قوله - عز وجل -:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
الآية (١٧٢) - سورة البقرة.
إن قيل: ما فائدة إعادة هذا المعنى وقد تقدم آنفا؟ وما الفرق بين هذا الخطاب والخطاب الأول؟ قيل في ذلك لطيفة وإشارة عجيبة، وذلك أنه حيث خاطب الناس كافة قال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا، فأباح لهم ذلك، ونبه أنه لم يحظر عليهم إلا تناول المحرم، وعقبه بالنهي عن اتباع الشيطان، وجعل الخطاب في هذه الأيام مخصوصاً بالمؤمنين وأمرهم أن لا يتوسعوا في تناول
ما رزقوا، بل يتحروا من الطيب تحري الناس مما في الأرض، وأنه في الأول بالتحرر عن خطوات الشيطان، وهو الارتسام له فيما يتخطى به عن المباح، وأمر ههنا بالشكر لله تعالى الذي هو أرفع منزلة في العبادة على ما تقدم ذكره، ونبه بقوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن عبادته لا تتم إلا بشكره... قوله- عز وجل:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الآية (١٧٣) - سورة البقرة.
الإهلال: أصله وجود الهلال، ولما جرت العادة أن يكبروا عند رؤيته سمي التكبير إهلالاً، بل قيل لرفع الصوت أيضاً إهلال تشبيها بذلك حتى قيل: أهل الصبي، وأنا التهلل فظهور الهلال، فتارة يتصور لمعانه، فيقال: تهلل السحاب، وتهلل وجهه، وتارة يتصور شكله، فيقال: تهلل البعير إذا تقوس
إن قيل:
لم ذكر تعالي بعض المحرمات وترك بعضها؟
قيل: في ذلك جوابان، أحدهما: أن المسكوت عنه هو تفصيل الميتة، وقد ذكر ههنا الميتة المستوعبة لكل ما مات روحه عن غير ذكاة، والثاني: أنه لما كان القصد في هذه الآية حكم تناول المضطر دون استيعاب المحرمات،) ذكر الكل منها وترك البعض، والباغي في الأصل الطالب لما ليس له طلب والعادي: المتجاوز لا رسم له بالشرع، وقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: عنى بقوله: (غير باغ غير متناول للذة، ولا عاد في المعصية طريق المحقين، وإلى نحوه ذهب الشافعي- رحيمة الله عليه، والظاهر يشهد له، لأن قوله: (غير باغ ولا عاد) متعلق بحال الاضطرار، فكأنه قال: " من حصل له اضطرار " لا على أحد هذين الوجهين، وعلى الأول تقديره: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فيكون غير متعلق بمقدر محذوف، ومن أنكر ذلك وقال: إنكم تأمرونه بقتل نفسه إذا خطرتم ذلك عليه، وقتل نفسه محرم عليه عاصياً كانوا أو مطيعاً، فجوابه إنا لم نأمره بذلك، بل أمرناه بأن ييخرج عن الحالة التي تكون الميتة محرمة عليه، وذلك بأن يتوب [وينزع عما هو عليه] وإلا كان متناولاً لمحظور كما أن سفره محظور،
فإن قيل: أليس من سفره طاعة؟ إنما أجل له للإضطرار.
لا للطاعة، فإذن العلة لمدير الضرورة، فيجب أن تكون مطردة، قيل: بل العلة هي الضرورة مع حصول الطاعة، فقد قال الحكماء وهو الصحيح: إن الله تعالى جعل للإنسان طيبات الرزق وبشرط الإيمان، ولهذا قال: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، خالصة يوم أخذه فما أخذه الكفار من نعيم الدنيا، فإنما يأخذه اغتصاباً في الحقيقة، ولذلك قد تستقيم أحوالهم، والآية تقتضي أن المضطر مخير في تناول أيها يريد وهو
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار