضع آخر قال:
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠] إذن: الحق سبحانه يُبْقي لألمحية الالتقاط الذهني من الألفاظ موضعاً، فما دام هناك مشارق إذن لابد أنْ يقابلها مغارب؛ لأن الشمس لا تشرق على قوم إلا وتغرب عن آخرين، إذن: عرفناها باللزوم.
وحين نستعرض هاتين الكلمتين في كتاب الله نجد أنهما تأتيان مرة بصيغة المفرد
رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: ٩]، وتأتي بصيغة المثنى
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧]، وتأتي بصيغة الجمع
بِرَبِّ الْمَشَٰرِقِ وَالْمَغَٰرِبِ [المعارج: ٤٠].
ذلك لأنه إذا خاطب الإنسان الواحد في المكان الواحد قال المشرق والمغرب، لأن لكل مكان مشرقاً ومغرباً، فإنْ تعدَّدتْ الأماكن تعددت المشارق والمغارب، فنحن مثلاً في القطر الواحد نلاحظ أن مغرب القاهرة غير مغرب الأسكندرية، فإذا نظرنا إلى كل الأمكنة في الكرة الأرضية علمنا أن المشارق والمغارب لا تتناهى، ففي كل نصف ثانية مشرق ومغرب.
لذلك قلنا: من حكمة الخالق سبحانه في دورة الأرض حول نفسها، وحول الشمس أنها تُوزع مقومات الحياة في الكون كله، فلو ظَلَّتْ الشمس مواجهةً لمكان واحد لاحترق، ولو ظلَّتْ غائبة عن مكان لَتجمَّد. ونتيجة هذه الحركة يظل الحق سبحانه معبوداً في كل أوان بكل عبادة، كما سبق أن أوضحنا أنه في اللحظة الواحدة يُصلَّى الصبح عند قوم، والظهر عند آخرين، والعصر عند آخرين، والمغرب والعشاء، وهكذا على مَدار اليوم والليلة.
أما قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] قالوا: المشرقان يعني: المشرق والمغرب، أو مشرق الصيف ومشرق الشتاء.
آية رقم ٧
ﭭﭮﭯﭰﭱ
ﭲ
ثم للكواكب مهمة أخرى: وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ يعني: تحفظنا هذه الكواكب من الشياطين؛ لأنها تنقضّ على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع يُسمُّونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دَخْل لها بهذه المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بُدَّ أنْ تتناقص.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
ومعنى (المارد) أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإنْ قلْتَ: الله تعالى يريد أن يسود منهجه الكونَ، ليسود السلامُ والأَمْن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق الشيطان المارد؟ نقول: ليُوصِّل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابُدَّ أنْ نُصفي أهل الإيمان، وأنْ نُمحِّصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون دعوة يظل نداؤها إلى أنْ تقومَ الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم.
آية رقم ٨
والمعنى: أن هؤلاء الشياطين مُنِعُوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من تسمُّع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة وتنقضُّ عليهم الشُّهُب.
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ والقذف: الرَّجْم بحيث تكون الضربة نافذة
آية رقم ٩
ﭽﭾﭿﮀﮁ
ﮂ
دُحُوراً يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى
وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً.. [النحل: ٥٢] يعني: دائماً، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووَصْف العذاب هنا بأنه دائم؛ لأنه حِيَل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى.
آية رقم ١٠
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
المعنى: أن بعض هؤلاء المردة سيستطيعون خطف بعض الأخبار، لكن لن يتمكنوا من الفرار بها، وتوصيلها إلى أوليائهم. والخطف نوع من حيازة الملكية بدون وجه حق، فلكُلٍّ مِنَّا حيازة وملكية، ولا يُخرِجه عن ملكيته إلا مَنْ يأخذها منه اعتداءً وظلماً، ولهذا الاعتداء والظلم وسائل متعددة منها: الخطف وهو أنْ يُؤخَذ منك الشيء خَطْفاً يعني بسرعة، لكن على مَرْأَىً منك ولا تستطيع منعه؛ لأن الشيء بعيد عن متناول يدك، كالولد الصغير يخطف شيئاً من البائع ويجرى به.
فإنْ كان صاحب الشيء قريباً واستطاع الإمساك به فنازعه المعتدى وتغلَّب عليه وأخذه فهو غَصْب، فإنْ أخذ الشيء دون علم صاحبه فهو سرقة، أما إنْ كان مؤتمناً على المال وأخذ منه فهو اختلاس.. هذه كلها وسائل لحيازة أموال الغير دون وجه حق.
كذلك يخطف الشيطان بعض الأخبار ويحاول الفرار بها، لكن هيهات له ذلك فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ يعني: كوكب ينقضُّ عليه، ومعنى ثَاقِبٌ يعني: نافذ يخترق الأجواء، حتى يصل إلى هدفه في أسرع وقت.
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا يُمنع بدايةً من استراق السمع؟ قالوا: فَرْقٌ بين أنْ يُمنَع من الشيء أصلاً، وبين أنْ يناله ثم لا ينفذ به ولا يستفيد منه، إن الله يُمكِّنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تُعاجله الزاجرات والشُّهب من كل ناحية، فتكون حسرته أعظمَ، حسرة أنه تعب وتحمَّل المشاقَّ في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع.
المعنى: أن بعض هؤلاء المردة سيستطيعون خطف بعض الأخبار، لكن لن يتمكنوا من الفرار بها، وتوصيلها إلى أوليائهم. والخطف نوع من حيازة الملكية بدون وجه حق، فلكُلٍّ مِنَّا حيازة وملكية، ولا يُخرِجه عن ملكيته إلا مَنْ يأخذها منه اعتداءً وظلماً، ولهذا الاعتداء والظلم وسائل متعددة منها: الخطف وهو أنْ يُؤخَذ منك الشيء خَطْفاً يعني بسرعة، لكن على مَرْأَىً منك ولا تستطيع منعه؛ لأن الشيء بعيد عن متناول يدك، كالولد الصغير يخطف شيئاً من البائع ويجرى به.
فإنْ كان صاحب الشيء قريباً واستطاع الإمساك به فنازعه المعتدى وتغلَّب عليه وأخذه فهو غَصْب، فإنْ أخذ الشيء دون علم صاحبه فهو سرقة، أما إنْ كان مؤتمناً على المال وأخذ منه فهو اختلاس.. هذه كلها وسائل لحيازة أموال الغير دون وجه حق.
كذلك يخطف الشيطان بعض الأخبار ويحاول الفرار بها، لكن هيهات له ذلك فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ يعني: كوكب ينقضُّ عليه، ومعنى ثَاقِبٌ يعني: نافذ يخترق الأجواء، حتى يصل إلى هدفه في أسرع وقت.
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا يُمنع بدايةً من استراق السمع؟ قالوا: فَرْقٌ بين أنْ يُمنَع من الشيء أصلاً، وبين أنْ يناله ثم لا ينفذ به ولا يستفيد منه، إن الله يُمكِّنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تُعاجله الزاجرات والشُّهب من كل ناحية، فتكون حسرته أعظمَ، حسرة أنه تعب وتحمَّل المشاقَّ في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع.
آية رقم ١٢
ﮙﮚﮛ
ﮜ
معنى (بَلْ) إضراب عن الكلام السابق وبداية لكلام جديد (عَجِبْتَ) بالفتح أي: يا محمد. والعَجَبُ: هو استغراب وقوع شيء على خلاف نظائره، ومن ذلك قوله تعالى في العقائد: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ.. [البقرة: ٢٨].
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا...
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أنْ فعلنا بكم ذلك؟ هذا شيء مُسْتغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما يُنتظر منكم.
لكن من أيِّ شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع وضوح الأدلة الدامغة على صِدْق قضية الإيمان. وقد سُقْنا لهم الدليل تِلْو الدليل، ومع ذلك كذَّبوا...
وقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ السخرية هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
آية رقم ١٤
ﮢﮣﮤﮥ
ﮦ
... في الآية قبل السابقة قال: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] وهنا يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية؛ لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم.
فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني: يستسخرون غيرهم.
آية رقم ١٥
ﮧﮨﮩﮪﮫﮬ
ﮭ
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
معنى إِن هَـٰذَآ ما هذا إلا سحر مُّبِينٌ يعني: واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيُخيَّل إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما قال تعالى في سحرة فرعون: .. سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: ١١٦]. وقال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦].
إذن: أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفِرْية سهل وواضح: إذا كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء الذين آمنوا، فَلِمَ لم يسحركم أنتم؟ إذن: هذا اتهام باطل لا معنى له.
معنى إِن هَـٰذَآ ما هذا إلا سحر مُّبِينٌ يعني: واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيُخيَّل إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما قال تعالى في سحرة فرعون: .. سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: ١١٦]. وقال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦].
إذن: أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفِرْية سهل وواضح: إذا كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء الذين آمنوا، فَلِمَ لم يسحركم أنتم؟ إذن: هذا اتهام باطل لا معنى له.
آية رقم ١٧
ﯗﯘ
ﯙ
وعجيبٌ منهم أيضاً أنْ يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ دليل على تخبُّطهم، أو ربما فهموا أن الذي سيموت حديثاً يعني: هو الذي سيُبعث، أما القديم فبَعْثه غير ممكن.
آية رقم ١٨
ﯚﯛﯜﯝ
ﯞ
ويردُّ الله عليهم (قُلْ) يعني: قل لهم يا محمد بمِلء فِيكَ (نَعَمْ) يعني: ستُبعثون، والنبي يقولها قَوْلة الواثق؛ لأنه مأمور بها من قِبَل الله القادر على أنْ يبعث الخَلْق قُلْ نَعَمْ وَأَنتُم دَاخِرُونَ يعني: ستُبْعَثون حال كونكم دَاخِرُونَ يعني: صاغرين أذلاء خاضعين، جزاءَ الَّلدَد والعناد والاستكبار على قبول الحق في الدنيا.
آية رقم ١٩
قوله تعالى فَإِنَّمَا هِيَ أي: مسألة البعث زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ صيحة واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن تُخرِجهم من قبورهم فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ لا أننا سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه... إذن: البعث الذي تكذِّبون به أمرُه يسير علينا، ولا يُكلِّفنا شيئاً.
والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا.
والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا.
آية رقم ٢٠
ﯧﯨﯩﯪﯫ
ﯬ
فإذا ما عاينوا هذا المنظر، قالوا: يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: ٢٠-٢١] هم الذين يقولون، وهم الذين يدْعُون على أنفسهم بالوَيْل والثبور، لا نقولها نحن ويلكم، بل يقولونها هم يٰوَيْلَنَا يعني: احضر، فهذا أوانك؛ لأنهم الآن تكشَّفَتْ لهم الحقائق وبَانَ كذبُهم وفسادُ تفكيرهم، وما كانوا فيه في الدنيا من اللَّدَد والعناد، وأول ما يتبين للإنسان فسادُ تفكيره وسوء عمله أوَّل ما يلوم يلوم نفسه، فيدعو عليها.
وقولهم: هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك
وقولهم: هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك
آية رقم ٢١
... والفصل لا يكون إلا في الخصومة، والخصومة هنا كانت بين الرسل وأقوامهم المكذِّبين لهم والمعاندين، ومثْل هذه الخصومة لا يُنهيها الجدل؛ لأن المكذبين لديهم لدَد وعناد، وقد لا يُنهيها السيف حتى يموت الظالم دون أنْ يقتصَّ منه.
آية رقم ٢٥
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
وهذا الاستفهام أيضاً على سبيل السخرية والتهكُّم، يعني: ما لكم الآن لا ينصر بعضكم بعضاً وكنتم تَنَاصرون في الدنيا، الأتباع ينصرون السادة، والسادة يُجنِّدون الأتباع...
آية رقم ٣٠
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ والسلطان إما سلطانُ قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس لنا عليكم لا سلطانُ قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع.
بَلْ كُنتُمْ بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم...
بَلْ كُنتُمْ بطبيعتكم قَوْماً طَاغِينَ أي: متجاوزين للحدِّ في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة حين يتبرأ منهم ويُلقي عليهم مسئولية كفرهم...
آية رقم ٣١
... وتأمل قوله سبحانه: إِنَّا لَذَآئِقُونَ ولم يقولوا مُعذَّبون أو مُحرَّقون، لأن العذاب أو الإحراق يمكن أنْ ينتهي في وقت من الأوقات، أما الإذاقة فهي دائمة ومستمرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء: ٥٦].
آية رقم ٣٢
ﮂﮃﮄﮅ
ﮆ
وقولهم: فَأَغْوَيْنَاكُمْ أي: دَلَلْناهم على طريق الغواية والضلال، والغاوي هو الذي ضلَّ طريق الخير والحق إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ والمعنى: إنْ كُنَّا نحن ضالين غاوين، فلماذا نترككم للهداية وللإيمان، لا بُدَّ أنْ تشربوا معنا من نفس الكأس، وهذا منطق أستاذهم إبليس، فلما عصى وطُرِد من رحمة الله أقسم أنْ يُضِلَّ معه ذرية آدم، ليكونوا مثله في الضلال.
آية رقم ٣٣
ﮇﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
ثم يُنهي الحق سبحانه هذه المواجهة بين أهل الباطل، ويقرر هذه الحقيقة فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ وهذه سُنَّتنا في أهل الضلال.
آية رقم ٣٤
ﮍﮎﮏﮐ
ﮑ
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ والمجرم هو الذي يُكذِّب بقضية الإيمان الأولى، وهي التوحيد؛ لذلك يصفهم الحق سبحانه في الآية بعدها: إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ....
آية رقم ٣٦
ﮝﮞﮟﮠﮡﮢ
ﮣ
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا يعني: منصرفون عن عبادتها لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ أي: من أجله، ومن أجل دعوته.
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق...
وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا آلِهَتِنَا وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟
نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.
ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!
الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق...
آية رقم ٣٨
ﮪﮫﮬﮭ
ﮮ
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٩].
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٩].
آية رقم ٣٩
ﮯﮰﮱﯓﯔﯕ
ﯖ
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ [الصافات: ٣٨] وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
في الآيات السابقة قال سبحانه حكايةً عن الظالمين قوْلَ المتبوعين لأتباعهم:
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ [الصافات: ٣١] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يُصرِّح هنا بنوع الإذاقة لَذَآئِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ [الصافات: ٣٨] وهذا العذاب الأليم ليس ظلماً ولا تعدياً، إنما جزاء ما قدَّمتم: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
آية رقم ٤١
ﯜﯝﯞﯟ
ﯠ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة -كما قلنا- مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به...
إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة -كما قلنا- مع المسبِّب سبحانه.
وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به...
آية رقم ٤٢
ﯡﯢﯣ
ﯤ
وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ [الصافات: ٤٢] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥].
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ... لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.
ومعنى وَهُم مُّكْرَمُونَ... لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.
آية رقم ٤٦
ﯳﯴﯵ
ﯶ
ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ولم يقُلْ لذيذة.
إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها،
لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ولم يقُلْ لذيذة.
إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.
ووصف الخمر في الآخرة بأنها لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.
لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.
أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها،
آية رقم ٤٧
ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله لاَ فِيهَا غَوْلٌ أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.
ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.
أو: يكون المعنى وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.
آية رقم ٤٨
ﯿﰀﰁﰂ
ﰃ
هذا وَصْف لنساء الجنة فهُنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ.. يعني: تغضّ بصرها، فلا تنظر إلى غير زوجها...
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة...
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده.
فالحق سبحانه يحفظ حُسْن المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتيَ النسْلُ شريفاً طاهراً، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن الحق سبحانه يُطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة...
ومعنى (عندهم) يعني: في حَوْزتهم؛ لأنها من مَتَاع الجنة، فمَنِ اشتهى منهن شيئاً وجده.
آية رقم ٦١
ﮇﮈﮉﮊ
ﮋ
ولا شك أن هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة لِيُبيِّن لنا أثر الإيمان وعاقبةَ العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكلُّ عملٍ يُؤدِّي إلى هذه العاقبة سَهْل هَيِّن، مهما تحمَّلْنا فيه من مشَاقَّ ومتاعب، وهو مكسب لا خسارةَ فيه.
آية رقم ٦٤
ﮘﮙﮚﮛﮜﮝ
ﮞ
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ الْجَحِيمِ أي: في وسطها.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نُمو شجرة في وسط النار؛ لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خُذْها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخَلْق.
آية رقم ٦٦
ﮤﮥﮦﮧﮨﮩ
ﮪ
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
معنى: ستضطرهم الضرورة وتُلْجئهم لهذا المثل المكدِّر المنكِّد لهم، حيث لا طعامَ لهم غيرها فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ولن يأكلوا على قَدْر الضرورة، بل فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ وعندما يملأون منها بطونهم تَزْداد النارُ فيها، فيريدون شراباً يُطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله.
آية رقم ٧٠
ﯟﯠﯡﯢ
ﯣ
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يعني: يتبعون طريقهم ويُقلِّدونهم، ومعنى يُهْرَعُونَ أي: يُزعجون ويسرعون كأن شيئاً يحملهم على الإسراع؛ لأن هذا الفعل (يُهْرَعُونَ) مبني للمجهول. أى: لِمَا لم يُسَمَّ فاعله كما نقول: زُكم فلان، فالفاعل غير معروف.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولا ستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لَقَال يَهرعون بالفتح، إنما يُهرعون كأن شيئاً يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليفَ للنفس فيه ولا حجزَ للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويُسرع في طلبه.
أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يُضيِّق عليه مجال الشهوات، ويُقيِّد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يُقلِّدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قَيْد التكاليف الشرعية.
لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويردُّ عليهم: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلَّدهم مَنْ بعدهم وهكذا، ولا ستمرَّ منهج الله، إنما حَكَمتكم الشهواتُ، وسيطرتْ عليكم الرغباتُ، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يَعِي هذا الضلال، ويأنف أنْ يتبعه، ويبحث عن هدى؟.
آية رقم ٧٢
ﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
يعني: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى:
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
وقلنا: إن في ذات النفس البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزَّلل، حتى لو كان منفرداً عن الناس، فإنْ ضعُفَتْ عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه النفس اللوَّامة الأوَّابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإنْ ألفَ المعصية وضعُفَتْ عنده النفس اللوَّامة، ولم يَعُد له رادع من ذات نفسه رَدَعَه المجتمعُ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم بين أفراده قوله تعالى:
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وفَرْق بين: وصُّوا وتواصَوْا، تواصَوْا يعني: يُوصِي بعضكم بعضاً، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع؛ لأن المجتمعَ حتى المؤمن المتدين يتفاوتُ الناسُ فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بُدَّ أنْ يُوجَد في المجتمع مَنْ يضعُف فيشذّ، أو تصيبه غفلة، فيجد مَنْ يُردعه، ويجد مَنْ يُذكِّره حتى يعودَ إلى الجادة.
فإذا فُقِد الرادع من المجتمع، وعَمَّ الفساد المجتمع قلنا: تدخلتْ السماء برسول جديد ومنهج جديد.
نحن نعرف أن الرسول يأتي بشيراً ونذيراً. لكن الحق سبحانه هنا خَصَّ الإنذار وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ لماذا؟ قالوا: لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه المسألة: لو أن شخصاً يرمي لك تفاحة مثلاً، وآخر يرميك بحجر لا شكَّ أنك ستدفع الحجرَ عن نفسك أولاً.
آية رقم ٧٩
ﭛﭜﭝﭞﭟ
ﭠ
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ.
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ أي: اعْطِه السلامة والسلام.
فالناس جميعاً عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي تحمَّل في سبيل دعوته المشاقّ، ومكث في دعوة قومه هذا العمرَ الطويلَ، الذي خالف أعمار الناس أن يُسلِّموا عليه، وينبغي حين نسمع ذِكْره أنْ نُسلِّم عليه، فنقول: عليه السلام سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ أي: اعْطِه السلامة والسلام.
آية رقم ٨٢
ﭫﭬﭭ
ﭮ
وقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ يعني: الكافرين. وكلمة (الأخِرِين) إهمالٌ لهم، واحتقارٌ لشأنهم.
آية رقم ٨٤
ﭵﭶﭷﭸﭹ
ﭺ
يقول سبحانه: إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هذه هي العلة؛ لأن سلامة القلب هي الأساسُ في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناسَ عليها ابتداءً مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإن طرأ على هذه الفطرة فسادٌ فمن الإنسان.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أن يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو القلب الذي فطر عليه أولاً ظل كما هو لم يتغيَّر، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر به في الآخرة: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها باستصحاب منهج الله، فسَلِم في الدنيا، فلقىَ اللهَ بقلْبٍ سليم في الآخرة، وهكذا وصف اللهُ نبيَّه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف.
وتأمل كلمة إِذْ جَآءَ رَبَّهُ فهي تُوحي بأن سيدنا إبراهيم لم ينتظر إلى أن يأتي له رسولٌ يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء بفكره يبحث ويتأمل في ملكوتِ السماوات والأرض، إلى أنِ اهتدى إلى الله.
آية رقم ٨٥
ﭻﭼﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
وقوله سبحانه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ وهذه تُعَدُّ من سلامة القلب، لأنه أحبَّ شيئاً وسَعِد به، فأراد أنْ ينقله إلى غيره وأوَّلهم الأقارب، فهم أَوْلَى الناس بأنْ تُعدِّي لهم خيرك؛ لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ.
آية رقم ٨٦
ﮂﮃﮄﮅﮆ
ﮇ
والمعنى: أتريدون آلهة إفكاً وكذباً دون الله.
آية رقم ٨٧
ﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رَبُّ العالمين...
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق...
فكأن الحق سبحانه يتعجَّب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بُطلان شركهم، والشيء لا يُتعجَّب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أنْ يكونَ عليه من الصِّدْق...
آية رقم ٩٩
ﯨﯩﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
لَمَّا لم يجد إبراهيم -عليه السلام- فائدة من دعوته لقومه، قال: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ، والمعنى ذاهب لنصرة دينه وإلا فربُّه موجود معه، وفي كل مكان، أو مهاجر إلى ربي. أي: إلى مكان آخر، حيث أجد مَنْ يسمعني ويستجيب لدعوتي، وما دُمْتُ ذاهباً إلى ربي سَيَهْدِينِ أي: يهديني المقام الطيب المناسب لدعوتي.
آية رقم ١٠٠
ﯯﯰﯱﯲﯳ
ﯴ
ثم يدعو إبراهيمُ ربَّه رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] أي: هَبْ لي ذريةً صالحةً مؤمنة، ونبيُّ الله حين يتمنى الذرية لا يتمناها لتكون ذِكْرى أو عزوة أو امتداداً ينتقل إليه الميراث، فالأنبياء يريدون الولد ليَحمل رسالتهم، وليكون نموذجاً إيمانياً يرثه في دعوته؛ لذلك قال في قصة سيدنا زكريا: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٦].
فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي.
وقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق.
لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً..".
فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي.
وقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق.
لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً..".
آية رقم ١٠١
ﯵﯶﯷ
ﯸ
وقوله سبحانه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ البُشْرى بالشيء تكون قبل وجوده، فوصفه الله بأنه سيكون حليماً وهو ما يزال غلاماً. يعني: سيجمع الوصفين معاً؛ لأن الحِلْم عادة ما يتكوَّن لدى الرجل الواعي الذي يستطيع تقدير الأمور، فالميزة هنا أن يتصفَ الغلامُ بالحِلْم في صغَره.
وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه:
يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه، قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.
وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه:
يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه، قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.
آية رقم ١٠٢
هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السَّعْيَ مع أبيه، فقال سبحانه بعدها: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ذلك لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلَّم، وهو الذي يحكي.
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان -عليه السلام- والهدهد، قال تعالى:
اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول:
قَالَتْ يٰأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَانظُرْ يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: برك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ، فقوله افْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي: على هذا البلاء
ومن البلاغة أنْ نترك ما يُعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا سليمان -عليه السلام- والهدهد، قال تعالى:
اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨]، ثم يختصر السياق كثيراً من الأحداث، ويقول:
قَالَتْ يٰأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى الملكة.
كذلك هنا: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ فبلوغه السَّعْي دلَّ على أن البشارة تحققتْ، ووُلِد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفَرْق بين (بلغ السعي) عموماً، وبلغ مع أبيه السعي؛ لأن الغلام لا يُكلَّف بالعمل إلا على قَدْر طاقته في الحركة، وعلى قَدْر عافيته وتحمُّله، وإسماعيل في هذا الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب؛ لأنه لن يُكلِّفه أبوه الحنون إلا بما يقدر عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلامُ ما يقدر عليه، ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلَّفه بما لا يستطيع.
فلما بلغ الغلامُ هذا المبلغَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والمعنى: أرى في المنام انه مطلوب مني أنْ أذبحَكَ، لا أنَّ الذبح تَمَّ في المنام، وانتهت المسألة بدليل رَدِّ إسماعيل قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
وتأمَّلَ هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ حَقٌّ.
وسيدنا إبراهيم ينادي ولده يٰبُنَيَّ هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قَدْر حاجة الولد؛ لذلك المرأة العربية لما سُئِلَتْ: أيّ بنيك أحبُّ إليكِ؟ فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر.
فقوله: يٰبُنَيَّ يعني: أنا لا أعاملك معاملةَ النِّدِّ، بل معاملة الصغير المحتاج إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية.
وقوله: فَانظُرْ يعني: فكِّر، وتدبَّر مَاذَا تَرَىٰ أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة مطلوب منه أمران: برك بأبيك، وبرُّك بربِّ أبيك قَالَ يٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ، فقوله افْعَلْ برّ بأبيه. وقوله مَا تُؤمَرُ برٌّ بربِّ أبيه.
ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغَره فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي: على هذا البلاء
آية رقم ١٠٣
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
فَلَمَّا أَسْلَمَا يعني: هما معاً استسلما لأمر الله، وأذعنَا لحكمه، وسلَّم كلٌّ منهما زمام حركته في الفعل لربِّه، فإبراهيم همَّ بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم -عليه السلام- ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم -عليه السلام- ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِيَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.
وكان بوُسْع إبراهيم أنْ يذبحه على غِرَّة، ودون أنْ يُعلِمه بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أنْ يُشرِكه معه في الأجر، وألاَّ يُوغِر صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون دَاعٍ.
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ظهر الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذي رُزِق به على
والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أنْ يذبحه أبوه بيده، لا بشخص آخر، ويذبحه بناءً على رؤيا لا أمر صريح؛ لذلك قلنا ابتلاء مركَّب، لأن وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠].
آية رقم ١٠٤
ﭖﭗﭘ
ﭙ
يعني: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم -عليه السلام- في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذي خضع وامتثل.
آية رقم ١١٠
ﭶﭷﭸ
ﭹ
وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل مُحسن، والمحسن هو الذي لا يقف عند حَدِّ الواجب المطلوب منه، إنما يتعدَّاه إلى الزيادة من جنس ما فُرِض عليه وكُلِّف به.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان...
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فمَنْ زاد على ذلك فهو من الإحسان...
والمحسن يستحق هذا الجزاء؛ لأن الذي يتقرَّب إلى الله بأكثر مما فَرَض الله عليه دليل على أنه عَشِق التكليف والمكلَّف، وعلم أن الله كلَّفه بأقلّ مما يستحق فزادَ.
آية رقم ١١٢
ﭿﮀﮁﮂﮃ
ﮄ
وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ
هذه العطاءات كلها نتيجة فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاءً مُركباً من مراحل ثلاث: فَقْد الولد الذي جاء على كِبَر، وأنْ يقتله بيده، ثم تاج هذه المراحل أنْ يُقتلَ ولده برؤيا منامية؛ لذلك جاءه الجزاء على قَدْر هذه العقبات في الابتلاء، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧].
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه... ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث..
هذه العطاءات كلها نتيجة فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاءً مُركباً من مراحل ثلاث: فَقْد الولد الذي جاء على كِبَر، وأنْ يقتله بيده، ثم تاج هذه المراحل أنْ يُقتلَ ولده برؤيا منامية؛ لذلك جاءه الجزاء على قَدْر هذه العقبات في الابتلاء، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧].
والفداء فِدَاء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده الله فأعطاه إسحاق وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهو أيضاً نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] ويعقوب أيضاً نبي. إذن: كلُّ هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام لله تعالى والرضا بحكمه... ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣].
فلما تكلَّم الحق سبحانه عن الذرية، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر.
هكذا عرضتْ لنا هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرَّض لكل الأحداث..
آية رقم ١١٤
ﮑﮒﮓﮔﮕ
ﮖ
... منَّ الله على موسى وهارون مِنَّةَ عطاء، بأنْ جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنةَ نَصْر بأنْ نصرهما على فرعون وجنوده.
آية رقم ١١٦
ﮝﮞﮟﮠ
ﮡ
ثم يقول سبحانه وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَٰلِبِينَ [الصافات: ١١٦] نعم، وأيّ غَلَبة؟ لأن هناك فرقاً بين أنْ تغلبَ عدوك ويظل المغلوبُ حياً يُرزَق، وبين أنْ تغلبه غلبة تُبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى على فرعون وجنوده قضاءً مُبْرماً.
آية رقم ١١٧
ﮢﮣﮤ
ﮥ
ثم وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، والمراد بالكتاب التوراة.
آية رقم ١١٨
ﮦﮧﮨ
ﮩ
وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أي: المنهج القويم الموصِّل إلى الله من أقرب طريق.
آية رقم ١١٩
ﮪﮫﮬﮭ
ﮮ
يعني تركنا لهما الذكْر الحسن فيمَنْ يأتي مِنْ بعدهم، فكلُّ مَنْ يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما.
آية رقم ١٢٤
ﯤﯥﯦﯧﯨ
ﯩ
أَلاَ تَتَّقُونَ ألاَ للحثّ وللحضِّ على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟
آية رقم ١٢٥
ﯪﯫﯬﯭﯮ
ﯯ
... وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أنْ يعبدوا صنماً، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقُلْ: وتذرون الله، إنما وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ فذكر الوصف المشوِّق الدال على أحقيته تعالى في العبادة.
آية رقم ١٢٧
ﭑﭒﭓ
ﭔ
فَكَذَّبُوهُ كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بُدَّ أنْ يُكذبَ الرسل، يُكذّبهم أهلُ الفساد والمنتفعون من الفساد، يُكذِّبهم سَادَةُ القوم وكبراؤهم، لتظلَّ لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تُفلتون من أيدينا، لأن لكم مَعاداً ورجعة كما قال سبحانه:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
آية رقم ١٢٨
ﭕﭖﭗﭘ
ﭙ
إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته،
آية رقم ١٢٩
ﭚﭛﭜﭝ
ﭞ
... ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسانَ فَرْعُ الإيمان، يعني ما كان مُحسِناً إلا لأنه كان مؤمناً أولاً.
آية رقم ١٣٣
ﭮﭯﭰﭱ
ﭲ
كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية.
لَيْتَ هذه الغريزة كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية مع الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإن كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط -عليه السلام- فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها...
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط -عليه السلام- فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها...
لَيْتَ هذه الغريزة كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠].
قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية مع الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته.
فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ.. إلخ.
لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد.
لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإن كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟
وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل.
إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة.
لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة.
وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط -عليه السلام- فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها...
يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط -عليه السلام- فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة.
وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].
فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها...
آية رقم ١٣٧
ﮁﮂﮃﮄ
ﮅ
ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ أي: على آثارهم في سدوم مُّصْبِحِينَ في الصباح.
آية رقم ١٣٩
ﮋﮌﮍﮎ
ﮏ
أولاً: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس -عليه السلام- أنه مُرْسَل وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فلنأخذ هذه الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يُجرِّده من منزلته بعد ما حدث.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
إذن: حين تسمع قصته لا تَقُلْ أن هذا الفعل لا يليقُ برسول؛ لأنك لست أغيرَ على الله من الله.
آية رقم ١٤٢
ﮛﮜﮝﮞ
ﮟ
ثم يقول سبحانه فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يُلاَم عليه، واللوم نوع من العتاب، وفَرْق بين ما تُلاَم عليه وما تُعَاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يُعاتَبُ عليه من ربه -عز وجل- وكأن الله يقول له: لقد تسرعتَ حين تركتَ قومك وضِقْتَ بهم لأول إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أنْ تصبر، وأنْ تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضَرْب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالباً ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة...
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
ومعلوم أنك لا تعاتب إلا مَنْ تحرص عليه ليظل في صحبتك.
إذن: يشفع لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها إِذْ أَبَقَ يعني: كان عبداً لله تعالى، ثم فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] أي: لا نُضيِّق عليه، وهذا حُسْن ظن بالله، ثم وَهُوَ مُلِيمٌ فالله عاتبه ولامه مجرد لَوْمٍ، على أمر لا يصحُّ من نبي، والعتاب دليل المحبة.
آية رقم ١٤٣
ﮠﮡﮢﮣﮤ
ﮥ
التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى فكوْنه من المسبحين جعله موضعاً للَّوْم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، فلولا إيمانه وتسبيحه لَظَلَّ في بطن الحوت إلى يوم يُبْعَثُون.
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه
مسألة عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخلِّيه عنهم، لمجرد أنهم عاندوه وكذَّبوه يُذكِّرنا بسنة الله تعالى في رسُله، وهي النُّصْرة والتأييد إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أنْ ينصرهم من أول وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين:
أولاً: أنْ يستشريَ الفسادُ ويعُمَّ، حتى يضيق الناس به فيتطلَّعون إلى الحق وإلى الخير، ويَسعَوْنَ هم إليه.
ثانياً: ليُمحِّص اللهُ المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب الثبات والقدرة على تحمُّل مشاقِّ الدعوة فيما بعد. إذن: تأخُّر النّصْرة ليس خُذْلاناً للرسل، ولا تخلياً عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ويتخلَّى عنه
آية رقم ١٤٦
ﯔﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج...
والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس -عليه السلام- كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل.
إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس -عليه السلام- كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام.
آية رقم ١٤٧
ﯚﯛﯜﯝﯞﯟ
ﯠ
كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس...
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
وقوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله أَوْ يَزِيدُونَ ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد.
آية رقم ١٥٠
ﯬﯭﯮﯯﯰﯱ
ﯲ
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد...
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة.
ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩].
وقال في سورة الكهف: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات.
الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد...
أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها.
آية رقم ١٥١
ﯳﯴﯵﯶﯷ
ﯸ
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: وَلَدَ اللَّهُ.
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤].
وردَّ على قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] فقال: مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
آية رقم ١٥٤
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
وهذا الاستفهام للتعجُّب والإنكار؛ لأن الحق سبحانه هو خالق البنين والبنات، فكيف يصطفي لنفسه سبحانه الجنسَ الأدنى، وهو خالق الجنسين؟
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ....
إذن: هذا كلام لا يُقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة واضحة؛ لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجُّب من قولهم، فيقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخباراً، والإقرار سيد الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل.
هذا دليل عقلي يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعلَّ عندهم كتاباً يدرسون في هذه المسألة:
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ....
آية رقم ١٥٦
ﭙﭚﭛﭜ
ﭝ
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
بعد أنْ أبطلَ اللهُ ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، فكلمة سُلْطَانٌ إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعاً، أما سلطان القهر فيجبره فيفعل كارهاً. والمعنى: ليس لديك سلطان حُجَّة ولا قَهْر.
بعد أنْ أبطلَ اللهُ ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، فكلمة سُلْطَانٌ إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعاً، أما سلطان القهر فيجبره فيفعل كارهاً. والمعنى: ليس لديك سلطان حُجَّة ولا قَهْر.
آية رقم ١٦٢
ﭾﭿﮀﮁ
ﮂ
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ يعني: أنتم وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خَلْقي عليَّ. يعني: لا تُفْسِدوا الخَلْق على الله تعالى، يُقَالُ: فتن فلان على فلان زوجته. يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أنْ تفسدوا بيني وبين ملائكتي.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟..
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
وكيف والملائكة أنفسهم ما خُلقوا إلا لعبادتي وحبي يُسَبِّحُونَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟..
إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم؛ لأنهم أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرُّب إليه.
آية رقم ١٦٥
ﮐﮑﮒ
ﮓ
فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث:"إن الله لا ينظر إلى الصَّفِّ الأعوج" لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط.
وفي الحرب كذلك: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤]..
وفي الحرب كذلك: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف: ٤]..
آية رقم ١٦٨
ﮜﮝﮞﮟﮠﮡ
ﮢ
... عجيبٌ منهم أنْ يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد المرسلين جميعاً، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زماناً ومكاناً، وكانوا جميعاً قبل رسول الله مُكلَّفين بنقل حكم الله إلى الخَلْق، أمَّا رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فُوِّض من الله أنْ يُشرِّع للخلق؛ لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
آية رقم ١٧٠
ﮨﮩﮪﮫﮬ
ﮭ
وقوله: فَكَفَرُواْ بِهِ يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر...
فقوله تعالى فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل يَعْلَمُونَ مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر...
آية رقم ١٧١
ﮮﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
معنى سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا يعني: قلناها قبل الكون كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقتْ كلمتنا ووقعتْ وحقَّتْ، سبقتْ أي: لتحديدها قبل الحدوث، ووقعتْ ساعة الحدوث، وحقَّت أي: هي حَقٌّ أنْ أقضي بقدرتي، وحَقٌّ أنْ تقع على مَنْ أريد. إذن: فهي مَعَانٍ ملتقية معاً ومتكاملة.
آية رقم ١٧٢
ﯕﯖﯗ
ﯘ
فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ.
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى -عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ أي: الرسل.
هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.
فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.
وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.
أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى -عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
هذه هي الثقة في كلمة إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ أي: الرسل.
آية رقم ١٧٤
ﯞﯟﯠﯡ
ﯢ
قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة.
أي: اتركهم الآن في باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نُصْرة دينه من أوله لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أنْ يستشري الباطل، وأنْ يعلو حتى يعضّ الناس فيكرهونه ويضيقون به.
وأيضاً ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ويَقْوَى عودهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة.
آية رقم ١٧٨
ﯱﯲﯳﯴ
ﯵ
قوله تعالى في الآية السابقة: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يُراد به حين الدنيا، كذلك وَأَبْصِرْهُمْ أي: في الدنيا فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي: في الدنيا وهذا الحين هو الذي قال الله فيه: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [غافر: ٧٧] أي: من العقاب في الدنيا أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] في الآخرة.
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
أما الحين هنا وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ يراد به حين الآخرة، فليس تكراراً للحين الأول، كذلك وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ في الآخرة حين يُفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذَّبوا به، فيقولون ساعتها: رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: ١٢].
آية رقم ١٨٠
ﯺﯻﯼﯽﯾﯿ
ﰀ
يختم الحق سبحانه السورة بالسُّبحانية التي تُثبت التنزيه لله تعالى في ذات ليست كالذوات، وفي صفات ليست كالصفات، وفي أفعال ليست كالأفعال، فكل شيء له سبحانه ولخَلْقه فيه نسبة نأخذه في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
فالمعنى: سُبْحَانَ رَبِّكَ أي: تنزَّه ربك عن كل نقص وعن كل مُشابهة، فالخَلْق ذواتٌ، لكن ليست كذاته سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غِنىً ليس كغِنَاهُ، وحكمة ليست كحكمته.. إلخ.
ومعنى رَبِّ الْعِزَّةِ كلمة رب تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة منه، ولكي تعده لا بُدَّ أنْ تعرف أولاً الغاية التي وُجِد من أجلها، بعد ذلك لا بُدَّ أنْ تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه الغاية.
إذن: مَنْ يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولاً، وقبل أنْ يشرع فيها فهل مخترع التليفزيون مثلاً صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أنْ يُستعمل هذا الجهاز؟ لا بل حدَّد الهدف وحدَّد الغاية أولاً، كذلك غايتك أيها الإنسان لا يحددها لك إلا مَنْ خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، كذلك صيانة الخَلْق لا تكون إلا بمنهج الحق.
لذلك نقول: ما فسدت الدنيا إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدَّد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه منهج الحياة ونحَّى صانعه ومنهج صانعه جانباً، وقلنا: إن منهج الخالق للخَلْق مثل (الكتالوج) الذي به تُصَان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ويُشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم والليلة، ويجعل الصلوات فرضاً لازماً لا يسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، لذلك شُرِعَتْ صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه المرض صلَّى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه.
وسبق أنْ قلنا في هذه المسألة: إنك حين تريد مثلاً مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بُدَّ لك من موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي يُنهي المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه أنْ يحدد وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أنْ ينهيها متى أحبَّ، وأنْ يبدأها متى شاء، فإنْ أردتَ لقاء ربك فما عليك إلا أنْ تستعد له وتكبِّر: الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل.
وتصوَّر صنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو فساد؟ لذلك "كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر يُهْرَع إلى الصلاة، وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال "" نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها.
إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم الربوبية التي تربيك وتُعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تُربِّيك لماذا؟ تربيك للعزة رَبِّ الْعِزَّةِ والعزة أنْ تغلب ولا يغلبك أحدٌ أبداً، وقلنا -ولله تعالى المثل الأعلى- الولد الصغير حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما إنْ سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرُّض له، كذلك أنت أيها المسلم كُنْ دائماً في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن يجرؤ أحد عليك.
إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على عباده هي الغَلَبة التي لا تُقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك عزَّة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: ٢٠٦] فالعزة هنا كبر بلا رصيد ولا سند...
فالمعنى: سُبْحَانَ رَبِّكَ أي: تنزَّه ربك عن كل نقص وعن كل مُشابهة، فالخَلْق ذواتٌ، لكن ليست كذاته سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غِنىً ليس كغِنَاهُ، وحكمة ليست كحكمته.. إلخ.
ومعنى رَبِّ الْعِزَّةِ كلمة رب تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة منه، ولكي تعده لا بُدَّ أنْ تعرف أولاً الغاية التي وُجِد من أجلها، بعد ذلك لا بُدَّ أنْ تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه الغاية.
إذن: مَنْ يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولاً، وقبل أنْ يشرع فيها فهل مخترع التليفزيون مثلاً صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أنْ يُستعمل هذا الجهاز؟ لا بل حدَّد الهدف وحدَّد الغاية أولاً، كذلك غايتك أيها الإنسان لا يحددها لك إلا مَنْ خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، كذلك صيانة الخَلْق لا تكون إلا بمنهج الحق.
لذلك نقول: ما فسدت الدنيا إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدَّد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه منهج الحياة ونحَّى صانعه ومنهج صانعه جانباً، وقلنا: إن منهج الخالق للخَلْق مثل (الكتالوج) الذي به تُصَان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ويُشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة
أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم والليلة، ويجعل الصلوات فرضاً لازماً لا يسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، لذلك شُرِعَتْ صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه المرض صلَّى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه.
وسبق أنْ قلنا في هذه المسألة: إنك حين تريد مثلاً مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بُدَّ لك من موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي يُنهي المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه أنْ يحدد وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أنْ ينهيها متى أحبَّ، وأنْ يبدأها متى شاء، فإنْ أردتَ لقاء ربك فما عليك إلا أنْ تستعد له وتكبِّر: الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل.
وتصوَّر صنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو فساد؟ لذلك "كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر يُهْرَع إلى الصلاة، وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال "" نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها.
إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم الربوبية التي تربيك وتُعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تُربِّيك لماذا؟ تربيك للعزة رَبِّ الْعِزَّةِ والعزة أنْ تغلب ولا يغلبك أحدٌ أبداً، وقلنا -ولله تعالى المثل الأعلى- الولد الصغير حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما إنْ سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرُّض له، كذلك أنت أيها المسلم كُنْ دائماً في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن يجرؤ أحد عليك.
إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على عباده هي الغَلَبة التي لا تُقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك عزَّة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: ٢٠٦] فالعزة هنا كبر بلا رصيد ولا سند...
آية رقم ١٨١
ﰁﰂﰃ
ﰄ
وَسَلاَمٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ أي: جميعاً لأنهم وإنْ كلَّفونا في بعض الأحيان ما يشقُّ على النفس إلا أنهم أخذوا بأيدينا إلى بَرِّ الأمان والنجاة، فعليهم مِنّا السلام كلما ذكرناهم نصلي ونُسلِّم عليهم.
آية رقم ١٨٢
ﰅﰆﰇﰈ
ﰉ
وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الذي هدانا لاتباع المنهج بواسطة الرسل، وأعاننا على هذا الاتباع، والحمد لله على الجزاء الذي أعدَّه لنا من نعيمه وجناته في الآخرة، لذلك قال سبحانه: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠].
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
79 مقطع من التفسير