٢٢٥ - قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ الآية. اللغو: معناه في اللغة: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به (١)، وهو مصدر يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا وَلغا يَلْغَى، ولغي يَلْغَى لغًا: إذا أتى بلغو (٢)، قال الفراء. اللغا مصدرٌ للغَيْتُ، واللغوُ مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ.
قال العجاج:
| ورُبَّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمِ | عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (٣) |
| ويُطْرَحُ بينها المَرْئِيُّ لَغْوًا | كما أَلْغَيْتَ في المائةِ الحُوَارَا (٤) |
(٢) قال الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٢٩٩: ويقال: لغوت ألْغُو لغوًا، ولغوْت أَلْغَى لغوًا، مثل محوت أمحو محوا وأمحى، ويقال: لغيت في الكلام ألغَى لغىً إذا أتيت بلغو.
(٣) سبق تخريجه ٣/ ٦٠٥.
(٤) ورد البيت هكذا:
| ويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها | كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا |
(٥) ينظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٧٥ مادة "لغو"، وبعض الكلام لغيره.
(٦) سقطت من (م) و (أ).
(٧) رواه البخاري (٩٣٤) كتاب: الجمعة، باب. الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، ومسلم (٨٥١) الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.
ومثله من الكلام: الدَّلْو والدِّلاَء، والعَيْبُ والعَابُ.
قال ابن الأنباري: اللغو عند العرب: ما يُطْرح من الكلام (١) استغناءً عنه ولا يفتقر إليه، قال الكميت:
| وبعد ذلك (٢) أيَّامٌ (٣) سَنَذْكُرها | لم تنس لغوًا ولم تقدم على عمد (٤) |
| باكرتُهُم بِسَبَا جَوْنٍ ذَارعٍ (٥) | قبل الصَّبَاحِ، وقَبْلَ لَغْوِ الطَّائرِ (٦) |
(٢) في (م): (ذاك).
(٣) في (ي): (أيامَا).
(٤) في (م): (أمر) والبيت لم أهتد إلى من ذكره.
(٥) في (ش) (دارع)، وفي (ي) (دراع).
(٦) البيت لثعلبة بن صعير المازني في "لسان العرب" ٣/ ١٤٩٨ مادة: ذرع، و ٧/ ٤٠٥١ مادة: لغا. وروايته: بساء.
(٧) في (م) و (ش) (الذراع)، وفي (ي) (الدراع).
(٨) (الكثير) ساقطة من (ي).
(٩) في (ش) (أو).
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٩٩.
(١١) ينظر لغا: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٩٩، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٧٥ - ٣٢٧٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٠١٦، "المفردات" ص ٤٥٥، "عمدة الحفاظ" ٤/ ٣٣ =
وأما التفسير: فقال مجاهد (١) وعكرمة (٢) والشعبي (٣): لغو اليمين، في هذه الآية، ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد، ويكون كالصلة للكلام، مثل قول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ونحو هذا، ولا كفارة فيه ولا إثم. وهو قول عائشة رضى الله عنها، قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، (الذي) لا يعقد عليه القلب (٤)، ومثله روى حماد (٥) عن إبراهيم (٦)، وهو كما روي أن رسول الله - ﷺ - مرَّ بقوم
(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٦ بمعناه، وذكره النحاس في "معاني القرآن" ١/ ١٨٨، والثعلبي ٢/ ١٠٢١.
(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٤، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨
(٣) رواه عنه سعيد بن منصور ٤/ ١٥٢٨، والطبري ٢/ ٤٠٥، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨.
(٤) حديث عائشة بهذا اللفظ موقوفًا عليها، رواه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤١١ - ٤١٢، وبنحوه عند عبد الرزاق في "المصنف" ٨/ ٤٧٤، وأصله رواه البخاري (٦٦٦٣) كتاب: الأيمان، باب: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ومالك في "الموطأ" ٢/ ٤٧٧، والشافعي في "الأم" ٧/ ٢٥٧، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٤٤٤ رقم ١٦٩، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٦، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" ٢/ ٤٠٨ وغيرهم موقوفا عليها. ورواه أبو داود مرفوعا (٣٢٥٤) كتاب: الأيمان، باب: لغو اليمين، والطبري ٢/ ٤٠٥، وابن حبان في "صحيحه" ١٠/ ١٧٦ وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ١٦٧: وصحح الدارقطني الوقف.
(٥) هو حماد بن أبي سليمان بن مسلم أبو إسماعيل الكوفي الأصبهاني، كان علامة إماما فقيه العراق، تفقه على إبراهيم النخعي فكان أنبل أصحابه وأفقههم، روى عنه تلميذه أبو حنيفة والأعمى وخلق كثير، توفي سنة ١٢٠هـ. ينظر "السير" ٥/ ٢٣١ - ٢٣٨، "الجرح والتعديل" ٣/ ١٤٦.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" ٤/ ٤٤٣، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٣٠.
ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله وأخطأ، فقال الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام: حنث الرجل يا رسول الله، فقال - ﷺ -: (١) "كل (٢) أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة (٣) ". وكأن الفرزدق أراد هذا المعنى بقوله:
| ولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه | إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ (٤) |
(٢) في (ي) و (ش). (كلا).
(٣) أخرجه الطبراني في: "المعجم الصغير" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ٢/ ٢٧١ حديث رقم ١١٥١. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤/ ١٨٨: ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني يوسف بن يعقوب لم أجد من وثقهُ ولا جرحه، ورواه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤١٢ عن الحسن قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن عن الحسن، وقال الحافظ في "الفتح" ١١/ ٥٤٧: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد.
(٤) البيت للفرزدق في "ديوانه" ٢/ ٣٠٧، وانظره في "طبقات فحول الشعراء" ٢/ ٣٣٦، "الدر المصون" ٢/ ٤٣٠، "والأغاني" ١٩/ ١٤، "المفردات" ص ٥٢، "وضح البرهان" للغزنوي ١/ ٢٠٧.
(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٦، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨.
(٦) رواه في "تفسير مجاهد" ١/ ١٠٧، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٩١، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٧.
وهو قول الحسن (١) والنخعي (٢) والزهري (٣) وقتادة (٤) والربيع (٥) والسدي (٦): وقال (٧) في رواية وُسيم (٨) (٩): اللغو: اليمين في حال الغضب والضجر من غير عقدٍ ولا عزم، وهو قول علي (١٠) - رضي الله عنه - وطاوس (١١).
وقال ابن عباس (١٢) في رواية عكرمة ومسروق (١٣): اليمين الملغاة هي التي يحلف بها الحالف على أمر متى أمضاه وفعله كان معصية لله عز وجل، فهي ملغاة، إذ كان الواجب أن لا يستعمل ما حلف عليه.
(٢) رواه عنه سعيد بن منصور في "سننه" ٤/ ١٥٢٤، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٧.
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٢٢، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٠٨، ضمن أهل القول الأول.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٩١، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٨، وعزاه في الدر ١/ ٤٨١ بمعناه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٨، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٠٩.
(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٨، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٠٩.
(٧) رواه سعيد بن منصور ٤/ ١٥٣٣، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٩، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" ٢/ ٤١٠.
(٨) في (م) (رستم) وفي (ي) (وسم).
(٩) وسيم أو الوسيم، قال البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في "الثقات": يروي عن طاوس عن ابن عباس، روى عه عطاء بن السائب، ولم يذكروا غيره. ينظر "التاريخ الكبير" ٨/ ١٨١، "الجرح والتعديل" ٩/ ٤٦.
(١٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٢٤، وأبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ١٧٩.
(١١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٠٩، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٢٤.
(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤١١، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٢٦.
(١٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٨/ ٤٦٢، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤١١.
وقال الشعبي في الرجل يحلف على معصية: كفارته أن يتوب منها، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة (١). يدل عليه ما روى عمرو (٢) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: "من حلف على معصية الله فلا يمين له (٣) ".
وروت عمرة (٤) عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" (٥).
وبه قال سعيد بن جُبير إلا أنه قال: يحنث ويكفِّر، ولا يؤاخذه الله بالحِنث (٦).
وقال الضحاك: هو اليمين المُكفَّرة (٧)، سُميت لغوًا لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقدير الآية: لا يؤاخذكم الله بالإثم في اليمين إذا كفرتم، وهذا اختيار الزجاج، قال: المعنى: لا يؤاخذكم الله بالإثم في (٨) الحلف
(٢) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، من رجال الحديث، قال ابن حجر: صدوق، سكن مكة وتوفي بالطائف سنة ١١٨ هـ. انظر "تقريب التهذيب" ص ٤٢٣ (٥٠٥٠)، "الأعلام" ٥/ ٧٩.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٢١٩٠) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق قبل النكاح.
(٤) هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، تابعية روت عن عائشة توفيت سنة ١٠٣ هـ. انظر "التقريب" ٧٥٠ (٨٦٤٣) "البداية والنهاية" ١١/ ٣٣٩، ٥٠٣.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢١١٠) كتاب: الكفارات، باب: من قال كفارتها تركها.
(٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٨/ ٣٧٥، والطبري ٢/ ٤١١.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤١٢، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٣٢.
(٨) من قوله: في اليمين. ساقطة من (أ) و (م).
إذا كفرتم، وإنما قيل له (١) لغو؛ لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة (٢).
أعلم الله عز وجل أن الإثم إنما هو في الإقامة على ترك البر والتقى، وأن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور.
وجملة اليمين على مذهب الشافعي، رحمه الله: قِسْمٌ على الماضي (٣) نفيًا أو إثباتًا مثل أن تقول: والله لقد كان كذا، أو لم يكن كذا. فإن كذب في يمينه متعمدًا فهذه الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، وفيها (٤) الكفارة، وإذا (٥) لم يتعمد واستبان الكذب فلا كفارة.
القسم الثاني: اليمين (٦) على المستقبل نفيًا أو إثباتًا، مثل: والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فإن حَنِثَ لزمته الكفارة، وحالة الرضا والغضب سواء (٧).
وقوله تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية (٨).
وقال الزجاج: أي: بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا، وأن
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٩٩.
(٣) في (ي): (المعاصي).
(٤) في (م) و (أ): (فيها).
(٥) في (ي) و (ش): (فإن).
(٦) ساقطة من (ي).
(٧) ينظر: "الأم" ٧/ ٦٤، "والسنن الكبرى للبيهقي" ١٠/ ٣٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٠٣٣، "الإشراف على مذاهب أهل العلم" لابن المنذر ١/ ٤٢٢، "اختلاف العلماء" للمروزي ٢١٢.
(٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٠٣٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي