تفسير سورة سورة المدثر

محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي

الناشر

دار القرآن الكريم، بيروت - لبنان

الطبعة

السابعة

عدد الأجزاء

3

نبذة عن الكتاب

- طبع على نفقة حسن عباس الشربتلي.



تنبيه:



===



للعلماء تنبيهات بخصوص المؤلف منها:



- التحذير من مختصرات محمد علي الصابوني في التفسير، ويليه تنبيهات مهمة لبعض العلماء - بكر بن عبد الله أبو زيد



http://www.waqfeya.com/book.php?bid=7405



- التحذير الجديد من مختصرات الصابوني في التفسير - محمد بن جميل زينو



http://www.waqfeya.com/book.php?bid=7406



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

- ١ - يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
- ٢ - قُمْ فَأَنذِرْ
- ٣ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
- ٤ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
- ٥ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
- ٦ - وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ
- ٧ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
- ٨ - فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
- ٩ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
- ١٠ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
روى البخاري، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، هَبَطْتُ فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عليَّ مَاءً بَارِدًا - قَالَ - فَدَثَّرُونِي وصبُّوا عليَّ مَاءً بَارِدًا، قَالَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ * وربك فكبِّر﴾ (رواه البخاري). وعن أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يحدِّث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إذْ سمعتُ صَوْتًا مِنَ السماء، فرفعت بصري قبَل السماء، فإذا الملك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي. زَمِّلُونِي. فزملوني، فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ - إِلَى - فَاهْجُرْ﴾، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ، «ثُمَّ حَمِيَ الوحي وتتابع» (أخرجه البخاري ومسلم). وهذا السياق يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا لقوله: «فإذا الملك الذي كان بِحِرَاءٍ،» وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اِقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خلق﴾، ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ ثُمَّ نزل الملك بعد هذا، كما قال الإمام أحمد، عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبَل السماء فإذا الملك الذي جاءني قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي. زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فكبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وتتابع" (أخرجه أحمد والشيخان). وروى الطبراني، عن ابن عباس قال: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا فلما أكلوا منه قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِسَاحِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِشَاعِرٍ، وَقَالَ بعضهم: بل ساحر يُؤْثَرْ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحزن وقنّع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: {يِا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *
— 567 —
قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فكبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فاهجر * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * ولربك فاصبر} وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ أَيْ شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ وأنذر الناس ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي عظّم ﴿وَثِيَابَكَ فطهِّر﴾ سئل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال: لَا تَلْبَسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
فَإَنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع.
وفي رواية عنه: فطهر من الذنوب، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ لَيْسَ ثيابه، وفي رواية عنه: أي عملك فأصلح، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ طَهِّرْهَا مِنَ المعاصي، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر.
وقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ قال ابن عباس: والرجز وهو الأصنام فاهجر (وهو قول مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد أن الرجز يراد به الأوثان)، وقال الضحّاك ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: أَيِ اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وقال الحسن البصري: لا تمتن بعملك على ربك تستكثره، واختاره ابن جرير، وقال مجاهد: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ: تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَضْعُفُ، وَقَالَ ابْنُ زيد: لاتمنن بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ القول الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عزَّ وجلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله عزَّ وجلَّ. وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عباس ومجاهد: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ، وفي الْحَدِيثِ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟» فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا» (أخرجه أحمد وابن أبي حاتم)، وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ شَدِيدٌ، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ (زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى)
— 568 —
قَاضِي الْبَصْرَةِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأَ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثم خرّ ميتاً رحمة الله تعالى.
— 569 —
- ١١ - ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
- ١٢ - وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً
- ١٣ - وَبَنِينَ شُهُوداً
- ١٤ - وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً
- ١٥ - ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
- ١٦ - كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا
- ١٧ - سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا
- ١٨ - إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
- ١٩ - فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
- ٢٠ - ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
- ٢١ - ثُمَّ نَظَرَ
- ٢٢ - ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
- ٢٣ - ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
- ٢٤ - فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ
- ٢٥ - إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ
- ٢٦ - سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
- ٢٧ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ
- ٢٨ - لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ
- ٢٩ - لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
- ٣٠ - عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ، الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ حَيْثُ قَالَ تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ أَيْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا ولد، ثم رزقه الله تعالى: ﴿مَالاً مَّمْدُوداً﴾
أَيْ وَاسِعًا كَثِيرًا، قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ أَرْضًا يستغلها، وقيل غير ذلك، وجعل له ﴿بنين شُهُوداً﴾ قال مجاهد: لايغيبون، أي حضوراً عنده لا يسافرون، وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ يَتَمَتَّعُ بِهِمْ وَيَتَمَلَّى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ، وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ، ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ أَيْ مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ أَيْ مُعَانِدًا وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ العلم. قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. روى ابن أبي حاتم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قَالَ: «هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ» (رواه ابن أبي حاتم والبزار وابن جرير)، وقال ابن عباس ﴿صَعُوداً﴾ صخرة في جهنم يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿صَعُوداً﴾: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ أَيْ مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فيه، واختاره ابن جرير، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ فَكَّرَ ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ تَرَوَّى ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ أَعَادَ النَّظْرَةَ وَالتَّرَوِّيَ ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ كَلَحَ زكره، ومنه قول توبة بن حمير:
وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ * وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حاجتي وبُسُورها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ صُرِفَ عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ هَذَا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: {إِنْ هَذَا
— 569 —
إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} أَيْ لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ (الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ لَعَنَهُ الله، قال ابن عباس: "دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ، وَلَا بِسَحْرٍ، وَلَا بِهَذْيٍ مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ من قريش ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبا الوليد لتصبو قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ، فَانْطَلَقَ حتى دخل عليه بيته، فقال الوليد: أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: أَلَسْتُ أكثرهم مالاً وولداً؟ فقال أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ وَلَا عُمَرَ وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى قوله ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تذر﴾ (أخرجه العوفي عن ابن عباس) وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ ما بين عينيه وكلح، وروى ابن جرير عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا، قَالَ: لمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ محمداً تعرض لِمَا قِبَلَهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ، قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وما يعلى قال: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ، قال فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إِنْ هذا إِلاَّ سحر يؤثره عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ حتى بلغ ﴿تِسْعَةَ عشر﴾ (رواه ابن جرير). وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وُفُودُ الْعَرَبِ للحج ليصدونهم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سبيلا﴾، كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أَيْ تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وَعَصَبَهُمْ وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ.
وقوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ من الليل، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عظيم خلقهم، غليظ خُلُقهم، روى ابن أبي حاتم، عن البراء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ: إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ
— 570 —
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ ساعتئذٍ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ (رواه ابن أبي حاتم). وروى الحافظ البراز عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غُلِبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: «بِأَيِّ شَيْءٍ»؟ قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُودُ: هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُواْ: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لَا نَعْلَمُ، حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم؟ عليَّ بأعداء الله، لكنهم قد سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً"، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ، قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ كَمْ عدة خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «هَكَذَا» وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرْمَكُ» فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ» فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فقال: «الخبز من الدرمك» (رواه البزار وأحمد والترمذي).
— 571 —
- ٣١ - وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
- ٣٢ - كَلاَّ وَالْقَمَرِ
- ٣٣ - وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
- ٣٤ - وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ
- ٣٥ - إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ
- ٣٦ - نَذِيراً لِّلْبَشَرِ
- ٣٧ - لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ خُزَّانُهَا ﴿إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ أَيْ زَبَانِيَةً غِلَاظًا شِدَادًا، وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ منهم فتغلبونهم، فقال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ أَيْ شَدِيدِي الْخَلْقِ لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ، وَقَدْ قيل: إن (أبا الأشدين) قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ، وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ إِعْجَابًا مِنْهُ بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فبما يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ، ويجاذبه عشرة لينزعوه مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ، وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُصَارَعَتِهِ، وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا فَلَمْ يُؤْمِنْ (نَسَبَ ابْنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بن عبد يزيد، قال ابن كثير وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أَيْ إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ اخْتِبَارًا مِنَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ، فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ أَيْ إِلَى إِيمَانِهِمْ بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ﴿وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أَيْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾؟
— 571 —
أَيْ يَقُولُونَ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا ههنا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أَيْ مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لئلا يتوهم أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: «فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ ما عليهم» (أخرجه في الصحيحين).
وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تعضد (أخرجه أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غريب)، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ، إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا» (أخرجه الحافظ الطبراني). وعن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ
مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جبهة ملك أو قدماه قائم، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ (أخرجه مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ). وروى محمد بن نصر، عن عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً ترعد فرائضهم مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رؤوسهم نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ قَالُواْ: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (أخرجه محمد بن نصر، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ أَيِ النَّارُ الَّتِي وُصِفَتْ ﴿إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ وَلَّى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾ أَيْ أَشْرَقَ ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ الْعَظَائِمِ يَعْنِي النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عباس ومجاهد، ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ ويردها.
— 572 —
- ٣٨ - كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
- ٣٩ - إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ
- ٤٠ - فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ
- ٤١ - عَنِ الْمُجْرِمِينَ
- ٤٢ - مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
- ٤٣ - قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
- ٤٤ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
- ٤٥ - وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ
- ٤٦ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
- ٤٧ - حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ
- ٤٨ - فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ
- ٤٩ - فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
- ٥٠ - كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ
- ٥١ - فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ
- ٥٢ - بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً
- ٥٣ - كَلاَّ بَل لاَّ يخافون
— 572 —
الْآخِرَةَ
- ٥٤ - كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
- ٥٥ - فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ
- ٥٦ - وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ معتقلة بعملها يوم القيامة ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ، وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ مَا عندنا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يعني الموت كقوله تعالى: ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا هُوَ - يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ - فَقَدْ جاءه اليقين مِن رَّبِّهِ» قال تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ مَنْ كان متصفاً بمثل هذه الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شافع فيه، لأن الشفاعة إنما تنجح إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا، فَأَمَّا مَنْ وَافَى الله كافراً، فإن لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ، حُمُرٌ مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا من أسد (قاله أبو هريرة وابن عباس وزيد بن أسلم، وهو قول الجمهور) وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ أَيْ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ من هؤلاء المشركين أَن يُنَزَّلَ عليه كتاب كما أنزل اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ مجاهد وغيره كقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى يؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رسل الله﴾، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ لاَّ يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أَيْ إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ حَقًّا أَنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخَافَ مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. عن أنَس ابن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الْآيَةَ ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: «قَالَ رَبُّكُمْ أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ» (رواه التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الحباب).
— 573 —
- ٧٥ - سورة القيامة.
— 574 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

4 مقطع من التفسير