مَا رَزَقْنَاكُمْ أي: كلوا رزقكم.
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمه.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
ثم بين المحرَّماتِ فقال:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣).
[١٧٣] إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وهي ما لم تُدْرَكْ ذكاتُها مما (١) يُذْبَحُ. قرأ أبو جعفرٍ: الْمَيْتَةَ بالتشديد في كلِّ القرآن (٢).
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ أي: واستثنى الشارعُ من الميتةِ السمكَ والجرادَ، ومن الدَّمِ الكبدَ والطِّحالَ، فأحلَّهما.
وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أي: جميعَ أجزائِه، فعبَّرَ عن ذلكَ باللحم؛ لأنه معظَمُهُ.
وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي: ذُكِر عليه اسمُ غيرِ الله، وهو ما ذُبِحَ للأصنامِ والطواغيتِ، وأصلُ الإهلالِ: رفعُ الصوتِ، وكانوا عندَ ذبحِهم لآلهتِهم يرفعون أصواتَهم بِذِكْرها.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٣/ ٣١٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ١٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٣٦).
فَمَنِ اضْطُرَّ أي: أُلْجِئ وأُحْوِجَ إلى أكلِ الميتة، وحَدُّ الاضطرارِ أن يخافَ على نفسِه، أو على بعضِ أعضائِه التلفَ، فليأكُلْ. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَمَنُ اضْطُرَّ) بضمِّ النون، وأبو جعفر: بكسر الطاء (١).
غَيْرَ نصبٌ [على] (٢) الحال.
بَاغٍ أي: خارجٍ على السلطان، وأصلُ البغيِ: الفسادُ.
وَلَا عَادٍ أي: عاصٍ بسفره، روي عن يعقوبَ الوقفُ بالياء على (بَاغِي) وَ (عَادِي) (٣)، وأصلُ العدوانِ: الظلمُ، فلا يجوزُ للعاصي بسفرِهِ أكلُ الميتةِ للضرورة، ولا الترخُّصُ برُخَصِ المسافرينَ عند الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في مقدارِ ما يحلُّ للمضطرِّ أكلُه من الميتة، فقال مالكٌ: يأكل حتى يشبعَ، وقالَ الثلاثةُ: يأكلُ مقدارَ ما يُمسِكُ رمقَهُ، وجوابُ (فَمَن):
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: لا حَرَجَ عليه في أكلِها.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن أكلَ في حالِ الاضطرار.
(٢) "على" لم ترد في جميع النسخ، والسياق يقتضيها.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٣١).
أنا قد أجمعنا على الكرة عليهم، فأخبروهم فقالوا:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فنزل:
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (١) أي: أجابوهما.
مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ أي: نالهم الجرحُ. وتقدم اختلافُ القرَّاء في فتح القاف وضمِّها.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا بطاعتِهم للهِ ورسوله.
مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا المعاصيَ.
أَجْرٌ عَظِيمٌ و (من) في لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ للتبيين، مثلها في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً [الفتح: ٢٩]؛ لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلُّهم واتقوا، لا بعضُهم.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣).
[١٧٣] الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ نُعيمٌ الأشجعيُّ، أو الرَّكْبُ:
إِنَّ النَّاسَ أبا سفيانَ وأصحابَه.
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ليستأصلوكم.
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ القولُ إِيمَانًا يقينًا وقوةً؛ بأن أخلصوا النيةَ، وعزموا على الجهاد.
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ كافِينا.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب