عن انس عن عمر فيمن طلق البكر ثلاثا انه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وما ذكر الخصم من حديث ابن عباس يمكن تأويله بان قول الرجل أنت طالق أنت طالق أنت طالق كان واحدة فى الزمن الاول لقصدهم التأكيد فى ذلك الزمان- ثم صاروا يقصدون التجديد فالزمهم ثلثا لما علم قصدهم او للاحتياط- واما حديث ركانة فمنكر والأصح ما رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة ان ركانة طلق زوجته البتة فجعله رسول الله ﷺ انه ما أراد الا واحدة فردها اليه فطلقها الثانية فى زمن عمر والثالثة فى زمن عثمان- قال ابو داود- هذا أصح وبما ذكرنا من الأحاديث والآثار كما يثبت وقوع الطلقات الثلاث دفعة واحدة يثبت انه بدعة معصية وما ذكره الشافعي من تطليق عويمر ثلثا بعد التلاعن فهو استدلال بعدم إنكاره ﷺ فهو شهادة على النفي لا عبرة بعد ما ثبت عنه ﷺ الإنكار فى قصة اخرى ولعله ﷺ أنكر ولم يذكره الراوي- او لم ينكر لانها بعد التلاعن لم تبق محلا لطلاق- ورواية حديث فاطمة بنت قيس بلفظ الثلاث غير صحيح والصحيح انه طلقها البتة وايضا حين طلقها كان زوجها غائبا عنها فى سرية ولم يكن بمحضر من رسول الله ﷺ حتى يظهر تقريره وانما ثبت تقريره فى وقوع الثلاث- وايضا حديث فاطمة بنت قيس رده عمر وقال- لا ندرى صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت- واثر عبد الرحمن بن عوف وحسن رضى الله عنهما ليس بحجة فى مقابلة المرفوع (مسئلة) - الطلاق ثلاثا مجتمعا بدعي حرام وبالتفريق على الإظهار مباح جائز بهذه الاية الى قوله تعالى.
فَإِنْ طَلَّقَها الاية والأحسن من ذلك كله إذا اضطر الرجل الى طلاق امرأته ان يطلقها واحدة ثم ان لم يرد المراجعة يتركها حتى تنقضى عدتها- لان الطلاق ابغض المباحات عند الله والحاجة اندفعت بالواحدة قال الله تعالى فى ذم السحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه ويقول نعم أنت- قال الأعمش أراه قال فيلتزمه- رواه مسلم وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال ابغض الحلال الى الله الطلاق- رواه ابو داود-
(مسئلة) - الطلاق فى الحيض يقع طلاقا اجماعا خلافا للامامية قالوا لا يقع أصلا- وعندنا يقع لكنه حرام اجماعا يجب الرجعة بعده وما مر من حديث ابن عمر يدل على الوقوع والحرمة ووجوب الرجعة- واختلفوا فى انه ان أراد طلاقها ثانيا بعد الرجعة على وجه السنة متى يفعل- فقال ابو حنيفة إذا طهرت من تلك الحيضة ثم حاضت ثم طهرت فحينئذ يطلقها- كذا ذكر محمد فى المبسوط ولم يذكر خلافا عنه ولا عن صاحبيه وبه قال مالك واحمد وهو المشهور من مذهب الشافعي وهو المستفاد من حديث ابن عمر المذكور الذي فى الصحيحين حيث قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها قبل ان يمسها فتلك العدة كما امر الله عز وجل- وفى رواية حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيه- وذكر الطحاوي قول ابى حنيفة انه يطلقها فى الطهر الذي يلى الحيضة التي طلقها اولا فيها وهو أحد قولى الشافعي وقال الطحاوي الاول قول ابى يوسف- والحجة للقول الثاني رواية سالم فى حديث ابن عمر المذكور- مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا او حاملا- رواه مسلم واصحاب السنن- والاولى اولى لانها أقوى صحة واكثر تفسيرا وفيها زيادة والاخذ بالزيادة اولى- قال ابن همام قوله عليه السلام يمسكها حتى تطهر يدل على ان استحباب الرجعة او وجوبها مقيد بتلك الحيضة التي طلقها فيها فان لم يراجع فيها حتى طهرت تقررت المعصية- فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ- بالمراجعة وحسن المعاشرة- هذا يعنى الإمساك بعد الطلقتين ثابت اجماعا إذا كان الزوجان حرين- واما إذا كانا رقيقين فلا رجعة بعد الثنتين اجماعا- وان كانت امة تحت حرا وحرة تحت عبد فاختلفوا فيه- فقال مالك والشافعي واحمد ان كان الزوج حرا فطلاقه ثلاث وان كانت تحته امة- وان كان عبدا فثنتان وان كانت الزوجة حرة- وهو قول عمر وعثمان وزيد بن ثابت- وقال ابو حنيفة بعكس ذلك يعتبر الطلاق بالنساء وهو قول على وابن مسعود- قال ابن الجوزي قد رويت الأحاديث فى الطرفين وكلها ضعاف- روى ابن الجوزي عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ طلاق العبد ثنتان وقرء الامة حيضتان- وروى ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي والدارقطني عنها قالت قال رسول الله ﷺ طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي فى سند كلا الحديثين مظاهر بن اسلم قال يحيى بن سعيد مظاهر ليس بشىء وقال ابو حاتم هو منكر الحديث وقال ابن همام
صفحة رقم 304
وثقه ابن حبان وقال الحاكم مظاهر شيخ من اهل البصرة لم يذكر أحد من متقدمى مشائخنا فيه بجرح- وقال ابن الجوزي- قد روى بعض من قال الطلاق بالرجال عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ انه قال الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وانما هو من كلام ابن عباس- وروى ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي هذان حديثان لا يثبتان اما الاول ففيه سليم بن سالم كان ابن المبارك يكذبه وقال يحيى ليس حديثه بشىء وقال السعدي ليس بثقة- واما الثاني فقال الدارقطني تفرد به عمرو بن شبيب مرفوعا وكان ضعيفا قال يحيى بن معين عمرو بن شبيب ليس بشىء وقال ابو زرعة واهي الحديث- والصحيح انه من قول ابن عمر ويمكن
ترجيح مذهب ابى حنيفة بانا قد أثبتنا من قبل ان الطلاق لا بد فيه من التفريق على الاطهار فعدد الطلقات لا يتصور الا على عدد الاطهار وقد اجمعوا ان عدة الامة حيضتان فثبت ان طلاق الامة ايضا طلقتان والله اعلم وهاهنا إشكال على مذهب ابى حنيفة ان العام على اصل ابى حنيفة قطعى الشمول لافراده لا يجوز تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد او القياس كما لا يجوز نسخه بهما وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وقوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ كل منهما عام يشتمل الحرائر والإماء فتخصيصهما بقوله عليه السلام- طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان وهو من حديث الآحاد لا يصح لا يقال العام القطعي إذا خص منه اولا بقطعى يصير فى الباقي ظنيا فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الآحاد والقياس وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ خص اولا بالآيات من قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ الاية وقوله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية فجاز تخصيصه بحديث الآحاد لانا نقول المخصص لا يكون الا متصلا وما كان متراخيا فهو ناسخ وليس بمخصص وما تلوتم من الآيات ليس شيئا منها متصلا بهذه الاية بل متراخ فهو ناسخ ونسخ الحكم عن بعض افراد العام لا يجعل العام فى الباقي ظنيا بل هو قطعى فى الباقي كما كان من قبل- والتفصى عن هذا الاشكال بان يقال لما ثبت اجماع الامة على ان اية العدة واية الطلاق مخصوصتان بالاحرار يظهر بذلك ان الأوائل من اهل الإجماع وهم الصحابة قد سمعوا قولا من رسول الله ﷺ قاطعا فى حقهم خصوا بذلك القول تلك الآيات وان لم يصل ذلك القول إلينا بالتواتر ولو لم يسمعوا فى ذلك من رسول الله ﷺ لم يجترؤا
على تخصيص الاية القطعية والا يلزم اجتماعهم على الضلالة ثم الاتباع سلكوا مسلكهم للمنع عن ابتغاء سبيل غير سبيلهم- فان قيل ليس الإجماع على ان الطلاق معتبر بالرجال او النساء فكيف يجرى هذا الجواب هناك قلنا ثبت بالإجماع ان قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ليس على عمومه وذلك الخلاف لا يضر والله اعلم أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قيل المراد به الطلقة الثالثة قلت وذلك غير سديد لانه معطوف على قوله فامساك بمعروف يعنى فالواجب أحد الامرين إمساك بمعروف او طلقه ثالثة وليس كذلك بل يجوز له ان لا يمسك ولا يطلق ويترك حتى تنقضى عدتها- وقيل التسريح بإحسان هو ان لا يراجعها حتى تبين بالعدة ويرد على هذا القول مثل ما يرد على الاول- ذكر القولين البغوي وغيره- والاولى ان يفسر قوله او تسريح بإحسان بان يبينها مطلقا اما بطلاق ثالث او بانقضاء العدة والمعنى فالواجب ان يمسكها بمعروف او يبينها بإحسان سواء طلق ثالثا اولا والغرض منه تحريم الإمساك بالإضرار بغير معروف وعلى هذا فقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ تفصيل لاحد احتماليه- ولو كان المراد بالتسريح الطلقة الاخرى لكان ذلك طلقة رابعة- فان قيل روى انه ﷺ سئل عن قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ فاين الثالثة يا رسول الله قال او تسريح بإحسان- رواه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردويه من حديث ابى رزين الأسدي مرسلا وأخرجه الدارقطني من حماد بن سلمة عن قتادة عن انس متصلا وصححه ابن القطان وقال البيهقي ليس بشىء- ورواه ايضا الدارقطني والبيهقي من حديث عبد الواحد بن زياد عن إسماعيل عن انس وقالا جميعا الصواب عن إسماعيل عن ابى رزين عن النبي ﷺ مرسلا- قال البيهقي كذا رواه الجماعة عن الثقات وقال ابن القطان المسند ايضا صحيح قلنا قوله عليه السلام فى جواب اين الثالثة او تسريح بإحسان- معناه انه أحد احتماليه والله اعلم روى ابو داود فى الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نحلها وغيره لا يرى عليه جناحا فانزل الله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً اى من المهر خطاب مع الأزواج وقيل خطاب مع الحكام واسناد الاخذ والإيتاء إليهم لانهم آمرون بهما عند الترافع وهذا بعيد إِلَّا أَنْ يَخافا قرا الستة من القراء على البناء للفاعل اى يعلم الزوجان من أنفسهما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ تخاف «١» المرأة ان تعص الله فى امر زوجها- ويخاف الزوج اضاعة حقوقها
او انه إذا لم يطلق امرأته ان تعتدى عليه- وفى الكلام التفات من الخطاب
الى الغيبة وقرا ابو جعفر وحمزة ويعقوب يخافا على البناء للمفعول اى يخاف الحكام الزوجين وحينئذ ان مع صلته بدل اشتمال من ضمير يخافا فَإِنْ خِفْتُمْ ايها الحكام أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ اى افتدت المرأة نفسها به- قال الفراء أراد بقوله عليهما الزوج فقط دون الزوجة وانما ذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى نَسِيا حُوتَهُما وانما الناسي فتى موسى دون موسى- قلت والظاهر انه كما كان الجناح على الزوج فى أخذ المال بدليل قوله تعالى- لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً- الاية وقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً كذلك كان الجناح على الزوجة فى اعطائها المال على طلب الطلاق فان طلب الطلاق معصية لقوله ﷺ أيما امراة سالت زوجها الطلاق فى غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة- رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث ثوبان وإعطاء المال على المعصية حرام بل الإنسان ممنوع من إتلاف المال بغير حق يعنى بغير فائدة دينية او دنيوية وهذا هو المحمل لقوله عليه السلام المختلعات هن المنافقات- رواه الترمذي فاذا خيف منهما عدم اقامة حدود الله وارتكاب المعصية جاز لهما الاخذ والإعطاء هذا على تقدير خوف النشوز من الجانبين- اما إذا كان النشوز من جانب الزوج فقط فلا يحل له الاخذ قال صاحب الهداية يكره يعنى تحريما والحق انه يحرم لما تلونا ولعدم دليل الإباحة ولانه أخذ مال المسلم بغير حق وإمساكها لا لرغبة إضرار او تضيقا ليقتطع مالها- وان كان النشوز من جانبها يحرم عليها وعصت هى لا هو لما ذكرنا- وان لم يكن النشوز من جانب ولا يخافان ان لا يقيما حدود الله فلا يحل أخذ المال للزوج ولا طلب الطلاق وبذل المال للزوجة لكن يقع الخلع ويجب المال للزوج على الزوجة فى جميع الصور قضاء اجماعا خلافا للظاهرية لنا ان الخلع سواء كان طلاقا او فسخا فهو امر شرعى والناهي عن الأمور الشرعية يدل على الانعقاد والنفاذ حتى يتصور الابتلاء- وذهب المزني الى ان الخلع غير مشروع أصلا وهذه الاية منسوخة بقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ لاية والجواب انه ليس فى تلك الاية ذكر الاخذ والإعطاء بمعاوضة ملك النكاح برضاء الزوجين فلا تعارض ولا نسخ بدون التعارض والله اعلم واختلفوا فى ان الخلع هل هو طلاق او فسخ- فقال ابو حنيفة ومالك وهو المشهور من
صفحة رقم 307
قولى الشافعي انه طلاق وهو رواية عن احمد- وقال احمد وهو رواية عن الشافعي انه فسخ وليس بطلاق فمن قال انه فسخ لا ينقص عنده منه عدد الطلاق ولا يلحقه طلاق اخر ولا يرث أحدهما من الاخر فى العدة وبهذه الاية استدل كلا الفريقين وجه استدلال القائلين بانه فسخ ان الله سبحانه ذكر الطلقتين فى أول الاية ثم ذكر الخلع ثم ذكر الطلاق الثالث بقوله فان طلّقها فلا تحلّ له فلو كان الخلع طلاقا لزم كون عدد الطلاق أربعا وهذا الاستدلال مروى عن ابن عباس روى ابن الجوزي بسنده عن طاؤس قال سمعت ابراهيم بن سعيد يسئل ابن عباس عن رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه فقال ينكحها ان شاء انما ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها والخلع فيما بين ذلك- ورواه عبد الرزاق وروى الدارقطني عن ابن عباس الخلع فرقة وقالوا روى نافع مولى ابن عمر انه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء تخبر ابن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها الى عثمان فقال ان ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل فقال عثمان لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها الا انها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية ان يكون بها حبل- فقال ابن عمر عثمان خيرنا وأعلمنا- ووجه استدلالنا ان الله تعالى ذكر الطلاق المعقب للرجعة مرتين ثم ذكر افتداء المرأة وفى تخصيص اسناد الافتداء الى المرأة مع اقتضاء سوق الكلام الى اسناد الفعل إليهما وعدم وقوع الفرقة الا بفعل من الزوج دليل واضح على تقرير فعل الزوج على ما سبق وهو الطلاق فقد بين الطلاق بنوعيه بغير مال وبمال ثم قال فان طلّقها فلا تحلّ له- والفاء لفظ خاص للتعقيب
وقد عقب الطلاق الافتداء فان لم يقع الطلاق بعد الخلع تبطل موجب الفاء والقول بانه متصل باول الكلام وقوله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ الى قوله الظَّالِمُونَ معترض تحكّم وإخلال بنظم الكلام بلا دليل- وما قال الشافعي ان الله سبحانه ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها وذكر الخلع فيما بين ذلك ليس بشىء فانه لم يذكر الخلع والفسخ فى الكلام أصلا انما ذكر افتداء المرأة وسكت عن فعل الزوج فليس فعله الا ما ذكر من الطلاق فظهر ان الطلاق المذكور سابقا ان لم يكن بمال فهو رجعى وان كان بمال فهو بائن حتى يتحقق الافتداء ولا يجتمع البدل والمبدل منه فى ملك الزوج سواء كان ذلك بلفظ الطلاق او بلفظ الخلع او غيرهما مما يؤدى معناه وتسميته خلعا اصطلاح لم يثبت من القران والله اعلم-
ويدل على كون الخلع طلاقا سبب نزول هذه الاية وهو ان جميلة بنت عبد الله بن أبيّ امراة ثابت بن قيس (واخرج الدارقطني ان اسمها زينب قال ابن حجر لعل لها اسمين ووقع فى حديث آخر أن اسمها حبيبة بنت سهل قال ابن حجر والذي ظهر انهما قضيتين وقعتا له فى امرأتين لشهرة الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين) أتت رسول الله ﷺ فشكت اليه زوجها وارته اثارا من ضربه وقالت يا رسول الله لا انا ولا هو فارسل رسول الله ﷺ الى ثابت فقال مالك ولا هلك فقال والذي بعثك بالحق ما على وجه الأرض أحب الىّ منها غيرك قال لها ما تقولين فقالت يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثا ينزل عليك خلافه هو من أكرم الناس حنة لزوجته ولكن أبغضه فلا انا ولا هو- وروى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس ان امراة ثابت بن قيس أتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما اعيب عليه فى خلق ولا دين ولكنى اكره الكفر فى الإسلام قال رسول الله ﷺ أتردين حديقته قالت نعم قال رسول الله ﷺ اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- واخرج البيهقي من وجه اخر عن ابن عباس- ان جميلة أتت النبي ﷺ تريد الخلع فقال لها ما أصدقك قالت حديقة قال روى عليه حديقته- واخرج ابن جرير عن ابن عباس قال- أول خلع كان فى الإسلام- امراة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله لا يجتمع رأسى ورأس ثابت انى رفعت الخباء فرايته اقبل فى عدة فاذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها- فقال أتردين حديقته قالت «١» نعم وان شاء زدته ففرق بينهما واخرج ابو داود وابن حبان والبيهقي عن حبيبة بنت سهل انها كانت عند ثابت بن قيس فاتت النبي ﷺ فقالت لا انا ولا ثابت الحديث- واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال- نزلت هذه الاية فى ثابت بن قيس وفى حبيبة وكانت اشتكت الى رسول الله ﷺ فقال تردين عليه حديقته قالت نعم فدعاه يذكر ذلك قال ويطيب لى قال نعم قال قد فعلت فنزلت هذه الاية- فهذه القصة تدل على ان الخلع طلاق كما فى الصحيح انه ﷺ قال اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- فان قيل عمل الراوي على خلاف مروية ينزل على اصل ابى حنيفة منزلة الناسخ وما فى البخاري هو من رواية ابن عباس وقد
ذكر قول ابن عباس فيما سبق ان الخلع فرقة قلنا لعل ابن عباس زعم ان ثابتا طلق امرأته امتثالا لامر النبي ﷺ وصار هذا طلاقا على مال وليس بخلع ثم افتى بتأويل الاية ان الخلع فسخ فليس عمله على خلاف روايته على زعمه وحين قال ابن عباس كان هذا أول خلع فى الإسلام يحمل قوله على المجاز ولا يلزم علينا اتباع زعم ابن عباس- ومما يدل على كون الخلع طلاقا ما روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب ان النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة وهذا مرسل صحيح والمرسل عندنا حجة وقد حكم الشافعي بان مراسيل سعيد بن المسيب لها حكم الوصل قال فانى وجدتها مسانيد- وقد روى كون الخلع طلاقا عن ابن مسعود قال لا يكون طلقة بائنة الا فى فدية او إيلاء- رواه ابن ابى شيبة وكذا روى عن على ايضا- وروى عن أم بكرة انها اختلعت من زوجها فارتفعها الى عثمان فى ذلك فقال هى طلقة بائنة الا ان يكونا سميا شيئا فهو على ما سميت- رواه مالك وما قيل ان من رواة هذا الأثر جمها؟؟ ن لا يعرف قال ابن همام هو ابو العلى مولى الأسلميين ويقال مولى يعقوب القبطي تابعي روى عن سعد بن ابى وقاص وعثمان بن عفان وابى هريرة وأم بكرة وروى عنه عروة بن الزبير وموسى بن عبيدة الزبيدي وغيرهما ذكره ابن حبان فى الثقات- (مسئلة) اجمعوا على ان الخلع على الأكثر من الصداق صحيح بناء على عموم الاية لكن يكره عند ابى حنيفة واحمد وقال أكثرهم لا يكره وهو رواية جامع الصغير عن ابى حنيفة- وقد سبق الخلاف فى هذه المسألة بين الصحابة وجه الكراهة ما رواه ابو داود فى مراسيله وابن ابى شيبة وعبد الرزاق فى قصة امراة ثابت بن قيس ان رسول الله ﷺ قال لها أتردين عليه حديقته التي أصدقك قالت نعم وزيادة قال اما الزيادة فلا وأخرجه الدارقطني كذلك وقال قد أسنده الوليد عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس والمرسل أصح واخرج ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابى الزبير ان ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبيّ ابن «١» سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبي ﷺ أتردين عليه حديقته التي اعطاك قالت نعم وزيادة فقال النبي ﷺ اما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت نعم فاخذها له فخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم- قال ابن الجوزي اسناده صحيح وقال الدارقطني سمعه ابو الزبير من غير واحد واخرج الدارقطني بسنده عن عطاء ان النبي ﷺ قال لا يأخذ الرجل من المختلعة اكثر مما أعطاها- وروى ابن ماجة عن ابن عباس ان جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ الحديث وفيه فامره ان يأخذ حديقته ولا يزداد- فلا شك فى ثبوت هذه الزيادة بمرسل صحيح اعتضد بمسند ومرسل- وفى الباب اثر على لا يأخذ منها فوق ما أعطاها- رواه عبد الرزاق ووكيع نحوه- وما روى عبد الرزاق عن الربيع بنت معوذ انها اختلعت من زوجها بكل شىء تملكه فخوصم فى ذلك الى عثمان فاجازه وامره ان يأخذ عقاص رأسها فما دونها- وما روى عن نافع ان عمر جاءته مولاة لامراته اختلعت من كل شىء لها وكل ثوب حتى نقبتها فلا ينافى هذان الاثران القول بالكراهة لانهما يدلان على النفاذ قضاء ولم ينكره أحد- ووجه عدم الكراهة هذه الاية حيث قال الله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فان كلمة ما عام يشتمل القليل والكثير وشرط قبول الأحاديث من الآحاد أن لا يعارض الكتاب القطعي وقد عارضت- قلت وهذا مبنى على اصل ابى حنيفة ان العام قطعى الدلالة فى الشمول لا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد ولو قلنا بجواز التخصيص بخبر الآحاد لقلنا ان حكم الاية مخصوص بمقدار الصداق وما دون ذلك بتلك الأحاديث والله اعلم- وقد روى ما يدل على عدم الكراهة حديث ابى سعيد الخدري قال كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة الحديث وفيه قال عليه السلام تردين عليه حديقته ويطلقك قالت نعم وأزيده قال روى عليه حديقته وزيديه رواه ابن الجوزي لكن هذا الحديث لا يصح فيه عطية العوفى قال ابن حبان لا يحل كتب حديثه- وفيه الحسن بن عمارة قال شعبة هو كذاب تِلْكَ اشارة الى او امر الله ونواهيه حُدُودَ اللَّهِ يعنى ما منع عن المجاوزة عنه فَلا تَعْتَدُوها فلا تجاوزوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. (٢٢٨)
فَإِنْ طَلَّقَها بعد الثنتين وهو أحد محتملى قوله تعالى أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ خص الله سبحانه ذلك الاحتمال بحكم فقال فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك وبقي الاحتمال الثاني وهو الترك من غير تطليق الى انقضاء العدة على الأصل وهو حل النكاح مع الزوج الاول حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ يعنى تتزوج نكاحا صحيحا وانما قيدنا بالصحيح لان المطلق ينصرف
الى الكامل والتزوج والنكاح يجوز اسناده الى كل من الزوجين لانه ينعقد بالإيجاب والقبول وذا يصدر منهما- وبناء على ظاهر هذه الاية قال سعيد بن المسيب وداود ان عقد النكاح من غير جماع من الزوج الثاني يحل للزوج الاول- والإجماع انعقد على ان الوطي من الزوج الثاني شرط للحمل «١» ومن ثم قيل المراد بالنكاح فى الاية الجماع فانه فى اللغة بمعنى الجماع فان قيل هذا لا يستقيم فان الوطي فعل الزوج والمرأة محله فاسناده الى المرأة لا يجوز قلنا يجوز تجوزا والاية لا تخلوا عن التجوز فان كان النكاح بمعنى العقد فالتجوز فى لفظ الزوج بناء على ما يؤل اليه وان كان بمعنى الوطي فالتجوز فى الاسناد ويمكن ان يقال المراد بالنكاح تمكينها من الوطي مجازا- والباعث على هذا الإجماع وتأويل الاية بهذه التأويلات البعيدة حديث عائشة قالت دخلت امراة رفاعة القرظي وانا وابو بكر عند النبي ﷺ فقالت ان رفاعة طلقنى البتة وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى وانما عنده مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فتبسم رسول الله ﷺ وقال كانك تريدين الرجوع الى رفاعة لا حتى تذوقين عسيلته ويذوق عسيلتك رواه الجماعة وفى لفظ فى الصحيحين انها كانت تحت رفاعة فطلقها اخر ثلاث طلقات- وفى المؤطا انا مالك عن المسور ابن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير- ان رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا فى عهد رسول الله ﷺ فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع ان يمسها ففارقها فاراد رفاعة ان ينكحها فنهاه رسول الله ﷺ فقال لا يحل لك حتى تذوق العسيلة- وروى الجماعة من حديث عائشة انه ﷺ سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل ان يواقعها أتحل لزوجه الاول قال لا حتى ذاق الاخر من عسيلتها ما ذاق الاول- واخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال نزلت هذه الاية فى عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وانها كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها فاتت النبي ﷺ فقالت انه طلقنى قبل ان يمسنى أفأرجع الى الاول قال لا حتى تمس ونزل
فيها فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها بعد ما جامعها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا- ذكر البغوي انه روى انها لبثت ما شاء الله ثم رجعت الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ان زوجى مسنى فقال لها رسول الله ﷺ كذبت بقولك الاول فلن نصدقك فى الاخر فلبثت ما شاء الله حتى قبض النبي ﷺ فاتت أبا بكر وقالت ان زوجى مسنى وطلقنى فقال لها ابو بكر قد شهدت رسول الله ﷺ حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعى فلما قبض ابو بكر أتت عمرو قالت له مثل ذلك فقال عمر لان رجعت لارجمنك- وعلى تقدير تأويل النكاح بالتزويج يكون بهذا الحديث زيادة على الكتاب والزيادة على الكتاب بخبر الآحاد جائز عند الشافعي وغيره لكن يشكل ذلك على اصل ابى حنيفة فان عنده لا يجوز ذلك- فقيل فى توجيه مذهب ابى حنيفة ان الحديث المشهور يجوز به الزيادة على الكتاب وليس كذلك فان الحديث من الآحاد لكن يمكن ان يقال انه لما انعقد الإجماع على وفق هذا الحديث وتلقته جمهور الامة بالقبول التحق الحديث بالمشهور فيجوز به الزيادة على الكتاب فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني بعد الوطي فَلا جُناحَ عَلَيْهِما اى على المرأة والزوج الاول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد يدل على ذلك اسناد الفعل إليهما بخلاف ما مر من قوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ حيث أسند الفعل هناك الى البعولة بانفرادهم إِنْ ظَنَّا رجعا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ولا يمكن هاهنا تفسير الظن بالعلم لعدم إمكان العلم بالغيب ولان ان الناصبة للتوقع وهو ينافى العلم- (مسئلة) اجمعوا على ان الوطي من الزوج الثاني يهدم الطلقات الثلاث من الزوج الاول- فان عادت اليه يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث اجماعا- واختلفوا فى انه هل يهدم ما دون الثلاث ايضا أم لا- اعنى ان طلق الزوج الاول طلقة او طلقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج اخر بنكاح صحيح ثم طلقها الثاني بعد الوطي وانقضت العدة ثم رجعت الى الزوج الاول هل يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث او يملك ما بقي بعد الطلقة او الطلقتين- فقال ابو حنيفة وأبو يوسف يهدم مادون الثلاث ايضا ويملك الزوج الاول ثانيا الطلقات الثلاث بتمامها وقال محمد لا يهدم ما دون الثلاث لان الله سبحانه جعل الوطي من الزوج الثاني غاية الحرمة المغلظة الحاصلة
صفحة رقم 313التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي