ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أي ما يسعه قدرتها وذلك فيما ينبني من الأحكام على القردة الممكنة، أو ما دون مدى قدرتها وذلك فيما يبتني من الأحكام على القدرة الميسرة كالزكاة على نمو المال وحولان الحول وغير ذلك، وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه، والمراد بالقدرة ههنا هي القدرة الموهومة الموجودة قبل الفعل من سلامة الأسباب والآلات بعد إقامة الدلائل والبراهين على الأوامر والأحكام من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، لا القدرة الحقيقة التي لا توجد إلا مع الفعل، ولهذا يتوجه الخطاب والعذاب إلى قوم نوح وفرعون وأبي جهل وأشباههم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة وأخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون قال الله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ومشيئة الله تعالى غير مقدور للبشر فكذا مشيئة التي علقت بمشيئة الله تعالى، وهذا سر من أسرار الله تعالى يجب الإيمان به والسكوت عنه وترك البحث فيه فإنه مزلة الأقدام، قال أبو هريرة فيما روى عنه الشيخان وغيرهما أن الصحابة لما اشتد عليهم نزول قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم الآية وقالوا يعني بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير أنزل الله تعالى هذه الآية فنسخ بهذا ذلك، قلت : وقول أبي هريرة فنسخ بهذا ذلك مبني على التجوز فإن حقيقة النسخ هو رفع حكم شرعي بعد ثبوته وذا لا يتصور إلا في الأحكام دون الأخبار، وذلك إخبار بالمؤاخذة على أفعال القلوب، وهذا إخبار بعدم وقوع التكليف فوق الطاقة فلا يحتمل النسخ غير أن هذه الآية لما كان مزيلا لظنهم بالمؤاخذة على حديث النفس وموجبا لتسليتهم عبر أبو هريرة بالنسخ مجازا إلا أن يقال إن قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم الآية وإن كان إخبارا لكنه يدل على تحريم رذائل النفس كما يدل قوله تعالى : كتب عليكم الصيام على الإيجاب وكان بصيغته شاملا لحديث النفس وقوله تعالى : لا يكلف الله الآية على عدم التكليف على حديث النفس فإن ليس في وسعنا والتحريم تكليف فهو يدل على عدم التحريم فكان ناسخا للتحريم في بعض ما اشتملت عليه الآية الأولى والله أعلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أوتتكلم " متفق عليه، قال البغوي ذهب ابن عباس وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه تعالى أراد بهذه الآية حديث النفس الذي ذكره في قوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم الآية، قلت : معناه أن حديث النفس الذي ذكره في قوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم الآية، قلت : معناه أن حديث النفس داخل في حكم الآيتين بالمؤاخذة وعدم التكليف فلزم النسخ كما ذكرنا لا أن حكم الآيتين منحصر في حديث النفس بل عموم الآيتين ظاهر والله أعلم.
فائدة : بعدما ثبت أن المؤاخذة على رذائل النفس أسد من المؤاخذة على أعمال الجوارح وأن التكليف فوق الطاقة غير واقع أرجو أن المؤمن إذا بذل جهده وصرف همته مهما أمكن على دفع رذائل النفس بالمجاهدة ولم يقتف هواها ولو بالتكليف وتشبث بأذيال الفقراء مريدا لإزالتها لعل الله تعالى يغفر له رذائلها ولم يؤاخذه عليها لأنه قد بذل جهده ووسعه في الانتهاء عما نهى الله عنه وأن الله تعالى وعد العفو عما ليس في وسعه، وأما من لم يرفع رأسه لملاحظة عيوبها ولم يقصد دفع رذائلها فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا، وبهذا يظهر فرضية أخذ طريقة الصوفية والتشبث بأذيال الفقراء كفرضية قراءة كتاب الله تعالى وتعلم أحكامه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " فلا بد من أخذ كتاب الله تعالى لاستنباط أحكامه والعمل والتذكر والاتعاظ به وصعود مدارج القرب بتلاوته وأخذ أذيال آل رسوله وعترته لتهذيب النفوس والقلوب على حسب مرضات الله تعالى وهدايته لها أي للنفس ماكسبت من خير بواسطة الجوارح أو بغير واسطتها وعليها وذر ما اكتسبت من شر كذلك يعني لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها إلا هي، وتخصيص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الاكتساب فيه اعتمال والشر يشتهيه النفس ويجتذب إليه فكانت أجد في تحصيله وأعمل بخلاف الخير.
ربنا لا تؤاخذنا تقديره قولوا ربنا على تؤاخذنا أي تعاقبنا إن نسينا أي تركنا شيئا مما وجب علينا بالنسيان وهو ضد الذكر أو أخطأنا في إصابة العمل من قلة مبالاة، وهذه الآية تدل على أن المؤاخذة على الخطأة والنسيان لم يكن ممتنعا عقلا فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناول السموم يؤدي إلى الهلاك وإن كان خطأ كذلك تعاطي الذنوب يفضي على العقاب لو لم يغفره الله وإن كان بغير عزم أو يوجب ضيق الصدر وغبن القلب، كان حضرة الشيخ الشيهد رضي الله عنه يروي عن شيخه السيد السند نور محمد البداوني رضي الله عنه أنه كان إذا أهدي إليه طعام أو شيء يتوجه إليه بنظر البصيرة فإن لم ير فيه ظلمة أكله واستعمله أو أعطى غيره وربما دفن بعض الأطعمة التي أهديت إليه، فقال له من لا بصيرة له ماذا تفعل أيها الشيخ هلا تطعم به غيرك ؟ فيقول : سبحان الله هل يجوز لمسلم رأى في طعام سما ولا يأكله فيعطي غيره ليأكل. وهؤلاء الرجال هم الخاطبون بقوله صلى الله عليه وسلم :" استفت قلبك وإن أفتاك المفتون " لكن ثبت بالسنة وانعقد عليه الإجماع أن الله سبحانه بفضله ورحمته تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان فورد هذا الدعاء لأجل الاستدامة واعتداد النعمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وقد مر فيما قبل، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " الحديث، أنه رفع إثمهما فلا يؤاخذ بها الله تعالى قي الآخرة ولا أثر لهذا الرفع في الدنيا فإن الخطأ والنسيان والإكراه واقع محسوس غير مرفوع والدنيا درا العمل فإذا وقع شيء منها لا بد للمكلف تداركها مهما أمكن، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " فلا يسقط قضاء الصلاة والصوم ونحو ذلك بعلة الخطأ والنسيان إجماعا ويجب سجدتا السهو بالسهو في الصلاة إجماعا والقتل خطأ يوجب الكفارة والحرمان عن الإرث إجماعا والشافعي رحمه الله قد يعتبر الخطأ والنسيان في أحكام الدنيا أيضا.
مسألة : الكلام في الصلاة ناسيا يفسد الصلاة عند أبي حنيفة لما قلنا، وقال الشافعي لا يفسد لحديث أبي هريرة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاة العشي إما الظهر أو العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبا وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلمناه وخرج سرعان النسا فقالوا قصرت، فقام ذو اليدين فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فنظر يمينا وشمالا فقال ما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر فسجد ثم كبر ورفع، متفق لعيه، قلنا : هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى : وقوموا لله قانتين وحديث زيدبن أرقم وقد مر في تفسير تلك الآية.
مسألة : الحج يفسد بالجماع ناسيا عند الجمهور خلافا للشافعي وطلاق المكره والمخطئ يقع عندنا خلافا للشافعي، ومبنى الخلاف الخلاف في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام :" رفع عن أمتي ".
مسألة : والصوم يفسد بالأكل خطأ عند أبي حنيفة وصاحبيه ومالك، وقال أحمد والشافعي لا يفسد. ويفسد الصوم بالأكل ناسيا عند مالك وهو القياس وعند الجمهور لا يفسد، وإنما قال أبو حنيفة بعد فساد الصوم بالنسيان لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا نسي أحدكم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " متفق عليه.
مسألة : الذبيحة يحرم يترك التسمية ناسيا عند مالك وأما عندنا فلا يحرم بالحديث على خلاف القياس، وسنذكر هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.
فائدة : قال الكلبي : كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة فحرم عليهم شيء من مطعوم أو مشروب على حسب ذلك الذنب.
ربنا ولا تحمل علينا إصرا عبأ ثقيلا بأصر صاحبه أي يحبسه، والمرادبه التكاليف الشاقة التي لا يستطيع القيام بها كما حملته على الذين من قبلنا يعني اليهود وذلك بأن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع المال في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، ومن أصاب ذنبا أصبح ذنبه مكتوب على بابه، ولما عبدوا العجل قيل لهم فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم وقيل : المراد بالإصر ذنب لا توبة له معناه اعصمنا عن مثله، أوالمعنى لا تجعل في شريعتنا ذنبا لا يكون له توبة ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به من البلاء والعقوبة أو من التكاليف الشاقة وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وقد ثبت بالشرع عدم وقوعه فضلا، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى المفعول الثاني واعف عنا أي تجاوز عن المعاقبة على ذنوبنا واغفر لنا أي امح ذنوبنا واسترها علينا. وارحمنا فإنا لا نأتي بالحسنات ولا نترك السيئات إلا برحمتك لا حول ولا قوة إلا بك أنت مولانا سيدنا وناصرنا وحافظنا وولينا فانصرنا تفريع على الولاية فإن من حق المولى أن ينصر عبيده ومواليه على القوم الكافرين المراد بهم عامة الكفرة من الجن والإنس حتى النفس الأمارة بالسوء، قال البغويك كان معاذ رضي الله عنه إذا ختم سورة البقرة قال آمين، ورد في الصحيحين في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه سابقا أن الله سبحانه قال نعم يعني بعدما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا وكذا بعد الجملة الثانية إلى قوله : من قبلنا والثالثة في قوله : ما لا طاقة لنا به والرابعة إلى آخر السورة كل ذلك قال نعم. وفي رواية ابن عباس عند مسلم والترمذي قال : كل ذلك قد فعلت بدل نعم، وفي رواية عنه قال بعد غفرانك قد غفرت لكم وبعد قوله أو أخطأنا لا أؤاخذكم وبعد لا تحمل علينا لا أحمل عليكم وبعد ولا تحملنا لا أحملكم واعف عنا إلى آخره قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين، هذا الحديث يدل على إجابة الدعاء من الله تعالى، فأما عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ فثابت في حق جميع الأمة إجماعا وكذا عدم حمل الإصرار وتحميل ما لا طاقة لنا به كما يدل عليه قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لأن الشرع واحد مؤبد فما سقط عن الأوائل سقط عن الأواخر ولا نسخ ولا تبديل بعد النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأما العفو والمغفرة لجميع الذنوب والرحمة العامة والنصرة على القوم الكافرين فالظاهر أن الإجابة في هذه الأمور مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا معه يدل عليه صيغة قد عفوت وغفرت ورحمت ونصرت وإلا لزم مذهب المرجئة بل الذنوب كلها في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر وإن شاء عذب، ومن ثم ترى في كثير من الأوقات عدم النصر على الكفار والخذلان، كيف والنصر متفرع على الولاية كما يدل عليه الفاء فأنى يكون النصر عند ارتكاب المعاصي اللهم اغفر لأمة م

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير