ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

)لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ( البقرة : ١٧٧ )
التفسير :
قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب : في هذه الآية قراءتان : ليس البِرَّ بفتح الراء ؛ و ليس البِرُّ بضم الراء ؛ فأما على قراءة الرفع فإن البرُّ تكون اسم ليس ، و أن تولوا خبرها ؛ وأما على قراءة النصب فتكون البرَّ خبر ليس ، و أن تولوا اسمها مؤخراً ؛ يعني تقدير الكلام على الأول : ليس البرُّ توليتَكم وجوهكم ؛ والتقدير على الثاني : ليس البرَّ توليتُكم بالرفع.
و «البر » في الأصل الخير الكثير ؛ ومنه سمي «البَرّ » لسعته، واتساعه ؛ ومنه «البَرّ » اسم من أسماء الله، كما قال تعالى : إنّا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم [ الطور : ٢٨ ] ؛ ومعنى الآية : ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق أي جهة المشرق ؛ او جهة المغرب.
وهذه الآية نزلت توطئة لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؛ فبين الله عز وجل أنه ليس البر أن يتوجه الإنسان إلى هذا، أو هذا ؛ ليس هذا هو الشأن ؛ الشأن إنما هو في الإيمان بالله... إلخ ؛ أما الاتجاه فإنه لا يكون خيراً إلا إذا كان بأمر الله ؛ ولا يكون شراً إلا إذا كان مخالفاً لأمر الله ؛ فأيّ جهة توجهتم إليها بأمر الله فهو البر ؛ وجاءت الآية بذكر المشرق، والمغرب ؛ لأن أظهر، وأبين الجهات هي جهة المشرق، والمغرب.
قوله تعالى : ولكن البر : فيها قراءاتان ؛ الأولى : ولكنِ البرُّ بالرفع ؛ وعلى هذا تكون لكن مهملة غير عاملة ؛ والقراءة الثانية التي في المصحف : ولكنَّ البرَّ بتشديد نون لكنَّ ، فتكون عاملة.
قوله تعالى : ولكن البر من آمن بالله... : البر عمل ؛ و من آمن عامل ؛ فكيف يصح أن يكون العامل خبراً عن العمل ؟ في هذا أوجه :
الوجه الأول : أن الآية على تقدير مضاف ؛ والتقدير : ولكن البر بر من آمن بالله... إلخ.
الوجه الثاني : أن الآية على سبيل المبالغة ؛ وليس فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال :«رجل عدل » بمعنى أنه عادل.
الوجه الثالث : أن نجعل البر بمعنى البارّ ؛ فيكون مصدراً بمعنى اسم الفاعل ؛ أي : ولكن البارَّ حقيقة القائمَ بالبر من آمن بالله...
وقوله تعالى : من آمن بالله ؛ تقدم أن «الإيمان » في اللغة بمعنى التصديق ؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقاً متضمناً للطمأنية، والثبات، والقرار ؛ فليس مجرد تصديق ؛ ولو كان تصديقاً مطلقاً لكان يقال : آمنه - أي صدقه ؛ لكن «آمن به » مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء ؛ وإذا عديت باللام - مثل : فآمن له لوط [ العنكبوت : ٢٦ ] - فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد.
قوله تعالى : واليوم الآخر : هو يوم القيامة ؛ وسمي آخراً ؛ لأنه ليس بعده يوم.
قوله تعالى : والملائكة جمع ملَك ؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول ؛ لقوله تعالى : جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة [ البقرة : ٣٠ ] ؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل : إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين [ التكوير : ١٩ ٢١ ].
قوله تعالى : والكتاب ؛ المراد به الجنس ؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل على كل رسول.
قوله تعالى : والنبيين يدخل فيهم الرسل ؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس : قال الله تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [ النساء : ١٦٣ ].
قوله تعالى : وآتى بالمد ؛ بمعنى أعطى ؛ إذاً هي تنصب مفعولين ؛ المفعول الأول : المال ؛ والمفعول الثاني : قوله تعالى : ذوي القربى ، وما عطف عليه ؛ و( المال ) : كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقداً، أو ثياباً، و طعاماً، أو عقاراً، أو أي شيء.
قوله تعالى :( على حبه ) حال من فاعل ( آتى )، يعني حال كونه محباً له لحاجته إليه، كالجائع ؛ أو لتعلق نفسه به، مثلأن يعجبه جماله، أو قوته، أو ما أشبه ذلك.
قوله تعالى : ذوي القربى أي أصحاب القرابة ؛ والمراد قرابة المعطي ؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف ؛ لأن حقهم آكد ؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع.
قوله تعالى : واليتامى جمع يتيم ؛ وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر، أو أنثى ؛ فأما من ماتت أمه فليس بيتيم ؛ ومن بلغ فليس بيتيم ؛ وسمي يتيماً من اليتم ؛ وهو الانفراد ؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة، أو قوية يقولون : هذه الدرة اليتيمة - يعني أنها منفردة ليس لها نظير.
قوله تعالى : والمساكين جمع مسكين ؛ وهو الفقير ؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله ؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة ؛ هذا في الغالب ؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم ؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :«رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره »(١).
واعلم أن الفقير بمعنى المسكين ؛ والمسكين بمعنى الفقير ؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر ؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة : إنما الصدقات للفقراء والمساكين... [ التوبة : ٦٠ ] ؛ لأن الله بدأ به ؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء ؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلاً منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب.
قوله تعالى : وابن السبيل ؛ «السبيل » بمعنى الطريق ؛ والمراد ب ابن السبيل الملازم للطريق ؛ وهو المسافر ؛ والمسافر يكون في حاجة غالباً، فيحتاج إلى من يعطيه المال ؛ ولهذا جعل الله له حظاً من الزكاة ؛ فابن السبيل هو المسافر ؛ وزاد العلماء قيداً ؛ قالوا : المسافر المنقطع به السفر أي انقطع به السفر ؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده ؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة ؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء ؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
قوله تعالى : والسائلين جمع سائل ؛ وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً ؛ وإنما كان إعطاؤه من البر ؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء ؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ؛ والسائل نوعان ؛ سائل بلسان المقال : وهو الذي يقول للمسؤول : أعطني كذا ؛ وسائل بلسان الحال : وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه.
قوله تعالى : وفي الرقاب أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر.
قوله تعالى : وأقام الصلاة هذه معطوفة على آمن التي هي صلة الموصول ؛ فيكون التقدير : ومن أقام الصلاة ؛ و الصلاة المراد بها الفرض، والنفل ؛ وإقامتها الإتيان بها مستقيمة ؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائماً مستقيماً ؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها ؛ واعلم أن «الصلاة » من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي ؛ فمعناها في اللغة : الدعاء، كما قال تعالى : وصلّ عليهم [ التوبة : ١٠٣ ] أي ادْعُ لهم بالصلاة، فقل : صلى الله عليكم ؛ ولكنها في الشرع : عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.
قوله تعالى : وآتى الزكاة أي أعطى الزكاة مستحقها ؛ و«الزكاة » أيضاً من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي ؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو - أي نما، وزاد ؛ وبمعنى الصلاح ؛ ومنه قوله تعالى : قد أفلح من زكاها [ الشمس : ٩ ] أي أصلحها، وقومها ؛ لكن في الشرع «الزكاة » هي التعبد ببذل مال واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة ؛ وسميت زكاة ؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب ؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريماً من أهل البذل، والجود، والإحسان ؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعاً، وعادة ؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :«ما نقصت صدقة من مال »(٢) ؛ وتزكي الثواب، كما قال تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ البقرة : ٢٦١ ] ؛ وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب ؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل »(٣).
قوله تعالى : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ؛ إذا هنا مجردة من الشرطية ؛ فهي ظرفية محضة - يعني : الموفون بعهدهم وقت العهد ؛ أي في الحال التي يعاهدون فيها ؛ فإذا عاهدوا وفوا.
قوله تعالى : والصابرين : فيه إشكال من حيث الإعراب ؛ لأن الذي قبله مرفوع ؛ وهو غير مرفوع ؛ يقول بعض العلماء ؛ إنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير : وأخص الصابرين ؛ والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه ؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق.
و «الصبر » ليس بذل شيء ؛ ولكنه تحمل شيء ؛ وما سبق كله بذل شيء ؛ فهو مختلف من حيث النوع : من آمن... وأقام... وآتى... كل هذه أفعال ؛ لكن الصابرين ليس فعلاً ؛ ولكنه تحمُّل.
و«الصبر » في اللغة الحبس ؛ ومنه قولهم : فلان قُتل صبراً أي حبساً ؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة.
قوله تعالى : في البأساء والضراء وحين البأس : البأساء شدة الفقر ؛ ومنه «البؤس » يعني الفقر ؛ و الضراء : المرض ؛ و حين البأس : شدة القتل ؛ فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة، وأمور لا طاقة لهم بها ؛ في البأساء يعني : في حال الفقر ؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله ؛ بل يصبرون عن المعصية : لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون ؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره ؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم : رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة ؛ فتضمنت هذه الآية : الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الصبر بأنواعه الثلاثة : الصبر عن

١ أخرجه مسلم ص١١٣٥، كتاب البر والصلة، باب ٤٠: فضل الضعفاء والخاملين، حديث رقم ٦٦٨٢ [١٣٨] ٢٦٢٢..
٢ أخرجه مسلم ص١١٣٠، كتاب البر والصلة، باب ١٩: استحباب العفو والتواضع، حديث ربم ٦٥٩٢ [٦٩] ٢٥٨٨..
٣ أخرجه البخاري ص١١١، كتاب الزكاة، باب ٨: الصدقة من كسب طيب... ، حديث رقم ١٤١٠، وأخرجه مسلم ص٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ١٩: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم ٢٣٤٣ [٦٤] ١٠١٤..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير