ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

قال تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١) وفيها مسألتان.
[ ٩٥ ] : المسألة الأولى : حكم الربا وفيم يكون.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
الربا(٢) من أكبر الكبائر قال تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا (٣).
وقال تعالى يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله (٤).
ومن طريق مسلم نا هارون بن سعيد الأيلي نا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات "، قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (٥).
ومن طريق مسلم نا عثمان بن أبي شيبة نا جرير- هوابن عبد الحميد – عن المغيرة بن مقسم نا إبراهيم – هو النخعي – عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود قال :( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله )(٦).
والربا لا يكون إلا في بيع(٧)، أو قرض(٨)، أو سلم(٩)، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد، لأنه لم تأت النصوص إلا بذلك، ولا حرام إلا ما فعل تحريمه قال تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا (١٠) وقال تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا (١١)، وقال تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم (١٢).
والربا لا يجوز في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط : في التمر، والقمح، والشعير، والملح، والذهب والفضة، وهو في القرض في كل شيء فلا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل أو أكثر، ولا نوع آخر أصلا، لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره وهذا إجماع مقطوع به(١٣).
وكذلك الذي ذكرنا من وقوع الربا في الأنواع الستة المذكورة في البيع والسلم، فهو إجماع مقطوع به(١٤)، وما عدا الأنواع المذكورة مختلف فيه، أيقع فيه الربا أم لا ؟
قال أبو محمد : فإذا أحل الله تعالى البيع وحرم الربا فواجب طلب معرفته ليجتنب قال تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرتم إليه (١٥).
فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من الربا، أو من الحرام، فهو ربا وحرام، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال، لأنه لو جاز أن يكون في الشريعة شيء حرمه الله تعالى ثم لم يفصله لنا ولا يبينه رسوله عليه الصلاة والسلام لكان تعالى كاذبا في قوله تعالى وقد فضل لكم ما حرم عليكم (١٦) وهذا كفر صريح متيقن ممن أجازه.
وممن قال لا ربا إلا في الأصناف المذكورة : طاووس(١٧)، وقتادة(١٨)، وعثمان البتي(١٩)، وأبو سليمان(٢٠)، وجميع أصحابنا(٢١).
[ ٩٦ ] : المسألة الثانية : تأثير الشيطان في المصروع.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
ذهبت طائفة من الناس إلى أن الجن يدخلون في أجسام المصابين، وذهب قوم إلى أنهم يؤثرون هذه الآثار على وجه ما غير الدخول.
واحتجت الطائفة الأولى بالحديث الذي يروي ( ( أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) )(٢٢) ولا حجة لهم في هذا لأن المعهود في كلام العرب أن يقال جريت من فلان مجرى الدم، وإذا جن عليه جنونه واتصل هواه بهواه واثقا في المودة كما الشاعر :

وقد كنت أجرى في حشاهن مرة كجري معين الماء في قصب الآس(٢٣)
فإنما أراد لصوق هواه بقلوبهن ومداخلته لأهوائهن، وقد أخبر الله عز وجل أن الشيطان من نار السموم ولا يجوز مداخلته جسم الإنسان إلا على طريق المجاورة.
وقد قال الله تعالى الذي يتخبطه الشيطان من المس (٢٤) فأخبر الله عز وجل ذلك إنما هو على سبيل المماسة(٢٥)، على حسب ما قلنا.
وقال الله عز وجل حكاية عن أيوب عليه السلام أني مسنى الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (٢٦) وقد يجعل الله عز وجل آله للشياطين تستثير بها الطبيعة استثارة ما فيتولد بها الصراع ويجلب بها الوسوسة كالذي تشاهده من استثارة الطبائع واهتياجها بالكلمة المسموعة وبالحالة يشرف عليها الإنسان فتحليه عن رضى إلى غضب، وعن تورع إلى ملام، وعن انبساط إلى انقباض، وما أشبه ذلك. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب(٢٧).
١ سورة البقرة: آية ٢٧٥..
٢ الربا: الزيادة قال تعالى فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت أي زادت ونمت وقال سبحانه أن تكون أمة هي أربى من أمة
أي أكثر عددا، يقال أربى فلان على فلان أي زاد عليه. عمدة الحفاظ (٢/٦٨).
وشرعا عند الحنابلة: الزيادة في أشياء مخصوصة. المعني (٤/٢٥).
وعند الأحناف: فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة. رد المحتار إلى الدر المختار لابن عابدين (٥/١٧٠).
وعند الشافعية: بأنه عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير البدلين أو أحدهما أسنى المطالب للأنصاري (٢/٢٢).
وعرف المالكية كل نوع من أنواع الربا على حدة.
والشريعة حرمت نوعي الربا:
ربا النسيئة: وهو الذي كان معروفا في الجاهلية وهو أن يقرضه قدرا معينا من المال إلى زمن محدود كشهر أو سنة مثلا مع اشتراط الزيادة فيه نظير امتداد الأجل، وهذا النوع من الربا هو المستعمل الآن في البنوك والمصارف المالية.
وربا الفضل: وهو الذي وضحته السنة النبوية المطهرة وهو أن يبيع الشيء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر. روائع البيان للصابوني (١/٣٩٢)..

٣ سورة البقرة: آية ٢٧٥..
٤ سورة البقرة: آية ٢٧٨-٢٧٩..
٥ صحيح مسلم كتاب الإيمان / باب بيان الكبائر وأكبرها (٢/٢٧٣) حديث رقم (٢٥٨)..
٦ صحيح مسلم كتاب المساقاة / باب لعن الله آكل الربا وموكله (١١/٢٨) حديث رقم (٤٠٦٩)..
٧ البيع لغة: مصدر باع، وهو مبادلة مال بمال، أو مقابلة شيء بشيء، أو دفع عوض وأخذ ما عوض عنه. الموسوعة الفقهية (٩/٦)..
٨ القرض في اللغة: مصدر قرض الشيء يقرضه إذا قطعه، وفي الاصطلاح: دفع مال إرفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله. الموسوعة الفقهية (٣٣/١١١)..
٩ السلم في اللغة: الإعطاء والتسليف، وفي الاصطلاح: بيع موصوف في الذمة يبدل يعطي عاجلا. الموسوعة الفقهية (٢٥/١٩٢)..
١٠ سورة البقرة: من آية ٢٦..
١١ سورة البقرة: من آية ٢٩..
١٢ سورة الأنعام: من آية ١١٩..
١٣ قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أسلف سلفا مما يجوز أن يسلف فرد مثله عليه)) الإجماع لابن المنذر ص (٥٥)، المغني لابن قدامة (٤/٢١١)..
١٤ المجموع للنووي (٩/٤٩٠)، المغني لابن قدامة (٤/٢٧)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/٢٣٠)..
١٥ سورة الأنعام: من آية ١١٩..
١٦ سورة الأنعام: من آية ١١٩..
١٧ المغني لابن قدامة (٤/٢٧)، المجموع للنووي (٩/٤٩٠)، الموسوعة الفقهية (٢٢/٦٥)..
١٨ المغني لابن قدامة (٤/٢٧)، المجموع للنووي (٩/٤٩٠)، الموسوعة الفقهية (٢٢/٦٥)..
١٩ المغني لابن قدامة (٤/٢٧)، المجموع للنووي (٩/٤٩٠)، الموسوعة الفقهية (٢٢/٦٥)..
٢٠ المغني لابن قدامة (٤/٢٧)، المجموع للنووي (٩/٤٩٠)، الموسوعة الفقهية (٢٢/٦٥)..
٢١ المحلى (٧/٤٠١-٤٠٣) باختصار وتصرف يسير..
٢٢ صحيح البخاري كتاب بدء الخلق / باب إبليس وجنوده يقذفون دحورا (٣/١١٩٥) حديث رقم (٣١٠٧)، صحيح مسلم كتاب السلام / باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليا بامرأته وكانت زوجته أن يقول هذه فلانة (١٤/٣٨١) حديث رقم (٥٦٤٣)..
٢٣ لم أقف عليه..
٢٤ سورة البقرة: آية ٢٧٥..
٢٥ سبق توثيقه انظر ص (٤٥١)..
٢٦ سورة ص: آية ٤١-٤٢..
٢٧ الأصول والفروع لابن حزم ص (١٣٦)، انظر رسالة في حكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين لابن حزم ص (٢٨٨)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير