وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روى عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة.
اختصم إلىّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه، فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ أى ذلك العذاب بسبب أنّ اللَّه نزل ما نزل من الكتب بالحق وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كتب اللَّه فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب لَفِي شِقاقٍ لفي خلاف بَعِيدٍ عن الحق، والكتاب للجنس.
أو كفرهم ذلك بسبب أنّ اللَّه نزّل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه من المشركين- فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير- لفي شقاق بعيد. يعنى أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٧]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
الْبِرَّ اسم للخير ولكل فعل مرضىّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الخطاب لأهل الكتاب «١» لأن اليهود تصلى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق. وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر
القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: وليس البرّ- بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد اللَّه: بأن تولوا، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ على تأويل حذف المضاف، أى برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ «١»
وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكنّ البرّ، بفتح الباء. وقرئ: ولكن البارّ. وقرأ ابن عامر ونافع: ولكنّ البر بالتخفيف وَالْكِتابِ جنس كتب اللَّه، أو القرآن عَلى حُبِّهِ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا «٢» ». وقيل:
| فما عجول على بو تطيف به | لها حنينان إصغار وإكبار |
| لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت | فإنما هي إقبال وإدبار |
| يوما بأوجد منى حين فارقنى | صخر وللدهر إحلاء وإمرار |
وإصغار وإكبار: بدل من حنينان. ويروى: إعلان وإسرار. والمعنى واحد، غير أن فيه تقديماً وتأخيراً.
أو الاصغار الحنين على الولد الصغير، والإكبار على الكبير، كذا قيل، لكن خير ما فسرته بالوارد. والدهر:
نصب بتسأم أى: لا تمل طول الدهر مما ذكر من الحنين ورجوعه للبو، تأباه جزالة المعنى. ويمكن عوده على الطيف المعلوم من تطيف. ويروى بدل هذا الشطر
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
وأصله اذتكرت أى تذكرت. ويروى
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت
أى ترعى مدة غفلتها عنه، فإذا تذكرته فإنما هي ذات إقبال وذات إدبار، أو مقبلة ومدبرة، أو هي نفس الإقبال والأدبار مبالغة. أى تلتفت تارة أمامها وتارة خلفها وتتلهى عن الرعي. وقيل المراد إقبال النهار وإدبار الليل وعكسه. ويمكن أن وجهه استقلال المدة، أى فإنما مدة الدهر إقبال وإدبار دائرين بين الليل والنهار، بالضمير عائد على معلوم من السياق، لكن لا يظهر على الرواية الثانية. ويوما: نصب بأوجد وجاز تقدمه على أفعل التفضيل، لأنه ظرف، وكذاك تنبيهاً على أن المراد باليوم مطلق الزمن غالباً. وبأوجد:
خبر عجول. ويروى «بأوجع» أى ليست أشد حزنا منى حين فارقني أخي، وحين نصب بأوجد أيضاً. ووجهه أنه في معنى عاملين، أى ليس وجدها يوما أشد من وجدي حين الفراق، فالأول للأول، والثاني للثاني، ثم تسلت بقولها: وللدهر إحلاء وإمرار. ويقال: أحلى الشيء وأمر، صار حلواً وصار مراً. ويجوز أنهما متعديان.
والمراد: أن الدهر ينعم العيش تارة ويبئسه أخرى. فالاحلاء والإمرار استعارتان لذلك.
(٢). موقوف، كذا أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن مرة عنه. قال في قوله تعالى: (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى) قال «أن يؤتيه» فذكره إلى قوله «ويخشى الفقر» ولم يذكر ما بعده. ومن طريقه أخرجه الطبراني والحاكم وذكره أبو نعيم في الحلية. في ترجمة مسعر فأخرجه من طريقه عن زبيد به. وقال هكذا رواه مسعر والناس. عن زبيد موقوفا رواه مخلدين يزيد عن الثوري مرفوعا. وتفرد برفعه ثم ساقه. وأخرجه البيهقي من رواية شعبة عن زبيد موقوفا ومن طريق سلام بن سليم المدائني عن محمد بن طلحة عن زبيد مرفوعا: وسلام ضعيف رواه الطبري من ثلاثة طرق عن زبيد موقوفا. ولم يذكر أحد منهم ولا تمهل وإنما هو في حديث أبى هريرة. اتفق الشيخان عليه بلفظ «قال رجل للنبي صلى اللَّه عليه وسلم يا رسول اللَّه، أى الصدقة أفضل؟ قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان».
على حب اللَّه. وقيل: على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. وقدم ذوى القربى لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام: «صدقتك على المسكين صدقة. وعلى ذى رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة «١» » وقال عليه الصلاة والسلام «٢» :«أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح «٣» ». وأطلق ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس. والمسكين:
الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له، كالمسكير: للدائم السكر وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر المنقطع. وجُعل ابنا للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق. وقيل: هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به «٤» وَالسَّائِلِينَ المستطعمين. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه «٥» وَفِي الرِّقابِ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل
أخرجها الطبراني. [.....]
(٢). أخرجه عبد الرزاق والحاكم والبيهقي والطبراني من رواية ابن عيينة عن الزهري. عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة. ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية ابراهيم بن يزيد المكي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. وأخرجه من طريق عقيل عن الزهري مرسلا. لم يذكر أبا هريرة ورواه أحمد من رواية سفيان بن حسين عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام ورواه أيضاً هو وإسحاق والطبراني من طريق الحجاج بن أرطاة عنه عن حكيم بن بشير عن أبى أيوب. فهذه الطرق كلها تدور على الزهري، مع اختلاف عليه، وأحفظهم سفيان بن عنبسة، وعقيل أحفظ منه. وروايته أشبه بالصواب.
(٣). قوله «ذى الرحم الكاشح» في الصحاح: تقول طوى فلان عن كشحه، إذا قطعك. والكاشح الذي يضمر لك العداوة. (ع)
(٤). قوله «لأن السبيل يرعف به» أى يتقدم به ويبرزه للمقيمين، كما يرعف الأنف بدم الرعاف.
أفاده الصحاح. (ع)
(٥). أخرجه أبو داود من رواية فاطمة بنت الحسين بن على عن أبيها عن على رضوان اللَّه عليه. ومن رواية الحسين بن على، من غير ذكر أبيه. في إسنادهما يحيى بن أبى يعلى وقيل: يعلى بن أبى يحيى: وهو مجهول. وقد رواه إسحاق بن راهويه من طريقه فجعله من رواية فاطمة بنت الحسين عن فاطمة، ورواه الطبراني من حديث الهرماس بن زياد. وفيه عثمان بن فايد. وهو ضعيف: وقال مالك في الموطأ: أخبرنا زيد بن أسلم أكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره ووصله ابن عدى من طريق عبد اللَّه بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبى صالح عن أبى هريرة. وعبد اللَّه ضعيف. ورواه أيضاً من طريق عمر بن يزيد المدائني عن عطاء عن أبى هريرة. وعمر ضعيف.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم