والدم أي المسفوح المهراق، الآية : أو دما مسفوحا ١. وهي خاصة، والآية هنا عامة، والخاص مقدم على العام.
ولحم الخنزير المراد به جميع أجزائه. وعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه والمقصود بالأكل.
وما أهل به لغير الله الإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ومنه : إهلال الصبي، والإهلال بالحج. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها – كاللات والعزى- ورفعوا بها أصواتهم، وسمي ذلك إهلالا. ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل، سمى أو لم يسم، جهر بالتسمية أولم يجهر. والمراد بما أهل به لغير الله : ما ذبح للأصنام ونحوها، ومنه ما يذبحه المجوسي للنار. ومنه عند الجمهور : ذبائح أهل الكتاب إذا ذكروا عليها اسم عزير أو عيسى عليهما السلام، لأنها مما أهل به لغير الله. وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقا، لعموم قوله تعالى في سورة المائدة وهي آخر السور نزولا : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ٢ أي ذبائحهم، وهو سبحانه يعلم ما يقولون. وروى الحسن عن علي رضي الله عنه : إذا ذكر الكتابي اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. ذكره الرازي والنيسابوري والآلوسي وغيرهم. وظاهر الآية يقتضي ألا يحرم من المعلومات سوى هذه الأربعة، لكنا نعلم أن في الشرع مطعومات أخرى محرمة كلحوم الحمر الأهلية، فتصير كلمة " إنما " متروكة الظاهر في العمل، كما قاله الرازي.
فمن اضطر أي فمن ألجئ بإكراه أوجوع مهلك – مع فقد الحلال – إلى أكل شيء من هذه المحرمات الأربع، التي كانوا في الجاهلية يستحلونها، أو التي اعتقد المؤمنون حرمتها ولوفي حالة الاضطرار فلا إثم عليه في أكلها. من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء. يقال : اضطره إليه أحوجه وألجأه فاضطر. مأخوذ من الاضرار، وهو حمل الإنسان على أمر يكرهه، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك. والآية استثناء لحالة الضرورة الملجئة.
غير باغ ولا عاد " غير باغ " في أكله، أي غير طالب للمحرم وهو يجد غيره. أو غير طالب له للذته، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر. من البغاء، وهو الطلب تقول : بغيته بغاء وبغي بغية وبغية، طلبته. " ولا عاد " فيه، أي متجاوز سد الجوعة.
اسم فاعل بمعنى متعد، تقول : عدا طوره، إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره، فهو عاد. ومنه : بل أنتم قوم عادون ٣ و " غير " منصوب على الحال من الضمير المستتر في " اضطر ".
فلا إثم عليه أي في أكله، فسقطت الحرمة للاضطرار. وقيل : سقط الإثم مع بقاء الحرمة للاضطرار. روى عن مسروق : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار. فجعل الأكل عزيمة لا رخصة.
٢ : آية ٥.
٣ : آية ١٦٦ الشعراء..
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف