فعلى العاقل ان يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على ما مضى ويزكى نفسه عن سفساف الأخلاق ويصفى قلبه الى ان تنعكس اليه أنوار الملك الخلاق وذلك لا يحصل غالبا الا بتربية كامل من اهل التحقيق لان المرء محجوب عن ربه وحجابه الغفلة وهي وان كانت لا ترفع ولا تزول الا بفضل الله تعالى لكنه بأسباب كثيرة ولا اهتداء الى علاج المرض الا باشارة حكيم حاذق وذلك هو المرشد الكامل فاذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال الى الغيب فيكون اقرار السالك تحقيقا لا تقليدا وتوحيده تجريدا وتفريدا فحينئذ يعكس الأمر فيكون أصم عن سماع اخبار ما سوى المحبوب الحقيقي ابكم عن افشاء سر الحقيقة أعمى عن رؤية الأغيار في هذه الدار الفانية اللهم خلصنا من التقليد وأوصلنا الى حقيقة التوحيد انك حميد مجيد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا رزقكم مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ اى من حلالاته لان ما رزقناكم أعم من الحلال والحرام عند اهل السنة او من لذيذاته لانه أعم ايضا من المستلذ والمستكره قال ابن الشيخ وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام واولى من حمله على الحلال الطاهر من الشبهة لان المقام مقام الامتنان بما رزقه من لذائذ الإحسان وطلب شكر المنعم المنان والطيب له ثلاثة معان المستلذ طبعا والمباح شرعا والطاهر وضعا وفي الآية اشارة الى انه لا بأس بالتفكه بانواع الفواكه لانها من الطيبات وتركه أفضل لئلا ينقص من درجته ويدخل تحت قوله تعالى أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا والأمر بأكل الطيبات لفائدتين. إحداهما ان يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون من حجاب الظلمة الطبع بنور الشرع. والثاني ليثيبهم بائتمار امر الاكل وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها وأحلها لكم والشكر صرف العبد جميع أعضائه الظاهرة والباطنة الى ما خلقت لاجله وهذا الأمر ليس امر اباحة بل هو للايجاب إذ لا شك في انه يجب على العاقل ان يعتقد بقلبه ان من أوجده وأنعم عليه بما لا يحصى من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وان يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ اى ان كنتم مؤمنين بالله ومخصصين الله بالعبادة فاشكروا له فان الايمان يوجب ذلك وهو من شرائطه وهو مشهور في كلامهم يقول الرجل لصاحبه الذي عرف انه يحبه ان كنت لى محبا فافعل كذا فيدخل حرف الشرط في كلامه تحريكا له على ما يؤمر به واعلاما انه من شرائط المحبة وليس المراد ان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فان من لا يفعل هذه العبادة يجب الشكر عليه ايضا وعن النبي ﷺ (يقول الله تعالى انى والانس والجن لفى نبأ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى) : قال السعدي
مكن كردن از شكر منعم مپيچ
كه روز پسين سر بر ارى بهيچ
صفحة رقم 276
رأس ملك عادل مشفق فقبضه واسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذى القرنين وقال من أي الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال ان ترغب في صحبتى شاطرتك مملكتى وسلمت إليك وزارتي فقال هيهات وقال ذو القرنين ولم قال لان الناس اعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم أحبابي بسبب القناعة: قال السعدي قدس سره
در گوشه قناعت نان پاره و پينه
در پيش اهل معنى بهتر ز صد خزينه
لَيْسَ الْبِرَّ هو كل فعل مرضى يفضى بصاحبه الى الجنة أَنْ تُوَلُّوا اى ان تصرفوا يا اهل الكتابين وُجُوهَكُمْ فى الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اى مقابلهما ظرف مكان لقوله تولوا والبر منصوب على انه خبر مقدم وان تولوا اسمها لكونه فى تأويل المصدر والمصدر المؤول اعرف من المحلى باللام وهو يشبه الضمير من حيث انه لا يوصف ولا يوصف به فالاولى ان يجعل الأعرف اسما وغير الأعرف خبرا وذلك ان اليهود والنصارى أكثروا الخوض في امر القبلة حين حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى الكعبة وزعم كل واحد من الفريقين ان البر هو التوجه الى قبلته فرد عليهم وقيل ليس البر ما أنتم عليه فانه منسوخ خارج من البر وَلكِنَّ الْبِرَّ المعهود الذي ينبغى ان يهتم بشأنه ويجد في تحصيله مَنْ اى بر من على حذف المضاف لان اسم لكن من اسماء المعاني وخبرها من اسماء الأعيان فامتنع الحمل لدلك آمَنَ بِاللَّهِ وحده ايمانا بريئا من شائبة الإشراك لا كايمان اليهود والنصارى المشركين بقولهم عزيز ابن الله وقولهم المسيح ابن الله وقدم الايمان بالله في الذكر لانه اصل لجميع الكمالات العلمية والعملية وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال على انه كائن لا محالة وعلى ما هو عليه لا كما يزعمون من انهم لا تمسهم النار الا أياما معدودة وان آباءهم الأنبياء ويشفعون لهم فالبر هو التوجه الى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة ولما كان الايمان باليوم الآخر متفرعا على الايمان بالله لانا ما لم نعلم باستحقاقه الالوهية وقدرته على جميع الممكنات لا يمكننا ان نعلم صحة الحشر والنشر وكان الايمان به محركا وداعيا الى الانقياد بالله في جميع ما امر به ونهى عنه خوفا وطمعا ذكر الايمان به عقيب الايمان بالله وَالْمَلائِكَةِ كلهم بانهم عباد الله ليسوا بذكور ولا إناث ولا بشر ولا أولاد الله مكرمون عنده متوسطون بينه وبين أنبيائه بإلقاء الوحى وإنزال الكتب واليهود أخلوا بذلك حيث أظهروا عداوة جبريل وَالْكِتابِ اى بجنس الكتاب الإلهي الذي من افراده الفرقان واليهود أخلوا بذلك لانه مع قيام الدليل على ان القرآن كتاب الله تعالى ردوه ولم يقبلوه وَالنَّبِيِّينَ جميعا بانهم المبعوثون الى خلقه والقائمون بحقه والصادفون عنه في امره ونهيه ووعده ووعيده واخباره من غير تفرقة بين أحد منهم واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء وطعنوا في نبوة محمد عليه السلام واعلم ان الايمان بالملائكة والكتاب مؤخر عن الايمان بالنبيين الا انه قدم الايمان بهما في الذكر رعاية للترتيب بحسب الوجود الخارجي ولم ينظر الى الترتيب في العلم فان الملك يوجر اولا ثم يحصل بواسطته نزول الكتاب الى الرسل فتدعو الرسل الى ما فيها من الاحكام وهذا اى الايمان بالأمور الخمسة المذكورة اصول الدين
صفحة رقم 281
وقواعد العقائد وَآتَى الْمالَ اى الصدقة من ماله عَلى حُبِّهِ حال من الضمير في آتى والضمير المجرور للمال اى آتاه كائنا على حب المال كما قال عليه السلام لما سئل أي الصدقة أفضل قال (ان تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) : قال السعدي قدس سره
پريشان كن امروز كنجينه جست
كه فردا كليدش نه در دست تست
كنون بر كف دست نه هر چهـ هست
كه فردا بدندان كزى پشت دست
ذَوِي الْقُرْبى مفعول أول لآتى بدلالة الحال وقدمهم لانهم أحق بالصدقة لقوله عليه السلام (صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذى رحمك اثنتان) لانها صدقة وصلة وقال ايضا (أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح) وَالْيَتامى الفقراء منهم لا الأغنياء وقدم اليتامى على سائر المصارف لان الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب أشد احتياجا من المساكين ومن ذكر بعدهم وَالْمَساكِينَ جمع مسكين والمسكين ضربان من يكف عن السؤال وهو المراد هاهنا ومن ينبسط ويسأل وهذا القسم داخل في قوله والسائلين وهو مبالغة الساكن فان المحتاج يزداد سكونه الى الناس على حسب ازدياد حاجته وَابْنَ السَّبِيلِ اى المسافر البعيد عن ماله وسمى به لملازمته له كما تقول للص القاطع ابن الطريق وللمعمر ابن الليالى ولطير الماء ابن الماء والضيف لانه جاء من السبيل فكأنه ولد منه قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وايضا (أكرموا الضيف ولو كان كافرا) وَالسَّائِلِينَ الذين الجأتهم الحاجة والضرورة الى السؤال وفي الحديث (للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه) : قال السعدي قدس سره
نه خواهنده بر در ديكران
بشكرانه خواهنده از در مران
وَفِي تخليص الرِّقابِ بمعاونة المكاتبين جمع رقبة وهي مؤخر العنق واشتقاقها من المراقبة لانها مكان مراقبة الرقيب المشرف على القوم وإذا قيل أعتق الله رقبته يراد ان الله تعالى خلصه من مراقبة العذاب إياه. وقيل المراد بهم ارقاء يشتريهم الأغنياء لاعتاقهم. وقيل المراد بهم الأسارى فان الأغنياء يؤتون المال في تخليصهم فهذا هو البر ببذل الأموال على وفق مراد الله تعالى الى المصارف المذكورة واليهود أخلوا بذلك لانهم أكلوا اموال الناس بالباطل حيث كتموا دلائل حقية الإسلام على اتباعهم واشتروا به ثمنا قليلا وعوضا يسيرا وهو ما يعود إليهم من هدايا السفلة وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة عطف على صلة من اى من آمن وآتى واقام واليهود كانوا يمنعون الناس من الصلاة والزكاة وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة على ان المراد بما مر من إيتاء المال التنفل بالصدقة قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه او الاول لبيان المصارف والثاني لبيان وجوب الأداء وَالْمُوفُونَ عطف على من آمن فانه في قوة ان يقال ومن أوفوا بِعَهْدِهِمْ من الأوامر والنواهي او النذور إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا او نذروا أوفوا وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا وفي الحديث (من اعطى عهد الله ثم نقضه فالله لا ينظر اليه) اى انقطع نظره عنه (ومن اعطى ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم غدر فالنبى خصمه يوم القيامة) واليهود نقضوا العهد
صفحة رقم 282