آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير* لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين .
قيل : إن الآيتين متعلقتان بما قبلهما لما فيه من ذكر كمال الألوهية الذي يقابله من كمال الإيمان والدعاء ما يناسبه، أو لما فيه من ذكر الحساب والعلم بالخفايا المقتضي للإيمان والدعاء. وقيل إنه لما افتتحت هذه السورة ببيان كون القرآن لا ريب فيه وكونه هدى للمتقين وذكر صفات هؤلاء المتقين وأصول الإيمان التي أخذوا بها وخبر سائر الناس من الكافرين والمرتابين ثم ذكر فيها كثيرا من الأحكام ومحاجة من لم يهتد به من بعض الأمم، ناسب بعد هذا كله ختم السورة بالشهادة للمؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان وهم المهتدون تمام الاهتداء، ولقنهم من الدعاء ما ستعلم حكمته. وهذا الوجه هو الذي اختاره الأستاذ الإمام.
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يحاسبها إلا على ما كلفها والتكليف هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته. والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين أن لا يكلف عباده ما لا يطيقون.
قال المفسرون : إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق لا على عدم جوازه. ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف، وستأتي تتمة هذا البحث قريبا. وإذا كان هذا التكليف لم يقع كما قالوا امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع كما تقدم، ولا لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته [ آل عمران : ١٠٣ ] كما قيل. وفي الجملة وجهان : قيل هي ابتداء خبر من الله تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير، وقيل إنها داخلة في قول المؤمنين، فهم بعد سؤال الغفران قد أذنوا بأن يصفوا الله تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباد، والحكمة في سياستهم.
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت قيل إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي. وقيل إن الاكتساب أخص واختلفوا في توجيهه واختار الأستاذ الإمام في الدرس ما قاله الزمخشري، وقال إنه الصواب، وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل، فكل من اكتسب واعتمل يفيد الاختراع والتكلف فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير وأنه يتعود الشر بالتكلف والتأسي. والمعنى أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر.
وقد اختلف الناس في الإنسان هل هو خير بالطبع أو شرير بالطبع وإلى أي الأمرين يكون أميل بفطرته مع صرف النظر عما يتفق له في تربيته. المسألة مشهورة وقد قال الأستاذ الإمام : لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس. وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث١ والإنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته ويميل إلى عبادة الله تعالى لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ويظهر أثره في كل إنسان وأقله البشاشة والارتياح للمنعم ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضى.
وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها ومهما كان الإنسان شريرا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس فيتعلمه، وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئا يزيد فيه ويبالغ كاذبا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ويحظى بإعجابهم، وهو مع ذلك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بلقب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة وخزيها. وهكذا شان الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفا يقول له لا تفعل ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر. ومن النادر أن يصير الإنسان شرا محضا يريد أنه قلما يألف أحد الشر وينطبع به حتى يكون طبعا له لا تشعر نفسه بقبحه عند الشروع فيه ولا في أثنائه ولا بعد الفراغ منه، حتى إنه قال إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه.
والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل من الفطرة. ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلما إياه تعلما متكلفا له تكلفا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل وهو النبراس الإلهي الذي لا ينطفئ. فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير، ولا يميل إلا إليه، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يخفَ عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارئ التي تعرض عليها، لا سيما من ينشأ بين قوم فسدت فطرتهم وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا. وهذا الأمر خاص بالافراد بعضهم مع بعض، فإن نظر الواحد إل من دونه يجعله راضيا بما أوتيه من النعم بعيدا عن الحسد الذي هو منبع الشرور. وأما الأمم فينبغي أن ننظر في حال من فوقنا منها لأجل مباراتها ومساماتها.
هذا ما قاله الإمام في هذه المسألة بإيضاح، ومنه يعلم وجه قوله تعالى في الخير كسبت وفي الشر اكتسبت. وكان رحمه الله تعالى يرى أن أحق ما يتعجب له من حال الإنسان كثرة عمل الشر وقلة عمل الخير، ويعلل ذلك بأن عمل الخير سهل وعاقبته حميدة وعمل الشر عسر ومغبته ذميمة. ولا عجب في تعجبه، فقد كان مجبولا من طينة الخير سليم الفطرة من عوارض الشر حتى لم تؤثر في نفسه الزكية الشرور التي كانت تحيط به من أول نشأته إلى يوم وفاته قدس الله روحه ورضي عنه. والمسألة تحتاج زيادة في البسط لكثرة اشتباه الناس فيها ولشد ما عارضنا في تقريرها الطلاب في الدرس والباحثون في المحاضرات. ولئن سألتهم ما هو الشر الفطري في البشر ليقولن حب الشهوات والغضب وما ينشأ عنهما من الأعمال والأخلاق ولولا هاتان الغريزتان لما جلب أحد لنفسه ولا لغيره نفعا، ولما دفع ضرا، ولما ظهر من أعمال الإنسان ما نرى من أسرار الطبيعة ومحاسن الخليقة بل لولاهما لبادت الأفراد وانقرض النوع من الأرض. وفي الفطرة والدين المرشد إلى كمالها ما يكفي لإقامة الميزان القسط فيهما غالبا حتى لا يطلب في الأمة تفريط ولا إفراط ويكون الخير أصلا عاما والشر عرضا مفارقا.
والأصل الذي لا ينازع فيه أحد أن الإنسان قد جبل على أن لا يعمل عملا إلا إذا اعتقد أنه نافع وأن فعله خير له من تركه، وذلك شانه في الترك أيضا، وأن هداياته الأربع الحس والوجدان والعقل والدين كافية لأن يعتقد أن كل خير نافع وكل شر ضار. فإذا قصر في الاهتداء بهذه الهدايات فوقع في الشر كان وقوعه فيه أثرا لتنكب طريق الفطرة لا للسير على جادتها وأكثر أعمال الناس نافعة لهم غير ضارة بغيرهم. ومن التفصيل في المسألة ما تقدم من القول في كذب الأطفال ومنه ما سئلنا عنه في الدرس ومجالس البحث من الميل إلى الزنا مثلا وأجبنا بأن الإنسان لا يميل بفطرته إلى الزنا وإنما يميل إلى الوقاع، وهذا من الخير وأصول الكمال في الفطرة، وإنما الزنا وضع له في غير موضعه وذلك من العوارض الطارئة التي تكثر بترك مقومات الفطرة وحوافظها من نذر الدين وقضايا العقل وآداب الاجتماع. ولقد كنت قبل الوقوف على أحوال الناس لا سيما في بلاد مصر أظن أن الزنا لا يكاد يقع إلا نادرا من بعض أفراد الجاهلين وهذا ما يعتقده كل من ينشأ في بيئة تغلب فيها العفة ولم يعرف حال غيرها ولا أخبار الشاذين فيها. ولو كان فطريا لشعر كل أحد من نفسه بالحاجة إليه كما يشعر بأنه في حاجة إلى زوج يتحد به. ولعل ما أوردناه كاف للمتدبر ولا يتسع التفسير لأكثر منه.
بين الله تعالى لنا شأن المؤمن في السمع والطاعة ثم طلب المغفرة لما يلم به أو يهتم به نفسه من التقصير، وفضله ومنته في عدم تكليف النفس ما ليس في وسعها ثم علمنا هذا الدعاء لندعوه به وهو ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا فتركنا ما ينبغي فعله أو فعلنا ما يجب تركه أو جئنا بالشيء على غير وجهه. وهذا يدل على أن من شأن النسيان والخطأ أن يؤاخذ عليهما وسيأتي بيان الوجه فيه. والمؤاخذة المعاقبة، وهي من الأخذ لأن من يراد عقابه يؤخذ بيد القهر.
قال الأستاذ الإمام ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطئ لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانا أو خطأ.
ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول والكلام، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الإفهام، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت ؟ فإن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة إليه. ولذلك ينسى الإنسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه. فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفا اختياري ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بعضا بالنسيان لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإذا عهدت إلى من لك عليه سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسي ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الإهمال وعدم العناية بأمرك، وقد آخذ الله آدم على ذنبه ثم تاب عليه مع قوله فيه : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما [ طه : ١١٢ ] وقال في جواب من يسأل يوم القيامة ربه لم حشره أعمى من هذه السورة كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [ طه : ١٦٢ ] وقال في أهل الكتاب ونسوا حظا مما ذكروا به [ المائدة : ١٣ ] وفي آية فنسوا حظا مما ذكروا به [ المائدة : ١٤ ] وهناك آية أخرى وقد فسر النسيان فيها بالترك الذي هو لازمه وذلك لا يمنع الاستدلال بها لأن المراد بالنسيان هنا أيضا وهو ترك الامتثال.
وكذلك الخطأ ينشأ من التساهل وعدم الاحتياط والتروي ولذلك أوجبت الشريعة الضمان في إتلاف الخطأ والدية في جنايته. فإذا أراد أن يرمي صيدا فأصاب إنسانا فقتله كان مؤاخذا في الشريعة، وكذا في القوانين الوضعية.
فثبت أن المؤاخذة على النسيان والخطأ مما جاءت به الشريعة وجرى عليه عرف الناس في معاملاتهم وقوانينهم، ولو لم يكن كل من الناسي والمخطئ مقصرا لما كان هذا، وكما جاز ذلك وحسن يجوز أن يؤاخذ الله الناسي والمخطئ مقصرا لما كان هذا، وكما جاز ذلك وحسن يجوز أن يؤاخذ الله الناس في الآخرة بكل ما يأتونه من المنكر ناسين تحريمه أو واقعين فيه خطأ، ولكنه تعالى علمنا أن ندعوه بأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وذلك من فضله علينا وإحسانه في هدايتنا فإن هذا الدعاء يذكرنا بما ينبغي من العناية والاحتياط والتفكر والتذكر لعلنا نسلم من الخطأ والنسيان، أو يقل وقوعهما منا، فيكون ذنبا جديرا بالعفو والمغفرة.
فهذا الدعاء لا يدل على أن حكم الله في النسيان والخطأ أن لا يؤاخذ عليهما بل قصارى ما يؤخذ منه أنهما مما يرجى العفو عنهما إذا وقع العبد فيهما بعد بذل جهده والاحتياط والتحري والتفكر والتذكر وأخذ الدين بقوة، وشعر بتقصيره فلجأ إلى الدعاء الذي يقوي في النفس خشية الله تعالى والرجاء بفضله. فيكون هذا الإقبال على الله تعالى نورا تنقشع به ظلمة ذلك التقصير، ولعل إيراد الشرط بإن للإيذان بان هذا خلاف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن وأنه لا يقع إلا قليلا. وهذا وما قبله مما زدته على كلام الأستاذ الإمام في هذا المقام.
وقد يرد على هذا التفسير حديث ابن عباس المرفوع عند ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والدارقطني والبيهقي في السنن وهو " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ٢، وهو ضعيف لا يسلم له إسناد ولكنه لكثرة طرقه يعد عندهم من الحسن لغيره. ( قاله في فتح البيان ) : وقد يقال إن مخالفته ل
٢ أخرجه ابن ماجه في الطلاق باب ١٦..
تفسير المنار
رشيد رضا