ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

رغم لجاجتهم ومكابرتهم بمن ينعق بالبهائم التي لا تسمع إلا التصويت بها والزجر لها، فهو تشبيه صورة بصورة أو تشبيه متعدّد بمتعدّد، ويمكن اختصار الاوجه التي أوردها علماء البيان والنحو بما يلي:
أ- ان المثل مضروب لتشبيه الداعي والكافر بالناعق والمنعوق به.
ب- إن المثل مضروب لتشبيه الكافر في دعاء الرسول ﷺ له بالغنم المنعوق بها.
ج- ان المثل مضروب لتشبيه الكافر في دعائه الأصنام بالناعق على الغنم.
٢- الاستعارة التصريحية في تشبيه الكافرين بالصم البكم العمي وحذف المشبه وإبقاء المشبه به.
٣- الإيجاز في حذف مضاف تقديره: مثل داعي الذين كفروا، ولم يصرح بالداعي وهو الرسول تمشيا مع الأدب الرفيع في حسن التلطف بالخطاب، والتهذيب الذي يجب أن يتسم به الشعراء والكتّاب.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)

صفحة رقم 240

اللغة:
(الاهلال) : سبق القول إنه رفع الصوت عند مباشرة أمر من الأمور، وقد كان دينهم في جاهليتهم أن يرفعوا أصواتهم عند مباشرتهم هذه الأمور كالذبح وغيره فيقولون: باسم اللات والعزّى.
(باغٍ) : ظالم.
(عادٍ) : معتد على غيره.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها فجدّد به عهدا، وجملة النداء وما بعده مستأنفة تمهيدا للشروع في بيان أنواع من المحرمات بعد ما أمر سبحانه بأكل الطيبات (كُلُوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل (مِنْ طَيِّباتِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف ليذهب السامع في تقديره أيّ مذهب تصبو اليه نفسه ومعنى من الجارّة هنا التبعيض أي كلوا بعضها فما أكثر الطيبات المتاحة لنا (ما) اسم موصول في محل جر بالاضافة (رَزَقْناكُمْ) فعل وفاعل ومفعول به والجملة صلة الموصول (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) معطوف على كلوا، ولله جار ومجرور متعلقان باشكروا، وسيأتي بحث عنه في باب الفوائد (إِنْ) شرطية تجزم فعلين (كُنْتُمْ) فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها (إِيَّاهُ) ضمير منفصل مفعول

صفحة رقم 241

مقدم لتعبدون (تَعْبُدُونَ) الجملة الفعلية في محل نصب خبر كنتم وجملة جواب الشرط محذوفة دل عليها ما قبلها أي فاشكروا (إِنَّما) كافة ومكفوفة (حَرَّمَ) فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى (عَلَيْكُمُ) الجار والمجرور متعلقان بحرم (الْمَيْتَةَ) مفعول به (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) معطوفان على الميتة (وَما) الواو حرف عطف وما اسم موصول منصوب عطفا على ما تقدم (أُهِلَّ) فعل ماض مبني للمجهول (بِهِ) جار ومجرور قام مقام نائب الفاعل (لِغَيْرِ اللَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال والجملة صلة الموصول (فَمَنِ) الفاء الفصيحة أي إذا كانت هناك حالات اضطرار ألجأته الى أكل شيء مما حرم، والجملة بعدها لا محل لها لأنها جواب شرط مقدر غير جازم، ومن اسم شرط جازم مبتدأ (اضْطُرَّ) فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على المضطر (غَيْرَ) حال من «من» فكأنه قيل: اضطرّ لا باغيا ولا عاديا فهو له حلال (باغٍ) مضاف اليه وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين (وَلا عادٍ) عطف على غير باغ (فَلا) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية ولا نافية للجنس (إِثْمَ) اسمها المبني على الفتح (عَلَيْهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من على الأصح (إِنَّ اللَّهَ) إن واسمها (غَفُورٌ رَحِيمٌ) خبران لإن وجملة إن وما في حيزها لا محل لها لأنها تعليلية.
البلاغة:
١- اشتملت هاتان الآيتان على ايجازين جميلين بالحذف، وهما

صفحة رقم 242

حذف مفعول كلوا كما تقدم، وحذف جواب إن الشرطية أي فاشكروه وحذف جواب الشرط شائع في كلام العرب.
٢- التقديم في تقديم إياه لإفادة الاختصاص، لأنه سبحانه مختص بأن يعبدوه.
٣- الالتفات من ضمير المتكلم الى الغيبة، وسياق الكلام يقتضي أن يقول: واشكرونا، ولكنه التفت الى الغيبة لعظم الاهتمام به سبحانه. وفيه تلميح الى الحديث النبوي وهو: «يقول الله تعالى:
إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري»
. وقد درج علماء البلاغة على تعريف الالتفات بأنه إنما يستعمل في الكلام للتفنن والانتقال من أسلوب الى أسلوب تطرية لنشاط السامع، وهو تعريف جميل، لأن النفس تسأم الكلام الجاري على نسق رتيب. ولكن يرد على هذا التعريف أن التطرية لا تكون إلا بعد حدوث الملل، ولا ملل في تلاوة القرآن، فلا بد أن يكون هناك أمر وراء الانتقال من أسلوب الى أسلوب، بيد أن ذلك لا يمكن تحديده، لأن الفنّ جمال، وسر الجمال في عدم تحديده، لأنه بعيد المنال، وقد أريناك عند الكلام على الفاتحة أسرارا تكمن وراء السطور، وهنا عدل عن التكلم الى الغيبة كما تقدم، وليصرح باسم الله، وفي ذلك من حوافز الشكر ما فيه.
نموذج شعري:
وما دمنا في صدد أسرار الالتفات يحسن بنا أن نورد للقارىء مثالا شعريا لأبي تمام الطائي ليقيس طلابنا ومتأدبونا على منواله، قال يمدح أبا دلف العجليّ ويصف فيها ركبا يسيرون في المهامة البعيد

صفحة رقم 243

ليتخلص الى التنويه بجود الممدوح، ولا يفوتك ما فيها من تشخيص وتجسيد:

وركب يساقون الركاب زجاجة من السّير لم تقصد لها كفّ قاطب
ففد أكلوا منها الغوارب بالسّرى وصارت لهم أشباحهم كالغوارب
يصرّف مسراها جذيل مشارق إذا آبه هم عذيق مغارب
يرى بالكعاب الزّود طلعة ثائر وبالعرمس الوجناء غرةّ آئب
كأنّ بها ضغنا على كلّ جانب من الأرض أو شوقا الى كلّ جانب
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد تقطّع ما بيني وبين النوائب
فقال في الأول: يصرف مسراها، مخاطبة للغائب جريا على الأسلوب المتقدم في وصف الركب، ثم قال بعد ذلك: إذا العيس لاقت بي، فعدل الى خطاب نفسه لأنه لما صار الى مشافهة الممدوح

صفحة رقم 244

إعراب القرآن وبيانه

عرض الكتاب
المؤلف

محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش

الناشر دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية ، (دار اليمامة - دمشق - بيروت) ، ( دار ابن كثير - دمشق - بيروت)
سنة النشر 1412 - 1992
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية