ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚ

٦٨- قال الشافعي : وحكم الله في الطلاق أنه مرتان فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ اَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ١ وقوله : فَإِن طَلَّقَهَا يعني ـ والله أعلم ـ الثلاث فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، وجعل حكمه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث، وجعل الطلاق إلى زوجها فطلقها ثلاثا مجموعة أو مفرقة حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجا غيره. كما كانوا مملكين عِتق رقيقهم فإن أعتق واحدا أو مائة في كلمة لزمه ذلك كما يلزمه كلها جَمَع الكلام فيه أو فَرَّقَهُ، مثل قوله لنسوته : أنْتُنَّ طَوَالِق ووالله لا أَقْرَبُكُنَّ وأنتن عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وقوله لفلان : علي كذا ولفلان علي كذا ولفلان علي كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام، فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه.
فإن قال قائل : فهل من سنة تدل على هذا ؟ قيل : نعم. أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنه سمعها تقول : جاءت امرأة رِفاعة القُرَضِي٢ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمان بن الزبير٣ وإنما معه مِثْلُ هُذْبَةِ الثَّوْب٤، فتبسم رسول الله وقال :« أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عُسيلته »٥. قال : وأبو بكر عند النبي وخالد بن سعيد بن العاص٦ بالباب ينتظر أن يؤذن له فنادى يا أبا بكر : ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم٧ ! ( اختلاف الحديث : ٥٤٩-٥٥٠. )
ــــــــــــ
٦٩- قال الشافعي : فإذا تزوجت المطلقة ثلاثا زوجا صحيح النكاح فأصابها، ثم طلقها، فانقضت عدتها، حلَّ لزوجها الأول ابتداء نكاحها لقول الله عز وجل : فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَّتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَنْ يُّقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ ٨ الآية. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة :« لا ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك »٩ يعني : يجامعك.
قال : وإذا جامعها الزوج ثم مات عنها، حلت للزوج المطلقها ثلاثا، كما تحل له بالطلاق، لأن الموت في معنى الطلاق بافتراقهما بعد الجماع أو أكثر.
وهكذا لو نكحها زوج فأصابها ثم بانت منه بلِعَانٍ أو رِدَّةٍ، أو غير ذلك من الفُرْقَةِ. وهكذا كل زوج نكحها عبداً، أو حراً، إذا كان نكاحه صحيحا وأصابها.
وفي قول الله تعالى : أَنْ يَّتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَنْ يُّقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ ١٠ والله تعالى أعلم بما أراد أما الآية فتحتمل إن أقاما الرجعة لأنها من حدود الله تعالى، وهذا يشبه قول الله تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنَ اَرَادُوا إِصْلَاحًا ١١ أي إصلاح ما أفسدوا بالطلاق بالرجعة، فالرجعة ثابتة لكل زوج غير مغلوب على عقله إذا أقام الرجعة، وإقامتها أن يتراجعا في العدة التي جعل الله عز ذكره له عليها فيها الرجعة.
قال : وأحب لهما أن ينويا إقامة حدود الله تعالى فيما بينهما، وغيره من حدود الله تبارك اسمه. ( الأم : ٥/٢٤٨. ون الأم : ٤/٢٧٢ و ٥/١٥٤ و ٥/٢٤٣ و ٧/٢٨. وأحكام الشافعي : ١/٢٢٨-٢٢٩. والرسالة : ١٥٩-١٦١. ومختصر المزني ص : ١٩٧. )

١ - البقرة: ٢٢٩..
٢ - رفاعة بن سموال القرظي. له ذكر في الصحيح من حديث عائشة. الإصابة: ٢/٤٩١..
٣ - عبد الرحمان بن الزبير بن باطا القرظي المدني. له صحبة. وعنه: ابنه الزبير. والمحفوظ إسقاط عبد الرحمن. الكاشف: ٢/١٥٩. وهو ممن استدركه العراقي في ذيل الكاشف. ون الإصابة: ٤/٣٠٥. والتهذيب: ٥/٨٣. وقال في التقريب: صحابي صغير..
٤ - مثل هذبة الثوب: طرفه الذي لم ينسج. كَنَّتْ بهذا عن استرخاء ذكره، وأنه لا يقدر على الوطء. صحيح البخاري ٢/٩٣٣..
٥ - عسيلته: تصغير عسلة، وهي كناية عن الجماع، فقد شبه لذته بلذة العسل وحلاوته. نفس المصدر السابق..
٦ - خالد بن سعيد الأموي. عن: أبيه. وعنه: إبراهيم بن موسى الفراء، ومشكدانة. ثقة الكاشف: ١/٢٢٦. ون التهذيب: ٢/٥١٣. وقال في التقريب: صدوق. وتعقبه صاحب التحرير ١/٣٤٤ فقال: بل ثقة، فقد وثقه محمد بن بشر العبدي، فقال بعد أن روى عنه: الثقة الصدوق المأمون، وذكره ابن حبان في «الثقات» وأخرج له البخاري في الصحيح من رواية عبد الله بن المبارك عنه، وقال الدراقطني: ليس به بأس. ولا نعلم فيه جرحا..
٧ - رواه البخاري في الشهادات (٥٦) باب: شهادة المختبي (٣) (ر٢٤٩٦). وفي الطلاق (٧١) باب: من أجاز طلاق الثلاث (٣) (ر٤٩٦٠) وباب: من قال لامرأته أنت علي حرام (٦) (ر٤٩٦٤).
ورواه مسلم في النكاح (١٦) باب: لا تحل المطلقة ثلاثا (١٧) (ر١٤٣٣).
ورواه الترمذي وابن ماجة والدارمي والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١١٢٢)..

٨ - البقرة: ٢٣٠. وتمامها: وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..
٩ - سبق تخريجه..
١٠ - البقرة: ٢٣٠..
١١ - البقرة: ٢٢٨..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير