ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

ويقول الحق :
لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحملْ علينا إصرا كما حملتَه على الذين مِن قبلنا ربنا ولا تُحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ٢٨٦
( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) إنه سبحانه لم يكلّفكم إلا ما هو في الوسع. لماذا ؟ لأن الأحداث بالنسبة لعزم النفس البشرية ثلاثة أقسام : القسم الأول : هو ما لا قدرة لنا عليه، وهذا بعيد عن التكليف. القسم الثاني : لنا قدرة عليه لكن بمشقة أي يجهد طاقتنا قليلا. القسم الثالث : التكليف بالوسع. إذن ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) أي أن الحق لا يكلف النفس إلا بتكليف تكون فيه طاقتها أوسع من التكليف، كلّف الحق كل مسلم بالصلاة خمسة فروض كل يوم، وتملأ أوقاتها بالصلاة وكان من الممكن أن تكون عشرة، بدليل أن هناك أناساً تتطوع وهو سبحانه كلف كل مسلم بالصوم شهراً، ألا يوجد من يصوم ثلاثة أشهر ؟ ومثل هذا في الزكاة ؛ فهناك من كان يخرج عن ماله كله لله، ولا يقتصر على ما يجب عليه من زكاة.
إذن فهذا في الوسع، ومن الممكن أن تزيد، إذن فالأشياء ثلاثة : شيء لا يدخل في القدرة فلا تكليف به، شيء يدخل في القدرة بشيء من التعب، وشيء في الوسع، والحق حين كلّف، كلّف ما في الوسع. ومادام كلّف ما في الوسع فإن تطوعت أنت بأمر زائد فهذا موضوع آخر ( فمن تطوع خيراً فهو خير له ) مادمت تتطوع من جنس ما فرض.
إذن فالتكليف في الوسع وإلا لو لم يكن في الوسع لما تطوعت بالزيادة. فسبحانه يقول :( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ويأتي بعد ذلك ليعلمنا فيقول :( ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به )، وهو القائل :( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) إذن سبحانه يكلفنا بما نقدر عليه ونطيقه.
فقد روي أن الله حينما سمع رسوله وسمع المؤمنين يقولون :( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) قال سبحانه : قد فعلت.
وعندما قالوا :( ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به ) قال سبحانه : قد فعلت. ولم يكلفنا سبحانه إلا بما في الوسع، وهو القدر المشترك عند كل المؤمنين. وهناك أناس تكون همتهم أوسع من همة غيرهم، ومن تتسع همته فإنه يدخل بالعبادات التي يزيد منها في باب التطوع، ومن لا تتسع همته فهو يؤدي الفروض المطلوبة منه فقط. وعندما يطرأ على الإنسان ما يجعل الحكم في غير الوسع ؛ فإن الله يخفّف التكليف ؛ فالمسافر تقول له الشريعة : أنت تخرج عن حياتك الرتيبة، وتذهب إلى أماكن ليس لك بها مستقر، لذلك يخفف الحق عليك التكليف ؛ فلك أن تفطر في نهار رمضان، ولك أن تُقصر الصلاة.
والحق سبحانه يعلم أن الوسع قد يضيق لذلك فإنه جل شأنه يخفف حكم التكليف ويمنح الرخص عند ضيق الوسع، ومثال ذلك قوله الحق :
الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ( من الآية ٦٦ سورة الأنفال ).
كانت النسبة في القتال قبل هذه الآية هي واحداً لعشرة، وخففها الحق وجعلها واحداً إلى اثنين لأن هناك ضعفا، وهكذا نرى أنه سبحانه سيخفف التكليف إذا ما زاد عن الوسع. وكثير من الناس يخطئون التفسير ؛ فيقولون عن بعض التكاليف : إنها فوق وسعهم ولهؤلاء نقول : لا. لا تحدد أنت الوسع، ثم تقيس التكليف عليه، بل انظر هل كلفك أو لم يكلفك ؟ فإذا كان قد كلفك الحق فاحكم بأنه كلفك بما في الوسع، وكل تكاليف الرحمن تدخل في الوسع ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ).
و( لها ) تفيد الملكية والاختصاص وهي ما تفيد وتُكسب النفس ثوابا، و( عليها ) تفيد الوزر، ونلاحظ أن كل ( لها ) جاءت مع ( كسبت )، وكل ( عليها ) جاءت مع ( اكتسبت ) إلا في آية واحدة يقول فيها الحق :
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٨١ ( سورة البقرة ).
وهنا وقفة في الأسلوب ؛ لأن ( كسب ) تعني أن هناك فرقاً في المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين كلمة ( اكتسبت )، لأن ( اكتسب ) فيها ( افتعل ) أي تكلّف، وقام بفعل أخذ منه علاجاً، أما ( كسب ) فهو أمر طبيعي إذن ف ( كسب ) غير ( اكتسب ) وكل أفعال الخير تأتي كسباً لا اكتساباً.
مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته، ويرى جمالها، فهل هو يفتعل شيئاً، أو أن ذلك أمر طبيعي ؟ إنه أمر طبيعي، ولكن عندما ينظر الرجل إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد النظرة ؟ وهل رآه أحد من الناس ؟ وهل سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو لا ؟ لماذا ؟ لأنه ارتكب عملاً مفتعلاً.
مثال آخر، إنسان يأكل من ماله، أو من مال أبيه، إنه يأكل كأمر طبيعي، أما من يدخل بستاناً ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل، ويريد أن يستر نفسه، فصاحب الشر يفتعل، أما صاحب الخير فإن أفعاله سهلة لا افتعال فيها.. فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال.
والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال ؛ لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة ؛ لأنه تعوّد عليها كثيراً، ويقول الحق :( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية، ولم يعد هناك منفذ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة في الشر ؛ فاللص مثلاً في بداية عمله يخاف ويترقب، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلداً.
ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر، وذلك دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم مازال فيها بعض من خير، لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة، وتحيط بكل منهم خطيئة وتطوقه ولا تجعل له منفذاً إلى الله ليتوب.
فالذي يلعب الميسر، أو طوّقته خطيئة الفحش قد يقول فرحاً :( كانت سهرة الأمس رائعة )، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه يقول :( كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت )، ويظل يؤنّب نفسه ويلومها ؛ لأنه تعب وأرهق نفسه ؛ لأنه ارتكب الخطأ.
إذن فقول الحق :( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى، ويكون قد أحاطت به خطيئته. ويكون على كل نفس ما اكتسبت. والعاقل هو من يكثر ما لنفسه، ولا ما عليها ؛ لأن الذي يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير، فليس من هذا الأمر فكاك. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عباده المؤمنين :( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )، ولقائل أن يقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم طمأننا، فقال :( رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه )١. فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم ؟.
على مثل هذا القائل نرد : هل قال لك أحد : إن رفع الخطأ والنسيان والاستكراه كان من أول الأمر ؟. لعل الرفع حدث بعد أن دعا الرسول والسابقون من المؤمنين، فمادام قد رُفِع بضم الراء وكسر الفاء وفتح العين فمعنى ذلك أنه كان موجوداً، إذن فلا يقولن أحد : كيف تدعو بشيء غير موجود. أو أن ذلك يدل على منتهى الصفاء الإيماني، أي الله يجب ألا يُعصى إلا خطأ أو نسياناً، وأن الله لا يصح ولا يستقيم أن يُعصى قصداً ؛ لأن الذي يعرف قدر الله حقاً، لا يليق منه أن يعصي الله إلا نسياناً أو خطأ ؛ لأن الخالق هو المنعم بكل النعم، وبعد ذلك كلفنا، وكان يجب ألا نقصد المعصية. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى قد سمى ما حدث من آدم معصية مع أنه يقول :
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ١١٥ ( سورة طه ).
وسمى الله النسيان في قصة آدم معصية :( وعصى آدم ربه فغوى ) فكان النسيان أولاً معصية، ولكن الله أكرم أمّة محمد، فرفع عنها النسيان. وفي مسألة آدم هناك ملحظ يجب على المؤمن أن يتنبه إليه ؛ فآدم خُلق بيد الله، ونحن مخلوقون بقانون التكاثر، وآدم تلقى التكليف من الله مباشرة وليس بواسطة رسول، وكلُّف بأمر واحد وهو ألا يأكل من الشجرة.
فإذا كان آدم مخلوقاً من الله مباشرة ومكلفاً من الله مباشرة، ولم يكلف إلا بأمر واحد وهو ألا يقرب هذه الشجرة، ولم تكن هناك تكاليف كثيرة فماذا نسى ؟ وماذا تذكر ؟ إنها معصية إذن. لقد كان النسيان بالنسبة لآدم معصية ؛ لأنه مخلوق بيد الله.
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ ( من الآية ٧٥ سورة ص ).
لذلك فلم يكن من المناسب أن ينسى هذا التكليف الواحد، وما كان يصح له أن ينسى، ولعل سيدنا آدم نُسِّي لحكمة يعلمها الله ربما تكون ليعمر الأرض التي جعله الله خليفة فيها ؛ أما بالنسبة لأمة محمد فحينما نقول :( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) فكأننا يا رب نقدّرك، حق قدرك، ولا نجترئ على عصيانك عمدا، وإن عصينا فإنما يكون العصيان نسياناً أو خطأ، وهذه معرفة لقدر الحق سبحانه وتعالى.
ولكن ما النسيان ؟ وما الخطأ ؟
أولاً فيه ( أخطأ ) وفيه ( خطِئ ) و( الخِطْء ) لا يكون إلا إثما ؛ لأنه تعمّد ما لا ينبغي، فأنت تعلم قاعدة وتخطئ، والذي أخطأ قد لا يعرف القاعدة، فأنت تصوب له خطأه لأنه حاد عن الصواب. ومثال ذلك : عندما تتعلم في المدرسة أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، وفي وسط السنة يصححون لك القاعدة حتى تستقر في ذهنك، إنما في أيام الامتحان أيصحح لك المدرّس أم يؤاخذك ؟ إنه يؤاخذك ؛ لأنك درست طوال السنة هذه القاعدة، إذن ففيه خطِئ وفيه أخطأ، فأخطأ مرة تأتي عن غير قصد ؛ لأنه لا توجد قاعدة أنا خالفتها، أو لم أعرف القاعدة وإنما نطقت خطأ ؛ لأنهم لم يقولوا لي، أو قالوا لي مرة ولم أتذكر، أي لم تستقر المسألة كملكة في نفسي ؛ لأن التلميذ يخطئ في الفاعل والمفعول مدة طويلة، وبعد ذلك ينضج وتصير اللغة ملكة في نفسه إن كان مواظبا على صيانتها.
كان التلميذ في البداية يقول : قطع محمد الغصن، ولا يقولها مشَكَّلة ولكن يسكن الآخر في نهاية نطقه لاسم محمد، وساعة يتذكر القاعدة ينطقها ( محمد ) بالرفع وينطق ( الغصن ) بالنصب لماذا ؟ لأنه ترد ثلاث قواعد على ذهنه، هذه فاعل والفاعل حكمه الرفع، فهي مرفوعة، فهو يمر بقضية عقلية، لكن بعدما يمر عليها يقرأها صحيحة وقد لا يتذكر القاعدة، فقد صارت المسألة ملكة لغوية عنده، هذه الملكة اللغوية مثلما نقول :( صارت آلية ).
ومثال ذلك الصبي الذي يتعلم الخياطة، انظر كم من الوقت يمر ليتعلم كيف يمسك بخيط ليدخله في سم الإبرة، وقد يضربه معلّمه أكثر من مرة ليتعلمها ؛ وفتلة الخيط تنثني منه لأنها طويلة فيقصرها ثم لا تدخل في العين فيبرمها لتدخل، إنه يأخذ وقتا كثيرا ثم يعمل الغرزة فتخرج غير منتظمة وبعد ذلك يظل مدة، ثم يفعل كل هذه الأعمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره ؛ لأن هذه الأعمال صارت ملكة ذاتية أي عملاً آليا.
والتدريب على العمل الذهني حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة نسميه ملكة. أما التدريب على عمل الجوارح -مثل إدخال الخيط في سم الإبرة- نسميه آلية.
وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالاً في الفقه لطالب في الأزهر فإنه يحتار قليلا إلى أن يتعرف على الباب الذي فيه إ

١ رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ثوبان..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير