إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد والباقون إنما شددوا البعض وسنذكرها إن شاء الله تعالى. فإن قيل كلمة إنما للحصر وكم من حرام يذكر ؟ قلنا : المختار عند الحنفية ما قال نحاة الكوفة : إن كلمة إنما ليست للقصر بل هي مركبة من إن للتحقيق وما الكافة، وعلى تقدير التسليم فالقصر إضافي بالنسبة إلى ما حرمه الله من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام نحوها والله أعلم. والميتة : حيوان مات من غير ذكاة وقد كان من شأنها الذكاة فالسمك والجراد غير داخلتين فيها أو هما خصتا منها بالحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال » أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه عن أبي واقد الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما قطع من بهيمة وهي حية فهو ميتة » وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الميتة ولا أكل ثمنه ولا الانتفاع بشحمه ولا بجلده قبل الدباغ، عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة :«إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال :«لا هو حرام » ثم قال عند ذلك :«قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه » متفق عليه. وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها » متفق عليه، وعن عبد الله بن حكيم قال : أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، رواه أحمد والشافعي وأصحاب السنن الأربعة، وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود. قبل موته بشهر وفي رواية أحمد بشهر أو شهرين قال الترمذي حسن صحيح، وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع، رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وزاد وأن يفترش. وعن معاوية بلفظ عن ركوب النمار، رواه أبو داود والنسائي. وعن المقدام بن معد يكرب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور ر، رواه أحمد والنسائي، وعن أبي هريرة مرفوعا :«لا تصحب الملائكة رقعة فيها جلد نمر » رواه أبو داود. واختلفوا في جلد الميتة بعد الدباغ ؟ فقال أبو حنيفة والشافعي رحمه الله : يطهر بالدباغ فيجوز بيعه والانتفاع به، وقال مالك وأحمد لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. لنا : أحاديث منها حديث منها حديث ابن عباس قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال :«ألا استمتعتم بجلدها، فقالوا : يا رسول الله إنها ميتة، قال :«إنما حرم أكلها أو ليس في الماء والقرظ ما يطهر » وفي بعض الروايات «ألا استمتعتم بجلدها » وفي بعضها «إنما حرم لحمها ورخص لكم في مسكها » قال الدارقطني أسانيده صحاح، وحديثه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«أي إهاب دبغ فقد طهر » رواه مسلم وعن ابن عمر مرفوعا مثله رواه الدارقطني بسند حسن، وعن سفيان مثله رواه مسلم، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم «طهروا كل أديم دباغه » وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن ينتفع بجلود أصحاب الميتة إذا دبغت، وعن سودة : ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها، رواه البخاري. واحتج أصحاب مالك وأحمد بما ذكرنا سابقا من الأحاديث أنه لا يجوز الانتفاع من الميتة بشيء، قالوا : هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ورد في حديث عبد الله بن حكيم أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر أو شهرين، قلنا : حديث عبد الله بن حكيم مضطرب سنده ومتنه فلا يصادم ما روينا من الصحاح فلا يكون ناسخا، على أن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ ونحن نقول بحرمة الانتفاع به. فإن قيل : ورد في حديث عبد الله بن حكيم عند الطبراني في الأوسط وابن عدي قال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في أرض جهينة «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب » قلنا هذا الطريق لا يصح فإن فيه فضالة بن مفضل، قال أبو حاتم الرازي : لم يكن بأهل أن يكتب منه أهل العلم. واختلفوا في شعر الميتة وعظمها وعصبها وقرنها وحافرها ؟ فقال أبو حنيفة طاهر يجوز بيعه والانتفاع به وقال الشافعي نجسن، وأحمد ومالك معنا في الشعر ومعه في العظم والعصب، وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم :«لا يتنفع من الميتة بشيء » واحتج الشافعي على نجاسة الشعر بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ادفنوا الأظفار والدم والشعر فإنه ميتة » والجواب أن الحديث الثاني فيه عبد الله بن عزيز قال أبو حاتم الرازي : أحاديثه منكرة وليس محله الصدق عندي، وقال علي بن الحسين بن الجنيد : لا يساوي فلسا يحدث كذب، وأما الحديث الأول فقد تكلم عليه ولو سلم عن التكلم فهو معارض بما تقدم من حديث ابن عباس بلفظ إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمها فأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به، لكن فيه عبد الجبار ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات، وعنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«ألا كل شيء من الميتة خلال إلا ما أكل منها فأما الجلد والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال » وفيه أبو بكر الهذلي متروك، قال غندر كذاب، وقال يحيى وعلي : ليس بشيء، وحديث ثوبان اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج، فيه حميد وسليمان مجهولان. ولنا من الآثار ما ذكره البخاري معلقا قال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره : أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسا، قلت : أسلاف الزهري هم الصحابة رضي الله عنهم أو كبار الصحابة، وقال حماد بن أبي سليمان : لا بأس بريش الميتة، وقال ابن سيرين وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج، والله أعلم والدم أراد به الجاري منه إجماعا كما في قوله تعالى : أو دما مسفوحا ولحم الخنزير أجمعوا على أن الخنزير نجس عينه لا يجوز بيع شيء من أجزائه حتى شعره، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه معظم ما يقصد من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له، ويدل على حرمة عينه قوله تعالى : فإنه رجس وسنذكر تفسيره في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. وهل يجوز الانتفاع بشعره ؟ قال أبو حنيفة ومالك يجوز الانتفاع به للخرز للضرورة، ومنع منه الشافعي وكرهه أحمد، ولو وقع في الماء القليل أفسده وعند محمد لا يفسد لأن إطلاق الانتفاع دليل طهارته ولأبي يوسف أن الإطلاق للضرورة ولا يظهر الضرورة إلا في حالة الاستعمال وحالة الوقوع يغايرها، كذا في الهداية، وقال الفقيه أبو الليث : لو لم يوجد إلا بالشراء جاز شراؤه، وقال ابن همام قد قيل أيضا إن الضرورة ليست ثابتة في الخرز به بل يمكن أن يقام بغيره وقد كان ابن سيرين لا يلبس خفا خرز بشعر الخنزير، قال ابن همام فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به وما أهل به لغير الله قال الربيع بن أنس : يعني ما ذكر عند ذبحه اسم غير الله، والإهلال أصله رؤية الهلال يقال أهل الهلال، ثم لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عند رؤية الهلال سمي رفع الصوت مطلقا الإهلال، وكان الكفار إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر مهل، وأما متروك التسمية فسنذكرها في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى فمن اضطر قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة بكسر النون ههنا ومن أن اعبدوا وإن احكم و لكن انظر و إن اغدوا وشبهه وكسر الدال من لقد استهزئ والتاء من وقالت اخرج والتنوين من فتيلا انظر و مبينا اقتلوا وشبهه إذا كان بعد الساكن الثاني ضمة لازمة وابتدأ همزة الوصل بالضم، ووافقهم ابن عامر في التنوين فقط وكذا قرأ عاصم وحمزة بكسر اللام والواو مثل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن وتابعهما يعقوب إلا في الواو، وقرأ الباقون بالضم في كلها بضمة أول الفعل، وقرأ أبو جعفر بكسر الطاء اتباعا لكسر النون. والمعنى أن من اضطر إلى أكل الميتة أو نحوه مما ذكر سواء كان الاضطرار لأجل المخمصة أو الإكراه أو غير ذلك حل له أكلها بالإجماع غير باغ حال أي أكل غير باغ للذة وشهوة ولا عاد أي متجاوز قدر الحاجة، فالحاصل أنه لا يجوز للمضطر الكل منه إلا قدر سد الرمق، وفي مذهب الشافعي يجوز له الشبع، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أحمد، والراجح من مذهب الشافعي أنه إن توقع حلالا قريبا لم يجز غير سد الرمق وأن للمنقطع أن يشبع ويزود، وقال بعض أصحاب الشافعي في تأويل الآية : غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق أو فساد في الأرض، قال البيضاوي وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد، وقال البغوي وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير، وقالوا : لا يجوز للعاصي بسفر أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا يأن يترخص برخص المسافرين حتى يتوب، قلت : والظاهر أن البغي والعدوان راجعان إلى الأكل، وقال مقاتل بن حبان : غير باغ أي مستحل لها ولا عاد أي مقصر في طلب ما أبيح له، فلا إثم عليه في أكلها إن الله غفور لما أكل في حالة الاضطرار رحيم حيث رخص للعباد في ذلك، وهذا يدل على أن المضطر إن لم يأكل الميتة ونحوها حتى مات فلا إثم عليه أيضا فإن الأكل عند الاضطرار مباح رخصة من الله تعالى وليس بواجب وهو أصح قول الشافعي، وقال أبو حنيفة : بل يأثم ويجب عليه حينئذ أكله لقوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه حيث استثنى ما اضطررتم إليه من المحرم فبقي على الأصل مباحا والمباح واجب أكله عند خوف الهلاك، وإنما سمي ذلك رخصة مجازا.
التفسير المظهري
المظهري