١٢- قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ اَلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اِللَّهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٧٣ ).
١٢- قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ : قال القرطبي :( اختلف إذا وقع في القدر حيوان، طائر أو غيره فمات فروى ابن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال : يعسل اللحم ويراق المرق. وقد سئل ابن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل ولا مخالف له في المرق من أصحابه ؛ ذكره ابن خويز منداد١... فأما [ إنفَِحة ]٢ الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ . وقال أبو حنيفة بطهارتهما ؛ ولم يجعل لموضع الخلقة أثراً في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة، قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا. وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل. وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها ؛ لان البيضة ليّنة في حكم المائع قبل خروجها، وإنما تجمد وتصلب بالهواء.
قال ابن خويز منداد فإن قيل : فقولكم٣ يؤدّي إلى خلاف الإجماع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوباً إليهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس مَيْتَة، ولم يعتدوا بأن يكون مجمداً بإنفحة ميتة أو ذُكي.
قيل له : قدر ما يقع من الانفحة في اللبن المجبن يسير، واليسير من النجاسة معفوّ عنه إذا خالط الكثير من المائع. هذا جواب على إحدى الروايتين. وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام، ولا يمكن لأحد٤ أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم بل الجبن ليس من طعام العرب ؛ فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم ؛ فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من إنفحة ذبائحهم ! )٥
- قوله تعالى : وَالدَّمَ :»قال ابن خويز منداد : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه. وإنما قلنا ذلك لان الله تعالى قال : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلمَيْتَةَ وَاَلدَّمَ ٦ وقال في موقع آخر : قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَّكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ٧ فحرم المسفوح من الدم. وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره، لان التحفظ من هذا إصْر وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ؛ ألا ترى أن المضطرب يأكل الميتة، وأن المريض يُفطر ويتيمم في نحو ذلك )٨.
١٤- قوله تعالى : وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ : قال القرطبي :( لاخلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به. وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير ؛ فقال ( لابأس بذلك )٩ ذكره ابن خويز منداد، قال : ولأن الخرازة على عهد رسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم كانت، وبعده موجودة ظاهرة، لا نعلم أن رسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده. وما أجازه الرسولصلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه )١٠.
١٥- قوله تعالى : فَمَنُ اضْطُرَّ :( روى أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سِماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرّة ومعه أهله وولده، فقال رجل، إن ناقة لي ضَلّت فإن وجدتها فأمسكها ؛ فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت امرأته : انحرها، فأبى فَنَفقت فقالت : اسلخها حتى نُقدد لحمها وشحمها ونأكله ؛ فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال : " هل عندك غنى يغنيك " فقال : لا، قال " فكلوها " قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر ؛ فقال : هلا كنت نحرتَها ! فقال استحييت منك١١. قال ابن خويز منداد في هذا الحديث دليلان :
أحدهما أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف، ألانه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه.
والثاني يأكل ويشبع ويدّخر ويتزود ؛ لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع.
قال أبو داود : وحدثنا هارون عن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأ عقبة بن وهب بن عقبة العامروي قال : سمعت أبي يحدث عن الفُجَيع العامري أنه أتى رسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا الميتة ؟ قال :( ما طعامكم ) قلنا : نغتبق ونصطبح قال أبو نعيم فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية قال :( ذاك وأبي الجوع ) قال : فأحل لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار١٢... قال ابن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا )١٣.
١٦- قوله تعالى : وَلاَ عَادٍ :( قال ابن خويز منداد : فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء، لان الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما، وليس كذلك الفطر والقصر، لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه، لأن هذه الرخصة تختص بالسفر، ولذلك قلنا : إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية ؛ لان التيمم في الحضر والسفر سواء، وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها وفي تركه الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة. أيجوز أن يقال له : ارتكبت معصية فارتكب أخرى ! أيجوز أن يقال لشارب الخمر : ازن وللزاني : اكفر ! أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ؟ )١٤.
٢ - في الجامع لأحكام القرآن "أنفحة" وهو تصحيف والصواب ما أثبته قال ابن منظور (الأزهري عن الليث: الإنفحة لا تكون إلا لذي كرش وهو شيء يستخرج من بطن ذيه، أصفر يُعْصَرُ في صوفة مبتلة في اللبن فيَغلظُ كالجُبْنِ... قال: ولا تقل : أنفحة) (اللسان/نفح)..
٣ - أي القول بطهارة إنفحة الميتة ولبن الميتة..
٤ - في الجامع لأحكام القران "أحد" وهو خطأ في النسخة المطبوعة ولعل الصواب ما أثبته..
٥ - الجامع لأحكام القرآن، ٢/٢٢٠ - ٢٢١..
٦ - المائدة: ٣..
٧ - الأنعام: ١٤٥..
٨ - الجامع لأحكام القرآن : ٢/٢٢١ - ٢٢٢ وإثره قال القرطبي معقبا (قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا، وقيّده في الأنعام بقوله "مسفوحا" وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا. فالدم هنا يراد به المسفوح، لان ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه)..
٩ - لم أقف عليه..
١٠ - الجامع لأحكام القرآن: ٢/٢٢٣..
١١ - أخرجه أبو داود في السنن، "كتاب الأطعمة"، باب في المضطر إلى الميتة حديث رقم: ٣٨١٦..
١٢ - أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة، حديث رقم: ٣٨١٧..
١٣ - الجامع لأحكام القرآن: ٢/٢٢٩ - ٢٣٠..
١٤ - الجامع لأحكام القرآن: ٢/٢٣٣ وقد أورده القرطبي بعد قوله: (قلت واختلفت الرواية عن مالك في ذلك فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقي: أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ويجوز له القصر والفطر. وقال ابن خويز منداد: فأما الأكل عند الاضطرار... ) وإثر كل ذلك قال القرطبي :(ذكر هذا كله في أحكام القرآن له، ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه)..
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد