وبعد أن ذكر إباحة الطيبات، بين ما حرم من الأطعمة فقال : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ .
تفسير المفردات :
الإهلال رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون : باسم اللات. أو باسم العزى. ثم قيل لكل ذابح ( مهل ) وإن لم يجهر بالتسمية، والباغي الطالب للشيء الراغب فيه كما ورد في الحديث ( يا باغي الخير هلم ) والعادي المتجاوز قدر الضرورة كما جاء في التنزيل : ولا تعد عيناك عنهم أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم، والإثم الذنب والمعصية.
المعنى الجملي :
بعد أن بين سبحانه وتعالى حال الذين يتخذون الأنداد من دونه، ثم خاطب الناس جميعا بأن يأكلوا مما في الأرض من خيراتها بشرط أن يكون حلالا طيبا، ثم بين سوء حال الكافرين المقلدين الذين يقودهم الرؤساء كما يقود الراعي الغنم، لأنه لا استقلال لهم برأي ولا يهتدون بعقل.
هنا وجه الخطاب إلى المؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأحرى بالاهتداء، فطلب إليهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروا الله على ما أنعم به عليهم، ثم حصر محرمات المطاعم في أنواع معينة، ليعلموا أن التحريم لا يعدوها، وأن أكثر ما خلق الله من الأرزاق والأطعمة مباح لهم، فمن الحق أن يكون الشكران غدوا وعشيا على تلك المنن التي لا تحصى، والنعم التي لا تحصر ولا تعد
الإيضاح :
أي إنه تعالى حرم الميتة لما يتوقع من ضررها، لأنها إما أن تكون قد ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، ولأن الطباع تستقذرها.
وَالدَّمَ أي الدم المسفوح، لأنه قذر وضار كالميتة.
وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ لأنه ضار ولا سيما في البلاد الحارة كما دلت على ذلك التجربة.
وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ أي وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه لصنم وغيره مما يعبد من دون الله، لأنه من أعمال الوثنية، وفيه إشراك واعتماد على غير الله، وقد نص الفقهاء على أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم، ومثل ذلك ما يفعله العامة في القرى إذ يقولون عند الذبح : باسم الله الله أكبر، يا سيد يا بدوي، يريدون بذلك أن يتقبل منهم النذر ويقضي حاجة صاحبه.
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي فمن ألجئ إلى أكل شيء مما حرم الله، بأن لم يجد غيره وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه، ولم يكن راغبا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة فلا إثم عليه، لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعا أشد ضررا من أكل الميتة أو الدم، بل الضرر في ترك الأكل محقق وهو في فعله مظنون، كما أن من أكل ما أهل به لغير الله مضطرا، لم يقصد إجازة عمل الوثنية، ولا استحسانه.
وإنما ذكر قوله : غير باغ ولا عاد، لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا وكل إليهم تحديده، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهواته إلى ما وراء حد الضرورة.
إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ رخص لهم في تناولها ولم يوقعهم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها.
تفسير المراغي
المراغي