لاَ يُكَلِّفُ ١ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ما يسعه قدرتها ويتسع فيه طوقها، لا ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، لَهَا مَا كَسَبَتْ : من خير، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ : من شر، ولما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي أجدّ وأعمل فيه، جعلت لذلك مكتسبة فيه بخلاف الخير، فإنها لما لم تكن فيه كذلك وصفت بما ليس فيه الاعتمال، فقال : كسبت، رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا ٢ أَوْ أَخْطَأْنَا سألوا ٣ الله التجاوز عنهما فأجاب، ففي ٤ الحديث " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان "، وأما دعاؤنا حينئذ بهما، فيمكن أن يكون لإدامة الوعد، وأن يجعلنا ممن وعد له التجاوز عنهما، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً : تكاليف شاقة، تأصر صاحبه، تحبسه في مكانه، وإن أطقناها، كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ، مثل الذي حمّلْتَه إياهم فيكون صفة إصرا وهو التكاليف الشاقة وما أصابهم من المحن، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ : من المصائب، والتشديد هاهنا لتعديته إلى مفعول ثان، وَاعْفُ عَنَّا : امح عنا ذنوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا : واستر عيوبنا، وَارْحَمْنَا في الدنيا، فلا توقعنا في ذنب ٥ آخر، أَنتَ مَوْلاَنَا : ولينا وناصرنا، فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، وفي الحديث :" في آخر كل دعوة " ٦ من هذه الدعوات، قال الله تعالى : فعلت ونعم "، وفي الحديث، " فضلنا على الناس بثلاث : أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة ٧ من بيت ٨ تحت العرش، لم يُعطَها أحدٌ قَبلي ولم يُعْطَها أحدٌ بَعدي ٩.
والحمدل لله حق ١٠ حمده.
٢ قيل الخطأ: والنسيان قلما يتفقان، إلا عن تقصير سابق، فالمراد من الدعاء عدم المؤاخذة به/١٢ منه.
٣ ودعاؤنا بعد وضع الخطأ والنسيان عنا، كالدعاء بألا تؤاخذنا بتفريط، أو أفعال تفضي إلى خطأ أو نسيان، أو الغرض من الدعاء تذكر الفضل بالعفو عنهما والتذلل بين يديه/١٢ وجيز.
٤ رواه بان ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه، [وكذا البيهقي بسند صحيح، وانظر صحيح الجامع (٧١١٠)، وراجع الإرواء (ح ٨٢)] وفي مسلم عن أبي هريرة وابن عباس "قال الله: قد فعلت"/١٢ منه.
٥ عن بعض السلف، المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره/١٢ منه.
٦ الظاهر أن دعاءه عليه السلام بهذه الدعوات قراءته بهذه الآية، ويحتمل أن يكون قد دعا بها، فنزلت الآية حكاية/١٢ منه.
٧ وفي مسلم أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا/١٢ منه.
٨ كناية وتمثيل لما فيه من كثرة الخير والبركة والثواب/١٢ منه.
٩ (*) أخرجه بنحوه أحمد الطبراني والبيهقي عن حذيفة مرفوعا بلفظ: "أعطيت هذا الآيات من آخر سورة البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي" وانظر صحيح الجامع (١٠٦٠).
١٠ روى ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: لا أدري أن أحدا يعقل لغة الإسلام ينام، حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش/١٢.
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين