في هذه الحصة من سورة البقرة، يتولى الحق سبحانه وتعالى تنظيم حياة المسلمين أفرادا وجماعات، ويصدر إليهم أحكاما خالدة قاطعة في عدة شؤون من العبادات والمعاملات.
ففيها آيات عن الصيام وعن الاعتكاف من جهة، وفيها آيات عن طريقة كسب المال وعن وجوه إنفاقه وصاحبه لا يزال على قيد الحياة، وعن الوصية به لمن ينتفع به بعد الموت، وعن القصاص وحكمته، وعن رشوة الحكام لصالح المحكومين.
وأما وجوه إنفاق المال التي يحض عليها الإسلام ويعطيها الأولوية بعد كفاية حاجات النفس والعيال المشروعة، فهي الإنفاق في وجوه البر التي لها أثر اجتماعي مباشر، ونفع إنساني محقق.
وذلك مثل الإنفاق على الأقرباء المحتاجين، وعلى اليتامى الفقراء العاجزين عن الكسب، وعلى المساكين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وعلى السائلين الذين لا يسألون الناس إلحافا، وعلى أبناء السبيل العابرين من بلد إلى بلد في طلب علم أو أداء عبادة، وعلى الأرقاء، بغية تحريرهم من الرق، وأسارى المسلمين، افتداء لهم من الأسر، وهذا ما ينص عليه قوله تعالى : وَلَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخر والمَلاَئِكَةِ والكِتَابِ والنَبِيين وءاتى الماَلَ عَلى حُبِّه ذوِي القُربَى، واليَتَامَى وَالمَسَاكِنَ وابنِ السَّبِيلِ، والسَائِلِينَ، وفِي الرِّقَاب، وأَقَامَ الصَّلاَةَ، وءاتَى الزَّكاةَ .
ويتكرر هذا المعنى في نفس سورة البقرة بنزول قوله تعالى : يَسأَلُونَك مَاذا يُنفِقُونَ، قُل ما أنفقتُم مِّن خَير فَلِلوالِدَينِ، والأَقرَبِينَ، واليَتَامى، والمسَاكِين، وابن السَّبِيل، ومَا تفعَلُوا مِن خَيرٍ فَإنَّ اللهَ به عَلِيمٌ .
وواضح بموجب هذه الآيات الكريمة، أن في المال حقا سوى الزكاة، فقد ذكرت الزكاة على حدة، منفصلة في آخرها، كشيء زائد على بقية وجوه الإنفاق التي ذكرت مفصلة في أولها.
ولا حاجة إلى التنبيه على الأهمية الكبيرة التي يعطيها كتاب الله لإنفاق المال في وجوه البر وأنواع الإحسان، بحيث لا يغني عنه ولا يقوم مقامه مجرد التعبد الفردي والتبتل الشخصي الذي لا يستفيد منه إلا شخص المتعبد وحده، فمن رزقه الله المال ينبغي أن يجمع بين الحسنيين : عبادة الله بالصلاة وغيرها فرضا ونفلا، وشكر الله بالإنفاق في وجوه البر وجوبا وتطوعا، زكاة وصدقة، وبذلك يندرج في عداد العابدين الشاكرين، ويسجل في سجل الصابرين الصادقين.
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ . إلى قوله : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ . إلى آخر الآية. وإلى المتصفين بهذه الصفات يشير أيضا قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( ١٧٧ ) .
في هذه الحصة من سورة البقرة، يتولى الحق سبحانه وتعالى تنظيم حياة المسلمين أفرادا وجماعات، ويصدر إليهم أحكاما خالدة قاطعة في عدة شؤون من العبادات والمعاملات.
ففيها آيات عن الصيام وعن الاعتكاف من جهة، وفيها آيات عن طريقة كسب المال وعن وجوه إنفاقه وصاحبه لا يزال على قيد الحياة، وعن الوصية به لمن ينتفع به بعد الموت، وعن القصاص وحكمته، وعن رشوة الحكام لصالح المحكومين.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري