تفسير سورة سورة المرسلات

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (ت 1316 هـ)

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت

الطبعة

الأولى

المحقق

محمد أمين الصناوي

آية رقم ١
سورة المرسلات
مكية، خمسون آية ومائة وإحدى وثمانون كلمة، ثمانمائة وستة عشر حرفا قال ابن مسعود: نزلت والمراسلات عرفا على النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجن ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار منى، فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه وإن فاه رطب بها، إذ وثبت حية فوثبنا عليها لنقتلها، فذهبت، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «وقيتم شرها كما وقيت شركم»
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥).
وهذا إقسام من الله تعالى بطوائف من الملائكة أرسلهم بأوامره متتابعين، فهم عصفوا في طيرانهم عصف الرياح، ونشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، ففرقوا بين الحق والباطل، فألقوا ذكرا إلى الأنبياء ويقال: أقسم الله برياح عذاب أرسلها متتابعة كعرف الفرس، فعصفن، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بعض أجزائه عن بعض، فإن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع، وتهدم الجبال، وترفع الأمواج تمسّك بذكر الله، والتجأ إلى إعانة الله، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب، ويمكن حمل هذه الكلمات الخمس على القرآن، أي والآيات المرسلة على لسان جبريل إلى محمد، النازلة بكل عرف، أي خير، فعصفت سائر الملل، فقهرت سائر الأديان، وجعلتها باطلة، ونشرت تلك الآيات آثار الهداية في قلوب العالمين شرقا وغربا، ففرقت بين الحق والباطل. عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦)، وهذا إما بدل من «ذكرا»، أي فأقسم بالملائكة المنزلات وحيا أمرا أو نهيا. ويقال: وعدا أو وعيدا، وإما مفعول لأجله، أي إزالة أعذار المخلوقين وتخويفا لهم، إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) أي إن الذي توعدون به من مجيء يوم القيامة لكائن، ثم إنه تعالى ذكر علامات وقوع هذا اليوم فقال: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) أي محقت ذواتها وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) أي فتحت فكانت أبوابا، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) أي قلعت بسرعة من أماكنها،
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١).
وقرأ أبو عمرو بالواو على الأصل أي حصل لهم الوقت وهو إما وقت يحضرون فيه للشهادة على أممهم، وإما وقت يجتمعون فيه للفوز بالثواب، وإما وقت سؤال الرسل عما أجيبوا به،
آية رقم ٢١
وسؤال الأمم عما أجابوهم لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢). أي يقال: لأي يوم أخرت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل؟ وهذا القول المقدر إما جواب لإذا، وإما حال من مرفوع أقتت، أي مقولا فيهم، لأي يوم أخرت إليه أمور الرسل، وهو تعذيب الكفرة وتعظيم المؤمنين، وظهور ما كانت الرسل تذكر من أحوال الآخرة وأهوالها، وعلى هذا فجواب إذا مقدر وتقديره: فإذا طمست النجوم إلخ وقع ما توعدون أو بان الأمر، لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) بدل من «لأي»، وهو اليوم الذي يفصل فيه بني الخلائق ويجوز أن يؤخذ من هذا جواب «إذا»، أي وقع الفصل بين الخلائق، أو فحينئذ تقع المجازاة بالأعمال وتقوم القيامة، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) أي وما علمك يا أشرف الخلق بيوم الفصل وشدته، فالاستفهام الأول: للاستبعاد والإنكار. والاستفهام الثاني: للتعظيم والتهويل والمعنى: أنت الآن في الدنيا لا تعلم ما يوم الفصل أي لا تعلم عظمه وأهواله على سبيل التفصيل، وإن كنت تعلمها جمالا، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أي واد في جهنم من قيح ودم يوم إذ يفصل بين الخلائق للمكذبين بذلك اليوم وبكل ما أخبر الأنبياء عنه، و «ويل» مبتدأ سوغ الابتداء به كونه دعاء ونحوه، سلام عليكم وفائدة العدول إلى الرفع دلالة على دوام الهلاك للمدعو عليهم أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)، وهم جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد صلّى الله عليه وسلّم والوقف هنا كاف، ثم استأنف الله بقوله: ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) ممن كذبوا الحق من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بالإماتة بالتعذيب، وقد وقع ذلك في حق كفار قريش يوم بدر، واستعقبه اللعن في الدنيا والعقوبة الأخروية سرمدا، ويدل على هذا الاستئناف قراءة عبد الله، ثم
سنتبعهم بسين التنفيس، أما قراءة الأعمش والأعرج عن أبي عمرو، ثم نتبعهم بتسكين العين فهو تسكين للتخفيف لا للجزم، فهو مستأنف كالمرفوع لفظا، كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) أي مثل ذلك الفعل الشنيع نفعل بكل من أشرك بالله، فيما يستقبل إما بالسيف وإما بالهلاك فسنتنا جارية على ذلك، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا فالمصيبة العظمى معدة لهم يوم القيامة.
وقيل: هذا الويل لعذاب الدنيا، فالمعنى: شدة عذاب يوم إذ أهلكناهم للمكذبين بآيات الله وأنبيائه، أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) أي من نطفة قذرة منتنة.
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) أي في مكان حريز رحم المرأة، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) لله تعالى أي وقت الولادة، فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) أي قدرنا خلقه في رحم المرأة تقديرا فنعم المقدرون له نحن، فإن إيقاع الخلق على هذا التحديد نعمة من المحدد على المخلوق، أو فقدرنا على تصويره كيف شئنا، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الهيئات.
قرأ نافع والكسائي «فقدرنا» بتشديد الدال. والباقون بالتخفيف. وقال علي كرم الله وجهه: «ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف والتشديد واحد لأن العرب تقول: قدر وقدر عليه الموت». أي فقدرنا بالتخفيف يكون بمعنى قدرنا بالتشديد، ومنه
قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الهلال: «إذا
آية رقم ٣١
غم عليكم فاقدروا له»
. أي قدروا له السير في المنازل وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) بقدرتنا على البدء والإعادة بعد الموت، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦)، أي ألم نجعل الأرض موضعا يضم أحياء كثيرة على ظهره، وأمواتا غير محصورة في بطنه، فالأحياء يسكنون في منازلهم، والأموات يدفنون في قبورهم.
ونقل القفال عن ربيعة: أنه قال: دلت هذه الآية على وجوب قطع النباش، لأن الأرض كانت حرزا للميت. وَجَعَلْنا فِيها أي على ظهر الأرض رَواسِيَ، أي جبالا ثوابت لا تزول شامِخاتٍ أي عاليات وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧)، أي غاية في العذوبة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) بأمثال هذه النعم العظيمة وتقول لهم الزبانية بعد الفراغ من الحساب: انْطَلِقُوا يا معشر المكذبين إِلى ما كُنْتُمْ في الدنيا بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) من العذاب.
روي أن الشمس تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس، ولا كنان، فتلفحهم الشمس، وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله تعالى، فهناك يقولون: فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتقول: خزنة النار للمكذبين انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عقاب الله، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ أي إلى دخان جهنم. وقرأ يعقوب «انطلقوا» على لفظ الماضي، أي فانقادوا للأمر لأجل أنهم لا يستطيعون امتناعا منه، ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) أي فرق، وهي كون النار من فوقهم ومن تحث أرجلهم ومحيطة بهم
لا ظَلِيلٍ، أي لا يمنع حر الشمس، وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) أي ولا يدفع من لهب النار شيئا، أو ولا يبعد من العطش- كما قاله قطرب- إِنَّها أي النار تَرْمِي بِشَرَرٍ وهو ما يتطاير من النار كَالْقَصْرِ (٣٢) من البناء في عظمه كَأَنَّهُ جِمالَتٌ أي إبل صُفْرٌ (٣٣)، أي في الحركة واللون، فإن الشرار لما فيه من النار يكون أصفر، وهذا تنبيه على أن في كل واحد من تلك الشرارات أنواعا من البلاء والمحنة، فكأنه قيل:
تلك الشرارات كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء.
قرأ حمزة والكسائي وحفص «جمالة» بغير ألف بعد اللام. والباقون بالألف وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) بهذه الأمور، هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) فيه بحجة تنفعهم والسؤال قد انقضى قبل ذلك. وقرأ الأعمش بنصب «يوم»، أي هذا الذي قص عليكم واقع يوم ينطقون، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)، أي أنهم لم يؤذنوا في العذر، وهم لم يعتذروا أيضا لا لأجل عدم الإذن بل لأجل عدم العذر في نفسه وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) بهذا اليوم هذا، أي اليوم يَوْمُ الْفَصْلِ أي فصل حكومات جميع المكلفين جَمَعْناكُمْ يا معشر المكذبين من جميع هذه الأمة وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) من المكذبين، فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)، أي فإن كان لكم حيلة في دفع الحقوق عن أنفسكم فافعلوها وغالبوني، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) بالبعث
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ أي في ظلال شجرة، وَعُيُونٍ (٤١) أي ماء ظاهر جار.
— 593 —
وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين. والباقون بكسرها، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت، كما في أنواع فاكهة الدنيا، فيقول الله تعالى لهم: كُلُوا من الثمار وَاشْرَبُوا من الأنهار هَنِيئاً أي سائغا بلا داء ولا تعب بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) في الدنيا من الخيرات ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من النعم في مقابلة ثلاث شعب من النار، كأنه قيل: ظلال المكذبين ما كانت ظليلة، وما كانت مغنية عن اللهب والعطش، أما المتقون فظلالهم ظليلة حاجزة بينهم وبين اللهب، ومغنية لهم عن العطش ومعهم الفواكه التي يتمنونها في مقابلة شرار النار التي يخافها المكذبون، ولما قال تعالى للكفار: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ قال المؤمنين: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) أي إنا نجزي المحسنين في العقيدة مثل ذلك الجزاء وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين، كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا أي كلوا يا معشر المكذبين وعيشوا يسيرا في الدنيا، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) أي مشركون، مصيركم النار في الآخرة.
وقال أبو السعود: وهذا مقدر بقول هو حال من المكذبين، أي الويل ثابت لهم مقولا لهم ذلك تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع الفاني عن قريب على النعيم الخالد، وعلّل ذلك بإجرامهم دلالة على أن كل مجرم مآله هذا، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) بما يجب تصديقه. وهذا هو النوع التاسع من أنواع تخويف الكفار، وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)، أي وإذا قيل للمجرمين في الدنيا: اخضعوا لله بالتوحيدة، وأطيعوا، لا يقبلون ذلك. ويقال: نزلت هذه الآية في ثقيف حيث قالوا: لا نحني ظهورنا بالركوع والسجود.
ويقال: هذا في الآخرة وذلك لما يقول الكفار: والله ربنا ما كنا مشركين. قال الله تعالى لهم:
اسجدوا إن كنتم صادقين فيما تقولون، فلم يقدروا على السجود وبقيت أصلابهم كالصياصي.
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) بمن يرشدهم إلى المصالح الجامعة بين خيرات الدنيا والآخرة، وهذا هو النوع العاشر من أنواع تخويف الكفار، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) أي إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع وضوحها، فبأي كلام بعدها يؤمنون، لأن القرآن مصدّق للكتب القديمة، موافق لها في أصول الدين، فيلزم من تكذيبه تكذيب غيره من الكتب، لأن ما في غيره موجود فيه، فلا يمكن الإيمان بغيره مع تكذيبه.
— 594 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

3 مقطع من التفسير