قوله تعالى : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللّغْوِ(١) في أَيْمَانِكُمْ [ ٢٢٥ ] : اعلم أن اللغو مذكور في القرآن على وجوه، والمراد به معاني مختلفة على حسب اختلاف الأحوال التي خرج الكلام عليها.
فقال الله تعالى : لاَ تَسْمَعُ فيهَا لاَغِيَةً (٢) يعني كلمة فاحشة قبيحة،
وَلاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ولاَ تَأْثِيمَاً (٣) على هذا المعنى، وقال : وَإذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ(٤) يعني الكفر والكلام القبيح، وقال : وَالْغَوا فيِهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ(٥) يعني الكلام الذي لا يفيد شيئاً ليشتغل السامعون عنه بذلك، وقال : وَإذَا مَرُّوا بِاللّغْوِ مَرُّوا كِرَاماَ(٦) يعني بالباطل، ويقال : لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه.
وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف : فروي عن ابن عباس أنه : هو في الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك ولا يكون كذلك، وروي عن مجاهد وإبراهيم، قال مجاهد في قوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بمَا عَقَدْتُمُ الأَيْمَانَ أنه يحلف على الشيء وأنه يعلم، وهذا في معنى قوله : بمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، وقالت عائشة :" هو قول الرجل : لا والله، بلى والله(٧) "،
وكثرت أقاويل السلف فيه، وأقربها قول سعيد بن جبير : هو الرجل يحلف(٨) على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه، وذلك يقرب من أحد تأويلي قوله عز وجل : وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيمَانِكُمْ .
وقد ظن قوم أن المراد به المؤاخذة في الآخرة، فتجب الكفارة في الدنيا، وليس على ما ظنوه، فإنه تعالى قال في موضع آخر : لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللهُ باللّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخذكم بِمَا عَقَدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكفّارَتُهُ(٩) ، فذلك يدل على أن المؤاخذة المذكورة في القسم الثاني هي المتيقنة في القسم الأول.
وظن أبو حنيفة أن قوله عقدتم يدل على ما يتصور عقد العزم عليه من الأفعال، حتى يخرج منه اليمين على الماضي، وذلك إن صح له فيخرج منه الأيمان على فعل الغير وحنث النسيان وغيرهما، فالأقرب في معانيه ما قالته عائشة وهو مذهب الشافعي. .
ويقول الفخر الرازي: (اللغو: الساقط الذي لا يعتد به، سواء كان كلاما أو غيره، ولغو الطائر تصويته، ويقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل لغو" أ هـ ج٦ ص٨١..
٢ - سورة الغاشية، آية ١١..
٣ - سورة الواقعة، آية ٢٥..
٤ - سورة القصص، آية ٥٥..
٥ - سورة فصلت، آية ٢٦ ونص الآية: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون..
٦ - سورة الفرقان، آية ٧٢..
٧ - أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ورواه أيضا الإمام مالك عن عائشة رضي الله عنها..
٨ - سقط من قوله فجعلوا وجوب الصلاة والصوم إلى هنا من نسخة رقم ١٤٤ بدار الكتب..
٩ - سورة المائدة، آية ٨٩..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي