بدل على أنه في ملك الزائر على كل حال، فلأجل معنى الشرط في الصلة (١) والصفة ما دخلت الفاء في آخر الكلام. والفاء في هذه الآية دلت على أن الأجر إنما استحق عن الإنفاق، والفاء في مثل هذا الموضع للاتباع دون العطف، وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى الفاء، فدخلت الفاء في جواب الشرط توصلًا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام الذي يجوز أن يبتدأ به ولو لم تدخل الفاء لم يرتبط آخر الكلام بأوله، ولم يوجد هذه المعنى إلا في الفاء وحدها، فلذلك اختصوها من بين حروف العطف، فلم يقولوا: إن تحسن إلي والله يكافيك، ولا: ثم الله يكافيك (٢).
٢٧٥ - قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا يريد: الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، لكنه (٣) نبه بالأكل على ما سواه (٤).
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: رَبَا الشيءُ يَرْبُو رَبْوًا، ومنه قوله:
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٨٧، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٥٨، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٠٣، "مشكل إعراب القران" ١/ ١٤٢، "التبيان" ص ١٦٤، "البحر المحيط" ٢/ ٣٣١.
(٣) في (ي) ولكنه.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٠٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٠٥، "تفسير السمعاني" ٢/ ٤٥٢.
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] أي: زادت، وأرْبى الرجل، إذا عامل في الربا، ومنه الحديث: "من أجْبَى فقد أربى" (١) أي: عامل بالربا، والإِجْبِاءُ: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة (٢).
فأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع (٣).
وما يجري فيه الربا مما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا لا يمكن ذكره هاهنا، يطول الكلام فيه (٤).
وقوله تعالى: يَقُومُونَ يعني: يوم القيامة من قبورهم (٥).
(٢) ينظر: في الربا: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٣٤ - ١٣٣٥، "المفردات" ص١٩٣، "اللسان" ٣/ ١٥٧٢ - ١٥٧٤.
(٣) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، "تفسير القرطبي" ٣/ ٣٤٨.
(٤) ينظر: "الأم" ٣/ ١٥ - ٣١، و"اختلاف الفقهاء" للمروزي ص ٢٤٦، و"المجموع" ٩/ ٤٠١، و"أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، و"تفسير القرطبي" ٣/ ٣٤٨ وما بعدها.
(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٠٩.
إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ والتَّخَبُّطُ: معناه: الضَّرْبُ على غير استواءِ، وخَبَطَ البَعِيرُ الأرضَ بأخفافه، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: تَخَبَّطَ خَبْطَ عشْواءٍ، قال زهير:
| رأيتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْوَاءَ من تُصِبْ | تُمِتْهُ وَمَنْ تخطئ يُعمّر فيهرَمِ (١) |
والمَسُّ: الجنونُ، يقال: مُسَّ الرجلُ فهو مَمْسُوس، وبه مَسٌّ وأَلْسٌ، أنشد ابن الأنباري:
| أُعلّلُ نَفْسِي بما لا يكونُ | كذِي المَسِّ جُنّ ولم يخنق (٣) |
(٢) ينظر في خبط: "تهذيب اللغة" ١/ ٩٧٨ - ٩٧٩، "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٢٤١، "المفردات" ١٤٨، "اللسان" ٢/ ١٠٩٣ - ١٠٩٥.
(٣) جاء في: "البيان والتبيين" ١/ ٣٨٨ بيتًا شبيهًا بهذا وهو:
| أعلل نفسي بما لا يكون | كما يفعل المائق الأحمق. |
فأما التفسير: فقال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا، وذلك عَلَم لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف، يُعْلَم أنهم أكلة الربا في الدنيا، يبعثون وبهم خبْلٌ من الشيطان (١). قال الزجاج: لا يقومون في الآخرة إلا كما يقوم المجنون من حال جنونه (٢). فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بجنون.
وقال ابن قتيبة: يريد: أنه إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين، لقوله: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا [المعارج: ٤٣] إلا أكلةُ الرِّبا، فإنهم يقومون فيسقطون، كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ويسقط؛ لأنهم أكلوا الرِّبَا في الدنيا فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فهم ينهضون ويسقطون، ويريدون الإسراع فلا يقدرون (٣)، وهذا المعنى غير الأول؛ لأنه يريد أن أكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي، كالذي خَبَّله الشيطان وأصابه (٤) بخبل في أعضائه من عَرَجٍ أو زَمَانة، فهو يقوم ويسقط، وهذا ليس من الجنون في شيء، والأول قول أهل التفسير، ويؤكد هذا الثاني: ما روي في قصة الإسراء: أن النبي - ﷺ - انطلق به جبريل إلى
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١١٠، والطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠٢، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٤.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٥٨.
(٣) ذكره ابن الجوزي عنه في "زاد المسير" ١/ ٣٣٠.
(٤) في (ي) (فأصابه).
رجال كثيرٍ، كلُّ رجلٍ منهم بطنُهُ مثلُ البيتِ الضَّخْم، يقومُ أحدُهم فيميل به بطنه فيصرع (١)، قال: قلت: "يا جبريل من هؤلاء؟ " قال: الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس (٢).
وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا، واستحلالهم إياه، وذلك لأن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربح في أول البيع. وكان أحدهم إذا حلَّ له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل. فكذبهم الله سبحانه فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٣).
قال أصحابنا: هذه الآية مجملة، والمجمل: ما لا يعرف المراد من ظاهره إلا بقرينة تقترن به، كقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: ١٤١] أوجبَ الإِيتَاءَ، وليس يعرف من هذه الآية أن الحق الذي يجب إيتاؤه كم هو، وإنما يعرف ذلك بدليل آخر، كذلك قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ اقتضى أن يكون كلّ بيع حلالًا. وقوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبَا اقتضى أن
(٢) يريد حديث أبي سعيد الخدري رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢٥/ ٣٦٥، ومن طريقه رواه الطبري في "تفسيره" ١٥/ ١١ والبيهقي في "دلائل النبوة" ٢/ ٣٩٠، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" ٢/ ١٨٥، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧١١، وفي إسناده أبو هارون العبدي متروك، وفي الباب: حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (٢٢٧٣) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، والإمام أحمد ٢/ ٣٥٣، وضعَّف إسناده ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٥٠، وقال البوصيري في "مصباح الزجاج" ٢/ ٢٣: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد.
(٣) ينظر: "تفسير مقاتل" ١/ ١٤٥، "تفسير الطبري" ٣/ ١٠٣، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٥٤٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧١٤.
يكون كلُّ بيع حَرامًا، لأن الربا هو الزيادة، ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية إباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، ولكن يعرف ذلك ببيان رسول الله - ﷺ -.
وقوله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي وَعْظٌ، ولذلك جاز تذكير (جاءه) (١).
قال السدي: الموعظة: القرآن (٢) فَانْتَهَى عن أكل الربا فَلَهُ مَا سَلَفَ قال الزجاج: أي: قد صُفح له عما سلف (٣)، أي: مضى من ذنبه قبل النهي (٤)، وقال السُدّي: فله ما أكل من الربا (٥)، أي: ليس عليه رد ما سلف، فأما ما لم يُقْضَ بعدُ فلا يجوز له أخذه، وهذا له رأس ماله فقط، وهذا أجود من الأول؛ لأن قبل النهي الربا لم يكن حرامًا فلم يكن (٦) أخذه ذنبًا (٧).
ومعنى سلف، أي: تقدم ومضى، والسُّلُوف: التقدُّم، وكل شيء قدمته أمامك فهو سَلَفُكَ، ومنه: الأمم السَّالِفَة، والسَّالِفَةُ: العنق؛ لتقَدُّمِه في جهة العلوّ، والسُّلفة ما تَقَدَّم قبل الطعام، وسُلاَفَةُ الخَمْرِ: صَفْوُها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها (٨).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٥.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٣٥٨.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧١٥.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٦.
(٦) في (ش): (فلا يكون).
(٧) سقطت من (أ) و (م).
(٨) ينظر في سلف: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٣٥، " المفردات" ص ٢٤٤، "اللسان" ٤/ ٢٠٦٨، وذكر الأزهري أن السلف يطلق في المعاملات على معنيين: القرض=
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي