ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚ

فإن طلقها بعد الثنتين وهو أحد محتملي قوله تعالى : أو تسريح بإحسان خص الله سبحانه ذلك الاحتمال بحكم فقال فلا تحل له من بعد ذلك وبقي الاحتمال الثاني وهو الترك من غير تطيق إلى انقضاء العدة على الأصل وهو حل النكاح مع الزوج الأول حتى ينكح زوجا غيره يعني تتزوج نكاحا صحيحا وإنما قيدنا بالصحيح لأن المطلق ينصرف إلى الكامل والتزوج والنكاح يجوز إسناده إلى كل من الزوجين لأنه ينعقد بالإيجاب والقبول وذا يصدر منهما، وبناء على ظاهر هذه الآية قال سعيد بن المسيب وداود : إن عقد النكاح من غير جماع من الزوج الثاني يحل للزوج الأول، والإجماع انعقد على أن الوطء من الزوج الثاني شرط للحل، ومن ثم قيل المراد بالنكاح في الآية الجماع فإنه في اللغة بمعنى الجماع. فإن قيل : هذا لا يستقيم فإن الوطء فعل الزوج والمرأة محله فإسناده إلى المرأة لا يجوز ؟ قلنا : يجوز تجوزا أو الآية لا تخلو عن التجوز فإن كان النكاح بمعنى العقد فالتجوز في لفظ المراد بالنكاح تمكينا من الوطء مجازا، والباعث على هذا الإجماع وتأويل الآية بهذه التأويلات البعيدة حديث عائشة قالت : دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا أبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن رفاعة طلقني البتة وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما عنده ميثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" كأنك تريدين الرجوع إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقين عسيلته ويذوق عسيلتك " رواه الجماعة، وفي لفظ في الصحيحين أنها كانت تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث طلقات، وفي الموطأ نا مالك عن المسور ابن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع أن يسمها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحها فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" لا يحل لك حتى تذوق العسيلة " وروى الجماعة من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجه الأول قال :" لا حتى ذاق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول " وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال : نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وأنها كانت عند رفاعة بن وهب بن ع تيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى الأول ؟ قال :" لا حتى تمس " ونزل فيها فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها بعدما جامعها فلا جناح عليه أن يتراجعا ذكر البغوي أنه روي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالت : يا رسول الله إن زوجي مسني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الأول فلن نصدقك في الآخر، فلبثت ما شاء الله حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت أبا بكر وقالت : إن زوجي مسني وطلقني فقال لها أبو بكر قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي، فلما قبض أبو بكر أتت عمر وقالت له مثل ذلك فقال عمر لئن رجعت لأرجمنك، وعلى تقدير تأويل النكاح بالتزويج يكون بهذا الحديث زيادة على الكتاب والزيادة على الكتاب بخبر الآحاد جائز عند الشافعي وغيره لكن يشكل ذلك على أصل أبي حنيفة فإن عنده لا يجوز ذلك، فقيل في توجيه مذهب أبي حنيفة أن الحديث المشهور يجوز به الزيادة على الكتاب وليس كذلك فإن الحديث من الآحاد لكن يمكن أن يقال إنه لما انعقد الإجماع على وفق هذا الحديث وتلقته جمهور الأمة بالقبول التحق الحديث بالمشهور فيجوز به الزيادة على الكتاب فإن طلقها الزوج الثاني بعد الوطء فلا جناح عليهما أي على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد يدل على ذلك إسناد والفعل إليهما بخلاف ما مر من قوله تعالى : وبعولتهن أحق بدرهن حيث أسند الفعل هناك إلى البعولة بانفرادهم إن ظنا رجعا أن يقيما حدود الله ولا يمكن ههنا تفسير الظن بالعلم لعدم إمكان العلم بالغيب ولأن أن الناصبة للتوقع وهوينا في العلم.
مسألة : أجمعوا على أن الوطء من الزوج الثاني يهدم الطلقات الثلاث من الزوج الأول، فإن عادت إليه يملك الزوج الأول الطلقات الثلاث إجماعا، واختلفوا في أنه هل يهدم ما دون الثلاث أيضا أم لا ؟ أعني إن طلق الزوج الأول طلقة أو طلقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر بنكاح صحيح ثم طلقها الثاني بعد الوطء وانقضت العدة ثم رجعت إلى الزوج الأول هل يملك الزوج الأول الطلقات الثلاث أو يملك ما بقي بعد الطلقة أو الطلقتين ؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف يهدم ما دون الثلاث أيضا ويملك الزوج الأول ثانيا الطلقات الثلاث بتمامها، وقال محمد لا يهدم ما دون الثلاث لأن الله سبحانه جعل الوطء من الزوج الثاني غاية للحرمة المغلظة إلى الحاصلة بالطلقات الثلاث في قوله : فلا تحل له من بعد حتى تنكح فكان منهيا لها ولا إنهاء قبل الثبوت، ولنا أن في هذه الآية جعل الله سبحانه الطلاق من الزوج الثاني بعد الوطء موجبا للحل للزوج الأول حيث قال : فلا جناح عليهما أن يتراجعا وكذا قوله صلى الله عليه وسلم :" لعن الله المحلل والمحلل له " جعل الزوج الثاني محللا للزوج الأول والأصل في الحل الحل كله فيملك ثلاث تطليقات، وأيضا إذا كان الوطء من الزوج الثاني هادما للحرمة الغليظة كان هادما للحرمة الخفيفة بالطريق الأولى والله أعلم.
مسألة : اختلفوا في أنه بعد ما طلق الزوج الأول ثلاثا لو نكح المرأة زوجا آخر واشترطت منه أن يطلقها فطلقها بعد الوطء وانقضت عدتها ؟ فقال أبو حنيفة : حلت للأول لوجود الدخول في نكاح صحيح والنكاح لا يبطل بالشروط وعن محمد أنه يصح النكاح لما بينا ولا يحلها على الأول لأنه استعجل ما أخره الشرع فيجازى بمنع مقصوده كما في قتل الموروث، وقال أحمد ومالك وأبو يوسف لا يصح النكاح لا يحل للزوج الأول لفقدان الشرط وهو النكاح الصحيح، احتجوا على عدم الصحة بحديث ابن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، رواه الدارمي وقال الترمذي صحيح ورواه ابن ماجه عن علي وابن عباس وعقبة بن عامر، قلنا : هذا حجة لنا لا علينا فإنه عليه السلام جعله محللا فيدل على ثبوت الحل وذلك يقتضي صحة النكاح غير أنه يدل على كون الزوج مرتكبا لأمر محرم ونحن نقول به فإن تزوجها ولم يشترط ذلك إلا أنه كان في عزمه صح النكاح عند أبي حنفية وصاحبيه والشافعي، وقال مالك وأحمد لا يصح ولا خلاف في كراهته، قال البغوي : قال نافع : أتى رجل ابن عمر فقال إن رجلا طلق امرأته ثلاث فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال : لا إلا نكاح رغبة كما نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له وتلك حدود الله أي الأحكام المذكورة يبينها لقوم يعلمون يفهمون ويعملون بمقتضى العلم.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير