ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( ٢٧٥ )
كانت الآيات الكريمات من قوله تعالى :[ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة... ٢٦١ ] ( البقرة ) إلى هذه الآية الكريمة [ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ] كلها في الصدقات، بينت مقاصدها، وبينت آفاتها، وبينت وعاءها، وما يكون الإنفاق منه، ثم بينت مواضع الصدقات، وما ينبغي الإنفاق فيه، وفي هذه الآية الكريمة يبين سبحانه قبح الربا، وإن المناسبة بين الإنفاق في سبيل الله والربا، هي المناسبة بين الضدين، فإنه إذا تذكر الشخص أحد الضدين سبق إلى ذهنه ضده، وإن التضاد ثابت بين الإنفاق في سبيل الجماعة والربا من عدة نواح : من ناحية النفس التي ينبعث منها الربا، والنفس التي تنبعث منها الصدقة، فنفس الربوي نفس محب لذاته يريد أن يحتاز كل شيء، ونفس المنفق في سبيل الله نفس محب للناس ألوف، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ومن ناحية الحقيقة، فالربا أكل لأموال الناس بالباطل، والإنفاق بذل لمال النفس في سبيل الغير ورفعة شأن الجماعة، وأكل أموال الناس نقيض لإعطاء الناس من حر ماله. ومن ناحية النتيجة فالربا يقطع التعاون بين الناس، أو يكون التعاون قائما على الإثم والعدوان، بينما الإنفاق في سبيل الله يقيم التعاون بين الجماعة والآحاد على أساس من الفضيلة، والبر والتقوى، ثم الربا يوجد قلق المرابي، والصدقة توجد اطمئنانا وقرارا.
فالربا والإنفاق في سبيل الله نقيضان لا يجتمعان، ولذا جعلهما سبحانه وتعالى متقابلين تقابل الأضداد، في قوله تعالى :[ وما آتيتم من ربا فليربو في أموال الناس فلا يربوعند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ٣٩ ] ( الروم ).
و قد ابتدأ سبحانه في بيان حقيقة الربا وحكمه ببيان أثره في نفس المرابي، ليعلم كل إنسان أن أثره شر في نفس صاحبه، وأن أول من يناله الضرر هو المرابي نفسه، فهو بمقدار ما يكثر من مال يكثر من الهموم، ولذا قال سبحانه :
[ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ] فهذه الجملة السامية تصوير لحال المرابي، واضطراب نفسه، وقلقه في حياته ؛ فالله سبحانه وتعالى يمثل المرابي في قلقه المستمر وانزعاجه الدائم بحال الشخص الذي أصيب بجنون واضطراب، فهو يتخبط في أموره وفي أحواله، وهو في قلق مستمر. ومعنى التخبط الضرب في غير استواء، ولذا قيل في المثل : خبط عشواء. والمعنى على هذا أن الذين يأكلون الربا، ويتخذونه سبيلا من سبل الكسب هم في حال لا يقرون فيها ولا يطمئنون، فلا يقومون ولا يتحركون إلا وهم المال قد استولى على نفوسهم، والخوف عليه من الضياع مع الحرص الشديد قد أوجد قلقا نفسيا دائما في عامة أحوالهم، فهم كالمتخبط بسبب ما مسه الشيطان.
و إن تشبيه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان فيه إشارة إلى أن الشيطان قد يمس نفس الإنسان فيصيبه. وقد أنكر ذلك الزمخشري في تفسيره، وخرج الآية الكريمة على غير المعنى الذي يفيد هذا فقال في الكشاف في هذا التعبير الكريم : وتخبط الشيطان من زعمات العرب، فورد على ما كانوا يعتقدون، والمس الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم وأن الجني من يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.
و إن هذا الكلام يفيد بفحواه أن العرب يزعمون صلة بين الجنون والجن، وأنه من مس شياطين الجن، وأن القرآن ورد التعبير فيه على مثل ما كانوا يعبرون، وإن لم يكن ذلك حقيقة مقررة في الإسلام عند الزمخشري.
و لكن وردت أحاديث تفيد أن الشيطان يمس الإنسان، ويكون لمسه أثر في فكره وعقله، فهل نترك ظواهر هذه الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي :" اللهم أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا " (١).
و في الحق إن البحوث الروحية التي يجريها العلماء الآن في أوروبا أثبتت أن الشياطين من الجن تخبط نفس الإنسان أو تمسها فيكون الجنون، وأن تلك العبارات التي كانت تجري على ألسنة العرب حقائق ثابتة الآن، فلا يسوغ لنا أن نؤول القرآن الكريم بغير ظاهره، لإنكار لا دليل عليه.
و إن ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا التمثيل هو لبيان حالهم في الدنيا، فهو تصوير لاضطرابهم وقلقهم وتخبطهم في حياتهم، وإن بدوا منظمين فهو تنظيم مادي، ومعه القلق النفسي، والانزعاج المستمر.
هذا هو ظاهر الآية، وبه قال بعض المفسرين، ولكن قال الزمخشري ومع الكثيرون : إن ذلك التخبط من أكلة الربا هو يوم القيامة، فقال في الكشاف :" المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين ؛ تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، ينهضون ويسقطون كالمصروعين ؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ". ونرى من هذا أن الكشاف يقصر تلك الحال التي صورها التمثيل على الآخرة. وإني أرى أنه يصور حالهم في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا في قلق مستمر، وفي الآخرة تثقلهم سيئاتهم فيتخبطون، وكأنهم المصروعون.
و لا عجب في أن تكون تلك حالهم في الدنيا، فالربويون أكثر الناس تعرضا للأزمات القلبية، كما يعرضون الجماعات للأزمات الاقتصادية، ولقد قرر الأطباء أن نسبة ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والشلل والذبحة الصدرية عند الربويين أضعافها عند غيرهم، وما علمت ربويا مات إلا سبقه الشلل أو أخواته قبل أن يجيء إليه الموت ليستقبل نار جهنم، وذلك لأنهم [ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ] والله أصدق القائلين.
و الربا معناه واضح يفهمه العامة، وهو الزيادة في الدين في نظير الأجل، ولكن الذين يحاولون تطويع الشريعة لتكون أمة ذليلة للاقتصاد الربوي عقدوا معنى الربا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولذلك وجب أن نتكلم بإيجاز في معنى هذه الكلمة.
أصل الربا من " ربا " يربو بمعنى " زاد "، أو " نما "، ثم أطلقت كلمة ربا على ذلك النوع من التداين، وهو أن يزيد المدين في الدين في نظير الزيادة في الأجل، وقد صار إطلاق كلمة الربا على هذا المعنى حقيقة لغوية، أو هو عرف لغوي، وهذا هو الربا المذكور في قوله :[ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة... ١٣٠ ] ( آل عمران )، وقوله تعالى :[ وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله... ٣٩ ] ( الروم ) وقوله صلى الله عليه وسلم :" ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب " (٢) وهذا الربا يسمى ربا النسيئة ؛ ولقد ورد في الأثر ( إنما الربا النسيئة ) (٣) ولم يشك أحد من الفقهاء في أن هذا محرم، فتحريمه ثابت بالنص القرآني، والحديث النبوي، والإجماع الفقهي، ولقد سئل الإمام أحمد عن الربا المحرم قطعا : فقال رضي الله عنه : أن تزيد في الدين في نظير الزيادة في الأجل.
و هناك نوع سمي الربا في الشرع الإسلامي، لا في الحقيقة اللغوية، وهو ربا العقود، الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم :" الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء " (٤).
و هذا النوع من الربا لم يكن معروفا في الجاهلية، بل هو حقيقة إسلامية وردت في مقام النهي، ولذا يقسم الجصاص الربا قسمين : ربا غير اصطلاحي، وهو ربا الجاهلية عرفته اللغة، ولا مجال للريب فيه، وربا اصطلاحي، وهو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه.
و مع وضوح معنى الربا الجاهلي ذلك الوضوح، وهو الذي جاء بتحريمه القرآن الكريم، وجدنا ناسا يحاولون أن يشككوا الناس في حقيقته، ليحلوا بذلك التشكيك ربا المصارف، وقد سلكوا للتشكيك مسلكين :
أولهما : أن قوله تعالى :[ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة... ١٣٠ ] ( آل عمران ) فهموا منه أو بالأحرى حاولوا أن يفهموا الناس أن الربا المحرم هو ما يكون بمضاعفة الدين، وما دون ذلك حلال، وأهملوا قوله تعالى :[ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ٢٧٩ ] ( البقرة ) مع أن قوله تعالى :[ أضعافا مضاعفة ] حال من ( الربا ) وهو الزيادة، أي لا تأكلوا تلك الزيادة التي تتضاعف عاما بعد عام، فالمضاعفة في الزيادة لا في أصل الدين، وفوق ذلك فالوصف جار مجرى الواقع من تكرار الزيادة حتى تصل إلى قدر الدين أو تزيد. ثم إنه من المقرر فقها أن النهي إذا ورد عاما ثم جاء نهي في بعض أفراد هذا العام لا يكون ثمة تعارض حتى يخصص العام، بل أقصاه أن بعض أفراد العام ورد فيه النهي مرتين، فله فضل تأكيد، وكذلك الأمر، كما في قوله تعالى :[ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى... ٢٣٨ ] ( البقرة ).
المسلك الثاني من مسالك التشكيك أنهم قالوا : إن الربا المحرم هو ما قصد فيه المقترض أن يستدين للاستهلاك لا للاستغلال، فمن يقترض لشراء حاجات لازمة لنفسه أو أهله لا يصح أن يؤخذ منه زيادة نظير الأجل، ومن اقترض ليوسع تجارته، أو ليصل زراعته، فهو مستغل بما اقترض، فالزيادة لا تكون الربا، بل هي مشاركة في الربح.
ذلك قولهم بأفواههم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وإنه ينقض ذلك الزعم أمران :
أحدهما : عموم النص القرآني، فهو عام في كل قرض قد جر زيادة فوق رأس المال، بدليل [ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم... ٢٧٩ ] ( البقرة ).
و ثانيهما : أن الذين كانوا يقرضون تجارا، وكانت ربا الجاهلية في مكة التي اشتهرت بالتجارة، وكان تجارها ينقلون بضائع الروم، وكانت اليمن والشام فيهما الجلب والعرض، كما قال تعالى :[ لإيلاف قريش ١ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ٢ ] ( قريش ) فشيوع الربا في ذلك الجو التجاري يدل على أنه كان ثمة ربا استغلال، وأن ربا الاستهلاك والاستغلال كلاهما حرام.
و لا يصح أن يسمى ربا الاستغلال مشاركة في الربح ؛ لأن أصول المشاركة أن يكون ثمة شركة في المغنم والمغرم معا، لا أن تكون الشركة في المغنم دون المغرم.
هذه حقيقة الربا، وهي واضحة إلا عند الذين يتقبلون تشكيك المشككين وقد كان أهل الجاهلية يسوغون الربا مع إحساسهم الفطري بأنه ليس أمرا حسنا، وكانوا يسوغونه بعقد المشابهة بينه وبين البيع، ولذا قال الله تعالى فيهم وفي الرد عليهم :
[ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ] لقد عقد أولئك المشركون مقايسة بين البيع والربا، فقالوا : إن البيع يماثل الربا، فكما أن كسب البيع حلال، فكسب الربا حلال أيضا، ولا فرق بينهما في نظرهم الكليل، كالذين قالوا مقالتهم في ظل الإسلام، لا في حكم الجاهلية. ولكن ما الوصف الجامع في نظرهم بين البيع والربا ؟ لعلهم نظروا إلى أن البيع قد يكون في

١ رواه النسائي : الاستعاذة – الاستعاذة من التردي والهدم ( ٥٤٣٦) عن أبي اليسر، وأبو اليسر هو كعب بن عمرو بن عباد الأنصاري توفي ٥٥ هـ. وعنه أيضا رواه أبو داود : الصلاة – الاستعاذة ( ١٣٢٨ )، وأحمد : مسند المكيين ( ١٤٩٧٥ )..
٢ جزء من حديث طويل رواه مسلم : الحج – حجة النبي صلى الله عليه وسلم ( ٢١٣٧ )، وأبو داود في المناسك – صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ( ١٦٢٨ )، وابن ماجه : المناسك ( ٣٠٦٥ )، وأحمد : أول مسند البصريين ( ١٩٧٧٤ )..
٣ رواه البخاري : البيوع – بيع الدينار بالدينار نساء ( ٢٠٣٣ )، ومسلم واللفظ له : المساقاة – بيع الطعام مثلا بمثل ( ٢٩٩١ )..
٤ رواه مسلم : المساقاة – الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ( ٢٩٧١ )، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. كما رواه أحمد والنسائي بمثل هذا..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير