البر
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ١٧٧ .
كان أمر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام أمر هذه النفوس المؤمنة، والنفوس المشركة والكتابية وأثار جدلا وحماسة، فالمؤمنون تقبلوها بقبول حسن، لأنها بناء إبراهيم، وهو الذي سماهم مسلمين، وهو الحرم الآمن الذي جعله الله تعالى للناس مثابة وأمنا، وهو مزار العرب إليه يحجون ويعتمرون من وقت أن بناه إبراهيم عليه السلام، وهو عزهم، وأما المشركون من العرب فقد ظنوا أن محمدا عاد أو سيعود إليهم وما علموا أن ذلك إيذان بذهاب دولة الأوثان، وإزالتها من حول الكعبة، وأما اليهود فقد أذهب أطماعهم في النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعلموا أنه هو النبي الأمي الذي بشر به في التوراة يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وقد صدفهم الله تعالى.
إن هذا الأمر الذي يشغلهم جميعا، إنه الأمر الأعظم، وهو مقصد الأديان كلها، وغاياتها، وهو الذي يهذب النفوس، والمجتمعات ويربيها ويقيمها على التعاون على البر والتقوى ويحميها ويدفع عنها وهو نسب الأديان كلها، ولذا قال تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب أي ليس هذا هو البر المقصود الجامع لكل معاني الخير، الذي حرص الدين عليه حرصا كاملا، بل هو إلى الشكل أقرب، أو هو الوسيلة وما يكون من الأمة هو الغاية العليا من كل دين جاء من الله تعالى لهداية البشر، وتوجيههم نحو الصلاح الإنساني آحاد وجماعات، صلاحا يمس نفوسهم ويملأ قلوبهم إيمانا، وليس في العبارة السامية ما يومئ إلى الاستهانة بأمر القبلة، بل إن فيها توجيها إلى الناحية التهذيبية والكمالية للإنسان في آحاده، وجماعته، ولذا قال تعالى مستدركا مثبتا : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة .
قال العلماء : إن "من آمن بالله" إن الكلام فيها على تقدير مضاف ومعناه، ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر.. وحذف المضاف إذا دل عليه المضاف إليه كثير في القرآن وهو إيجاز الحذف البليغ كقوله تعالى : واسأل القرية التي كنا فيها... ٨٢ [ يوسف ] أي أهل القرية، وكقوله تعالى : فليدع ناديه ١٧ [ العلق ] أي فليدع أهل ناديه.
وإن ذلك الإيجاز من دلائل الإعجاز، وإننا نرى أن حذف المضاف أو عدم تقديره يعلو بالكلام إلى أعلى درجات البيان، إن الكلام يكون دالا على البر بمفهوم الحال المكونة من الكلام كله، فيكون المعنى ليس البر المقصود من الديانات الإلهية أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر المقصود وهو الغاية من الديانات الإلهية هو الحال التي يكون عليها من آمن بالله واليوم الآخر.. وآتى المال على حبه ذوي القربى إلى آخر ما بينته الآيات، فهذه الحال المجتمعة من تلك الصفات، وهذه الأعمال المهذبة المربية لمجتمع فاضل هي البر، وعلى ذلك لا تحتاج إلى تقدير، والبر كما يقول المفسرون هو المعنى الجامع لكل ما فيه نفع للنفس وللناس، وإني أراه مرادفا في العرف الخلقي.
وقد ذكر الله تعالى صنوف البر كلها في هذه الآية الكريمة، وكانت بحق آية البر، لأنها جمعت أطرافه، ونواحيه كلها، وهي من أجمع الآيات للتكليفات الدينية.
وأول البر وسنامه وأصله الإيمان، وهو التصديق والإذعان، وأول من يجب الإيمان به الله، فالإيمان به هو لب الإيمان كله، وهو الخضوع والإذعان والعبادة له وحده لا شريك له، وامتلاء النفس بذكره، بحيث لا تذكر غيره في الغدو والآصال، وفي الصحو، وفي المنام، ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه وحده الخالق للوجود، والإيمان بأنه وحده الموصوف بصفات الكمال، والإيمان بأنه وحده المستحق للعبادة، فليس في الوجود من يستحق العبادة سواه.
والإيمان باليوم الآخر، ويشمل الإيمان بالبعث والنشور، والإيمان بيوم القيامة، وما يجري فيه من حساب وعقاب وثواب، وأن من أحسن فله النعيم المقيم، ورضوان من الله أكبر، وأن من خالف وغير وبدل فجزاؤه جهنم، وبئس المصير، وأن ذلك كله مادي حسي، وليس روحيا كما توهم بعض الكاتبين.
وكان الإيمان باليوم الآخر تاليا للإيمان بالله تعالى، لأنه تصديق لما أمر الله به، ولأنه سلوان المحسن العابد وإنذار للمشرك المكذب، والمعاند المستكبر الجاحد، وقد تبين له الحق.
ثم يلي الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة الأخيار الأطهار الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهو إيمان بالغيب الذي لا يرى ولا يحس، وأول شعار المؤمن الإيمان، وهو الفيصل بين المسلم والزنديق، فالزنديق أو الملحد في دين الله تعالى لا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا يصدق ما لا يرى ويحس، والمؤمن يعلم أن وراء المحسوس سرا خفيا، وقد أمرنا الله تعالى بالإيمان فحق علينا أن نؤمن بوجودهم، وهم مذكورون في كتابه الكريم، وفي الكتب التي صدقها، فالكفر بهم كفر بالله وبالقرآن، وذكر الله بعد ذلك الإيمان بالكتاب، وهو القرآن الكريم، والإيمان تصديق بكل ما جاء به ويدخل في ذلك الإيمان بالكتب السابقة، لأنه سجلها في قصصه، فهو سجل النبوة كله، فيه ذكر كتبها، وفيه بيان معجزات النبيين، فلولا قصصه الحكم الصادق ما عرف كتاب من كتب النبيين، ولا معجزة من معجزاتهم.
وذكر سبحانه وجوب الإيمان بالنبيين السابقين، لأن الإيمان الذي جاء به القرآن هو الإيمان الجامع بالنبوات الإلهية كلها، كما قال تعالى : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ١٣٦ [ البقرة ].
هذا هو الإيمان الذي أمر به الله تعالى، وكانت حال المتصف به والقائم بما يأتي من تكليف، وأعمال، هي البر المطلق من الإنسان في كل دين.
ولننتقل إلى بيان الأعمال التي هي بر في ذاتها، وحال القائم بها هي البر الخالص التي تأمر به كل الأديان التي جاءت من الله لا من أوهام البشر :
* في حال من آتى المال على حبه، ولقد قال تعالى فيه، وآتى المال على حبه أي أعطى المال على حبه له فالضمير يعود إلى المال، والمعنى على حبه للمال ورغبته في اقتنائه، ولكنه آثر العطاء وعلى هذا السبب وذلك كقوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ٨ [ الإنسان ]، وكقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون... ٩٢ [ آل عمران ].
ويفسر هذا ما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الصدقة أعظم أجرا، فقال صلى الله عليه وسلم :( أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان )١.
وقد فسر بعضهم بأن الضمير يعود على الإيتاء وهو المصدر المنسبك من آتى، والمعنى أعطى المال محبا للإعطاء راغبا فيه راضي النفس، طيبا بالعطاء، راغبا في رضاء الله به، وبذلك يجتمع له قربتان قربة العطاء في نفسه، وقربة الاتجاه إلى إرضاء ربه.
وهو في مؤداه لا يختلف عن التقدير الأول، وإن كان الأول يدل على مجاهدة النفس في العطاء بين ما يحبه ويشح به، بين إرضاء الله بالعطاء فيؤثر إرضاء الله تعالى متقربا إليه، فتكون قربة العطاء، وقربة المجاهدة حتى يكون مطيعا لله تعالى متقربا إليه، طالبا رضاه، وهو الغني الحميد.
وقد ذكرت الآية الكريمة من يخصهم بعطائه، أو من يؤثرهم بهذا العطاء، ويبدو من الذكر ومعناه ترتيبهم في العطاء وأن بعضهم يفضل في العطاء على بعض إن لم يتسع ماله لهم أجمعين.
( أ ) ذوو القربى، ولذا قال تعالى : وآتى المال على حبه ذوي القربى وهم قراباته، ويفضل الأقرب ويبدأ بالوالدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ردا على من سأله من أحق الناس بحسن صحبتي :( أمك ) كررها ثلاث مرات مع تكرار السؤال، ثم قال : ثم من ؟ قال :( أبوك، ثم الأقرب فالأقرب )٢، ولقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي :( إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة )٣، ولأن الإسلام أقام على دعامة الأسر المتحابة المتعاونة المتكاتفة، والأسرة مقصورة على الأبوين والأولاد، بل هي ممتدة إلى أن تشمل الأقارب، ولذا قال صلى الله عليه وسلم :( من أراد منكم أن يبارك له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه )٤، ولقد عد من ذوي القربى الزوج إذا كان فقيرا، فقد سألت امرأة عبد الله بن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم أيعد إعطاء زوجها صدقة ؟، فقال صلى الله عليه وسلم :( نعم )٥.
( ب ) والذين يلون أولي القربى في العطاء اليتامى، سواء أكانوا من ذوي القربى أم لم يكونوا، وإذا كانوا من ذوي القربى يكونون أولى من غيرهم من الأقارب إلا الأبوين.
واليتيم هو الذي مات أبوه، وهو صغير، ورعاية اليتيم مما حرض عليه الإسلام في عدة أحاديث، وأوصى القرآن بهذه الرعاية في عدة من آي القرآن، وأنه يجب ألا يذل ولا يقهر، ذلك لأن اليتيم إن أهمل كان عضوا هداما في المجتمع، إذ يخرج إلى الحياة ناقما عليها متمردا لا يألف ولا يؤلف، إذ إن تربية النزوع إلى الألفة تكون من الأبوين، ومن الشعور بالرحمة والحياطة والعناية وخصوصا من الأب الحاني الرفيق الحاني العطوف.
فإذا حرم من ذلك فقد يتربى على النفور وعداوة المجتمع إن لم يجد من يحل محله في إلفه ومودته وحياطته، ولذا نهى الإسلام عن قهر اليتيم، حتى لا يتربى فيه نزوع النفور، فقال تعالى : فأما اليتيم فلا تقهر ٩ [ الضحى ] وقال صلى الله عليه وسلم :( خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه اليتيم، وشر بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم )٦ وقال صلى الله عليه وسلم :( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى )٧.
وقال صلى الله عليه وسلم :( من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلي وعلي )٨ وهو اليتيم.
ج والمرتبة التي تلي اليتيم في العطاء، هو المسكين وهو من أسكنته الحاجة، وهذا يشمل الزمن أي المريض بمرض مع الفقر، وعدم القدرة على العمل، ويشمل أولئك الفقراء الذين لا يملكون شيئا، ويتعففون عن أن يسألوا الناس، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ( ليس المسكين هو الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه )٩ وهو الذي ينطبق عليه قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف... ٢٧٣ [ البقرة ].
د والذي يلي المساكين ابن السبيل وهو الذي انقطع عن ماله، وصار في مكان لا يجد فيه ما يمده بأسباب الحياة من طعام يطعمه، أو مال ينفقه أو مأوى يأوي إليه، ولذلك أطلق عليه ابن السبيل، لأنه انقطع إلا عن السبيل الذي يسير فيه، وإن إيتاء المال لهذا يكون بإعطائه ما يسعفه من قوت، وبإيوائه حتى ي
٢ عن بهز بن حكيم، حدثني أبي عن جدي، قال: "قلت: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب". [رواه الترمذي: كتاب البر والصلة ١٨١٩} وأبو داود: كتاب الأدب ٤٤٧٣ وأحمد: أول مسند البصريين ١٩١٧٥]..
٣ رواه الترمذي: كتاب الزكاة ٥٤١ والنسائي ٢٥٣٥ وابن ماجه ١٨٣٤ وأحمد في مسنده ١٥٦٤٤ عن سلمان بن عامر..
٤ عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه". متفق عليه من رواية البخاري: كتاب الأدب ٥٥٢٧ ومسلم: كتاب البر والصلة ٤٦٣٩..
٥ رواه بالمعنى وأصله في الصحيحين من رواية البخاري: كتاب الزكاة ١٣٦٩، ومسلم: كتاب الايمان ١١٤ عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى –أو فطر- الى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: "أيها الناس تصدقوا فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء". ثم انصرف فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال أي الزيانب ؟ فقيل : امرأة ابن مسعود. قال نعم ائذنوا لها فأذن لها. قالت : يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم"..
٦ سبق تخريجه..
٧ أخرجه البخاري: كتاب الأدب ٥٥٤٦. وقال بإصبعيه: أي أشار بهما يقرن بينهما، كما صرحت به رواية أحمد ومالك وغيرهما..
٨ متفق عليه أخرجه البخاري: كتاب الفرائض –ميراث الأسير ٦٢٦٦: ومسلم: كتاب الفرائض: باب من ترك مالا فلورثته ٣٠٤٣ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك مالا فلورتثه ومن ترك كلا فإلينا". والكل: العاجز الفقير الذي يحتاج من يعوله ويدخل فيه اليتيم الذي هذه صفته. وجاء في سنن أبي داود: كتاب الخراج –أرزاق الذرية ٢٥٦٥ عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي". والضياع الأبناء والذرية الذين لا يجدون من يعولهم..
٩ روى مسلم: كتاب الزكاة: ١٧٢٢ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا". وبنحوه النسائي ٢٥٢٥. ورواه أحمد عن أبي هريرة في مسنده ٩٤٢٢..
زهرة التفاسير
أبو زهرة