قال تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتبست ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ١ وفيها مسألتان.
[ ١٠٩ ] : المسألة الأولى : القدرة شرط التكليف.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
وكل فرض كلفه الله تعالى الإنسان فإن قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه سقط عنه، وإن قوي على بعضه وعجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه ولزمه ما قدر عليه منه سواء أقله أو أكثره.
برهان ذلك : قول الله عز وجل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ٢ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ٣.
وبالله تعالى التوفيق٤.
[ ١١٠ ] : المسألة الثانية : المراد بالإصر.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
كل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالإضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا كما قال تعالى أمرا لنا أن ندعوه فنقول ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ٥.
ونص تعالى أنه قد حمل من كان قبلنا الإصر٦ وهو الثقل لا يطاق، وأمرنا أن ندعوه بألا يحمل ذلك علينا٧.
وكما نص تعالى أنه وضع بنبيه صلى الله علينا وسلم الإصر الذي كان عليهم، والأغلال التي كانوا يطوقونها، إذ يقول تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ٨.
فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج، وأن يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى، من قتل أنفسهم بأيديهم، فكل شيء كلفناه يهون عند هذا وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه خطر على ميت تنجس يوما إلى الليل، وسائر الثقائل التي كلفوا وحرم عليهم، وخفف عنا ذلك كله. ولله الحمد والمنة٩.
٢ سورة البقرة: آية ٢٨٣..
٣ سبق تخريجه انظر ص (٥٠١)..
٤ المحلى لابن حزم (١/١٠٧)..
٥ سورة البقرة: آية ٢٨٦..
٦ الإصر: بالكسر: العهد، والذنب، والثقل – ويضم ويفتح في الكل – والكسر، والعطف، والحبس، وأن تجعل البيت إصارا، وما عطفك على الشيء وأن تحلف بطلاق أو عتق أو نذر وثقب الأذن، والجمع: آصار، وإصران، والآصرة: الرحم، والقرابة، والمنة، والجمع: أواصر. القاموس المحيط للفيروز آبادي ص (٣١٠)، انظر لسان العرب (٤/٢٣)، الصحاح للجوهري (١/٤٨٣)..
٧ الفصل لابن حزم (٣/١٧٤)..
٨ سورة الأعراف: آية ١٥٧..
٩ الإحكام لابن حزم (٢/٥٠٧)، انظر المحلى (١١/٢١٩)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري