٨٤- قال الشافعي : قال الله تعالى : وَأَحَلَّ اَللَّهُ اَلْبَيْعَ وَحَرَّمَ اَلرِّبَاواْ وقال : لا تأكلوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ (١). فكل بيع كان عن تراض من المتبايعين جائز من الزيادة في جميع البيوع، إلا بيعا حَرَّمَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا الذهب والورق يَدًا بِيَدٍ، والمأكول والمشروب في معنى المأكول. فكل ما أكل الآدميون وشربوا، فلا يجوز أن يباع شيء منه بشيء من صنفه إلا مثْلا بمثل، إن كان وزنا فوزن، وإن كان كيلا فكيل، يدا بيد، وسواء في ذلك الذهب والورق، وجميع المأكول، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع بينهما، وكذلك بيع العرايا(٢) لأنها من المأكول، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع بينهما.
وإذا اختلف الصنفان مما ليس في بعضه ببعض الربا، فلا بأس بواحد منه باثنين أو أكثر، يدا بيد ولا خير في نَسِئَةٍ(٣). وإذا جاز الفضل في بعضه على بعض، فلا بأس بجزاف(٤) منه بجزاف، وجزاف بمعلوم.
وكل ما أكله الآدميون دواء فهو في معنى المأكول مثل : الإهليلج(٥)، والثفاء(٦)، وجميع الأدوية. قال : وما عدا هذا مما أكلته البهائم ولم يأكله الآدميون مثل : القرظ(٧)، والقضب(٨)، والنوى(٩)، والحشيش، ومثل العروض التي لا تأكل مثل : القراطيس(١٠)، والثياب وغيرها، ومثل الحيوان فلا بأس بفضل بعضه على بعض، يدا بيد.
ونسيئة تباعدت أو تقاربت، لأنه داخل في معنى ما أحل الله من البيوع، وخارج من معنى ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل بعضه على بعض، وداخل في نقى إحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه من بعده.
قال الشافعي : أخبرنا الثقة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ(١١).
قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر : أنه باع بعيرا له بأربعة أبعرة مضمونة عليه بالرَّبذة(١٢).
قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن صالح بن كيسان(١٣)، عن الحسن بن محمد بن علي(١٤) : أن عليا ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه باع بعيرا يقال له عصي فير بعشرين بعيرا إلى أَجَلٍ(١٥).
قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أنه قال : لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن المضامين(١٦)، والملاقيح(١٧)، وحبل الحبلة(١٨).
قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن ابن شهاب : أنه سئل عن بعير ببعيرين إلى أجل فقال : لا بأس به(١٩). ( الأم : ٣/٣٦-٣٧. ون أحكام الشافعي : ١/١٣٥-١٣٦. والرسالة ص : ٢٣٢. )
٢ - بيع العرايا في الشرع: هو بيع رطب في رؤوس نخلة بتمر كيلا. ج: عرية. ن القاموس الفقهي..
٣ - ربا النسيئة: هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل. ن القاموس الفقهي..
٤ - الْجُِزاف: الشيء لا يعلم كيله، أو وزنه. وهو فارسي معرب. ن القاموس الفقهي..
٥ - الإهليلج: وهو أربعة أصناف وقيل أنها شجرة واحدة وأن حكم ثمرتها كالنخلة. ن تذكرة أولي الألباب لداود الأنطاكي: ١/١٥٥. ويقال له: الصيني وكابلي وهندي وشعيري. ن ضياء النبراس ص: ٢٣. للعلامة عبد السلام العلمي..
٦ - الثُّفَّاء: الخرذل ويقال الحُرف، وقيل حب الرشاد. ن اللسان: ثفى..
٧ - القَرَظُ: حمل الشوكة المصرية المعروفة بأم غيلان والسنط. ن التذكرة: ١/٥٨١. وهو المعروف عند أهل فاس ب بقيقلان الأذكياء. ن ضياء النبراس ص: ١٠٥..
٨ - القضب: هو سائر العلف أو هو الفصفصة. ن التذكرة: ١/٥٨٦. ون ضياء النبراس ص: ١٠٦..
٩ - النوى: كل عجم صلب داخل الثمرة، وقد يطلق على نوى التمر. وكل مع ثمرته. ن التذكرة: ١/٧١٢..
١٠ - القراطيس: ج قرطاس وهو المعمول من البردي وأصول البشنين. ن التذكرة: ١/٥٨٠..
١١ - روى مسلم في المساقاة (٢٢) باب: جواز بيع حيوان بالحيوان (٢٣) (ر١٦٠٢) عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد. فجاء سيده يريده. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :«بعنيه» فاشتراه بعبدين أسودين. ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله «أعَبْدٌ هو».
ورواه أبو داود في البيوع والإجارات (١٧) باب: في ذلك إذا كان يدا بيد (١٧) (ر٢٣٥٨).
ورواه الترمذي في البيوع (١١) باب: ما جاء في شراء العبد بالعبدين (٢٢) (ر١٢٣٩).
ورواه النسائي في البيعة (٣٩) باب: بيعة المماليك (٢١) (ر٤١٩٥)، وفي البيوع (٤٤) باب: بيع الحيوان بالحيوان يدا بيد تفاضلا (٦٦) (ر٤٦٣٥).
ورواه ابن ماجة في الجهاد (٢٤) باب: البيعة (٤١) (٢٨٦٩).
ورواه الشافعي في المسند (ر١٥٦٣)..
١٢ - روى مالك في البيوع (٣١) باب: ما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض (٢٥) (ر٦٠) عن نافع أن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة.
ورواه البيهقي في البيوع باب: بيع الحيوان وغيره مما لا ربا فيه ٥/٢٨٨.
ورواه الشافعي في المسند (ر١٥٦٨). والربذة قرية قرب المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري..
١٣ - صالح بن كيسان المدني. رأى ابن عمر، وسمع عروة، والزهري. وعنه: ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، والدراوردي. ثقة جامع للفقه والحديث والمروءة. قال أحمد: هو أكبر من الزهري بخ بخ. الكاشف: ٢/٢٣. ون التهذيب: ٤/٢٣. وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه..
١٤ - الحسن بن محمد بن الحنفية. عن: أبيه، وابن عباس، وعدة. وعنه: الزهري، وموسى بن عبيدة. وهو أول المرجأة، ألف في ذلك. قال عمر بن دينار: أنا الحسن بن محمد، ولم أر أحدا قط أعلم منه. ت سنة: ٩٥هـ. الكاشف: ١/١٨٢. ون التهذيب: ٢/٢٩٤. وقال في التقريب: ثقة فقيه..
١٥ - رواه مالك في البيوع (٣١) باب: ما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض (٢٥) (ر٥٩).
ورواه البيهقي في البيوع باب: بيع الحيوان وغيره مما لا ربا فيه ٥/٢٨٨. والشافعي في المسند (ر١٥٦٧)..
١٦ - بيع المضامين في قول جماهير العلماء: هو بيع ما في أصلاب الفحول من الماء. وعند المالكية والأباضية: هو بيع ما في بطون الإبل. ن القاموس الفقهي..
١٧ - بيع الملاقيح شرعا: هو بيع ما في البطون من الأجنة. ن القاموس الفقهي..
١٨ - بيع حَبَلِ الْحَبَلَةِ: هو بيع ولد الولد الذي في بطن الناقة وغيرها. وفي الحديث الشريف: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة. لأنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور على تسليمه. والحديث متفق عليه. ن القاموس الفقهي..
١٩ - روى مالك في البيوع (٣١) باب: ما يجوز من بيع الحيوان (٢٥) (ر٦١) أنه سأل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل؟ فقال: لا بأس بذلك..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي