قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره منتظمٌ لمعانٍ : منها تحريمها على المطلق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، مفيد في شرط ارتفاع التحريم الواقع بالطلاق الثلاث العقد والوطء جميعاً، لأن النكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد، وهذا من الإيجاز والاقتصار على الكناية المفهمة المغنية عن التصريح، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارٌ مستفيضةٌ في أنها لا تحلّ للأول حتى يطأها الثاني، منها حديثُ الزهري عن عروة عن عائشة : أن رفاعة القرظيَّ طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبيَّ الله إنها كانت تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير وإنه يا رسول الله ما معه إلا مثل هُدْبَةِ الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" لعلك تُرِيدينَ أن تَرْجِعي إلى رفاعة ؟ لا حتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " ورَوَى ابن عُمر وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، ولم يذكرا قصة امرأة رفاعة. وهذه أخبارٌ قد تلقّاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء على استعمالها، فهي عندنا في حَيِّزِ التواتر. ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلاّ شيءٌ يُرْوى عن سعيد بن المسيب أنه قال :" إنها تحلّ للأول بنفس عقد النكاح دون الوطء ". ولم نعلم أحداً تابعه عليه، فهو شاذّ.
وقوله تعالى : حتى تنكح زوجاً غيره غايةُ التحريم الموقعُ بالثلاث، فإذا وَطِئها الزوجُ الثاني ارتفع ذلك التحريم الموقَعُ وبقي التحريم من جهة أنها تحت زوج كسائر النساء الأجنبيات، فمتى فارقها الثاني وانْقَضَتْ عدتُها حَلَّت للأول. وقوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا مرتبٌ على ما أوجب من العِدّة على المدخول بها في قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [ البقرة : ٢٣٥ ] ونحوها من الآي الحاظرة للنكاح في العدة. وقوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا نص على ذِكْرِ الطلاق، ولا خلاف أن الحكم في إباحتها للزوج الأول غير مقصور على الطلاق وأن سائر الفُرَقِ الحادثة بينهما من نحو موت أو ردّة أو تحريم بمنزلة الطلاق، وإن كان المذكور نفسه هو الطلاق. وفيه الدلالة أيضاً على جواز النكاح بغير وليّ لأنه أضاف التراجع إليهما من غير ذكر الوليّ. وفيه أحكامٌ أُخَرُ نذكرها عند ذكرنا لأحكام الخُلعْ بعد ذلك، ولكنا قدمنا ذكر الثالثة لأنه يتصل به في المعنى بذكر الاثنتين وإن تخلّلهما ذكر الخلع، وبالله التوفيق.
أحكام القرآن
الجصاص