ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

الْفَاعِلِ لِ باخِعٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ (لَعَلَّ). وَإِسْنَادُ باخِعٌ إِلَى أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ جُعِلَ سَبَبًا لِلْبَخْعِ.
وَجِيءَ بِمُضَارِعِ الْكَوْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَأْسَفُ عَلَى عَدَمِ إِيمَانِهِمْ وَلَوِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ انْتِفَاؤُهُ فِيمَا مَضَى أَوْلَى بِأَنْ لَا يُؤْسَفَ لَهُ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُؤْمِنِينَ إِمَّا لِأَنَّ الْمُرَادَ مُؤْمِنِينَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ وَتَصْدِيقِ الْقُرْآنِ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِمُؤْمِنِينَ الْمَعْنَى اللَّقَبِيُّ، أَيْ أَنْ لَا يَكُونُوا فِي عِدَادِ الْفَرِيقِ الْمَعْرُوفِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ. وَضَمِيرُ أَلَّا يَكُونُوا عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ وهم الْمُشْركُونَ الَّذين دَعَاهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعُدِلَ عَنْ: أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، إِلَى أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ فِي فِعْلِ الْكَوْنِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ، فَتَأَكَّدَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِ إِيمَانِهِمُ الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ الْإِقْلَاعِ عَنِ الْحُزْنِ لَهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٦] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ بِحَرْفِ نَفْيِ الْمَاضِي وَهُوَ (لَمْ) لِأَنَّ سُورَةَ الْكَهْفِ مُتَأَخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فَعَدَمُ إِيمَانِهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَئِذٍ وَبَلَغَ حَدَّ الْمَأْيُوسِ مِنْهُ.
وَضَمِيرُ يَكُونُوا عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنْ مَقَامِ التَّحَدِّي الْحَاصِلِ بِقَوْلِهِ: طسم تِلْكَ
آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
[الشُّعَرَاء: ١، ٢] لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُتَحَدَّيْنَ هُمُ الْكَافِرُونَ المكذبون.
[٤]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : آيَة ٤]
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: ٣] لِأَنَّ التَّسْلِيَةَ عَلَى عَدَمِ إِيمَانِهِمْ تُثِيرُ فِي النَّفْسِ سُؤَالًا عَنْ إِمْهَالِهِمْ دُونَ عُقُوبَةٍ لِيُؤْمِنُوا، كَمَا قَالَ مُوسَى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُس: ٨٨]، فَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمَعْطُوفَةِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.

صفحة رقم 94

وَمَفْعُولُ نَشَأْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْغَالِبَةِ فِي حذف مفعول فعل الْمَشِيئَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ نَشَأْ تَنْزِيلَ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ نُنْزِلْهَا.
وَجِيءَ بِحَرْفِ إِنْ الَّذِي الْغَالِبُ فِيهِ أَنْ يُشْعِرَ بِعَدَمِ الْجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَشَاؤُهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ أَنْ لَا يَشَاءَهُ.
وَمَعْنَى انْتِفَاءِ هَذِهِ الْمَشِيئَةِ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَحْصُلَ الْإِيمَانُ عَنْ نَظَرٍ وَاخْتِيَارٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْدَى لِانْتِشَارِ سُمْعَةِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْدَأِ ظُهُورِهِ. فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَهْدِيدِهِمْ بِالْإِهْلَاكِ تَهْدِيدًا مَحْسُوسًا بِأَنْ تَظْهَرَ لَهُمْ بِوَارِقُ تُنْذِرُ بِاقْتِرَابِ عَذَابٍ. وَهَذَا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الْأَنْعَام: ٣٥]، وَلَيْسَ الْمُرَادُ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِآيَاتِ الْقُرْآنِ.
وَجَعْلُ تَنْزِيلِ الْآيَةِ مِنَ السَّمَاءِ حِينَئِذٍ أَوْضَحُ وَأَشَدُّ تَخْوِيفًا لِقِلَّةِ الْعَهْدِ بِأَمْثَالِهَا وَلِتَوَقُّعِ كُلِّ مَنْ تَحْتَ السَّمَاءِ أَنْ تُصِيبَهُ. فَإِن قلت: لماذَا لَمْ يُرِهِمْ آيَةً كَمَا أُرِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ نَتْقَ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ؟ قُلْتُ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُؤْمِنِينَ بِمُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ إِظْهَارُ الْآيَاتِ لَهُمْ لِإِلْجَائِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لِزِيَادَةِ تَثْبِيتِهِمْ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَة: ٢٦٠].
وَفُرِّعَ عَلَى تَنْزِيلِ الْآيَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ لَهَا وَهُوَ جُمْلَةُ فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ.
وَعُطِفَ فَظَلَّتْ وَهُوَ مَاضٍ عَلَى الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ: نُنَزِّلْ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ جَوَابُ شَرْطٍ، فَلِلْمَعْطُوفِ حُكْمُ جَوَابِ الشَّرْطِ فَاسْتَوَى فِيهِ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ وَصِيغَةُ الْمَاضِي لِأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ تُخَلِّصُ الْمَاضِيَ لِلِاسْتِقْبَالِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنْ شِئْنَا نَزَّلْنَا أَوْ إِنْ نَشَأْ نَزَّلْنَا، لَكَانَ سَوَاءً إِذِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنِ اخْتِلَافِ فِعْلَيِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِالْمُضَارِعِيَّةِ وَالْمَاضَوِيَّةِ، عَلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَاتِ يُتَّسَعُ فِيهَا مَا لَا يُتَّسَعُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا لِقَاعِدَةِ: أَنْ يُغْتَفَرَ فِي الثَّوَانِي مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَوَائِلِ، كَمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْ «مُغْنِي اللَّبِيبِ»، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ خُصُوصِيَّةٍ فِي كَلَامِ الْبَلِيغِ وَخَاصَّةً فِي الْكَلَامِ الْمُعْجِزِ، وَهِيَ هُنَا أَمْرَانِ:

صفحة رقم 95

التَّفَنُّنُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وَتَقْرِيبُ زَمَنِ مُضِيِّ الْمُعَقَّبِ بِالْفَاءِ مِنْ زَمَنِ حُصُولِ الْجَزَاءِ بِحَيْثُ يَكُونُ حُصُولُ خُضُوعِهِمْ لِلْآيَةِ بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ تَنْزِيلِهَا فَيَتِمُّ ذَلِكَ سَرِيعًا حَتَّى يُخَيَّلَ لَهُمْ مِنْ سُرْعَةِ حُصُولِهِ أَنَّهُ أَمْرٌ مَضَى فَلِذَلِكَ قَالَ:
فَظَلَّتْ وَلَمْ يَقِلْ: فَتَظَلُّ. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النَّحْل: ١] وَكِلَاهُمَا لِلتَّهْدِيدِ، وَنَظِيرُهُ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.
وَالْخُضُوعُ: التَّطَامُنُ وَالتَّوَاضُعُ. وَيُسْتَعْمَلُ فِي الِانْقِيَادِ مَجَازًا لِأَنَّ الِانْقِيَادَ مِنْ أَسْبَابِ الْخُضُوعِ. وَإِسْنَادُ الْخُضُوعِ إِلَى الْأَعْنَاقِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَفِيهِ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُنْقَادِينَ الْخَائِفِينَ الْأَذِلَّةِ بِحَالِ الْخَاضِعِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أَنْ تُصِيبَهُمْ قاصمة على رؤوسهم فهم يطأطئون رؤوسهم وَيَنْحَنُونَ اتِّقَاءَ الْمُصِيبَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ.
وَالْأَعْنَاقُ: جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ وَقَدْ تُسَكَّنُ النُّونُ وَهُوَ الرَّقَبَةُ، وَهُوَ مُؤَنَّثٌ. وَقِيلَ:
الْمَضْمُومُ النُّونِ مُؤَنَّثٌ، وَالسَّاكِنُ النُّونِ مُذَكَّرٌ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْأَعْنَاقُ هِيَ مَظْهَرُ الْخُضُوعِ أُسْنِدَ الْخُضُوعُ إِلَيْهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِمَّا يُسْنَدُ إِلَى أَصْحَابِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: ١٠٨] أَيْ أَهِلُ الْأَصْوَاتِ بِأَصْوَاتِهِمْ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:

(كَذَلِكَ فَافْعَلْ مَا حَيِيتَ إِذَا شَتَوْا) وَأَقْدِمْ إِذَا مَا أَعْيُنُ النَّاسِ تَفْرَقُ
فَأُسْنِدَ الْفَرَقُ إِلَى الْعُيُونِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِأَنَّ الْأَعْيُنَ سَبَبُ الْفَرَقِ عِنْدَ رُؤْيَة الْأَشْيَاء المخيفة. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الْأَعْرَاف: ١١٦] وَإِنَّمَا سَحَرُوا النَّاسَ سِحْرًا نَاشِئًا عَنْ رُؤْيَةِ شَعْوَذَةِ السِّحْرِ بِأَعْيُنِهِمْ، مَعَ مَا يَزِيدُ بِهِ قَوْلُهُ: «ظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ» مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَمْثِيلِ حَالِهِمْ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَظَلُّوا لَهَا خَاضِعِينَ بِأَعْنَاقِهِمْ.
وَفِي إِجْرَاءِ ضَمِيرِ الْعُقَلَاءِ فِي قَوْلِهِ: خاضِعِينَ عَلَى الْأَعْنَاقِ تَجْرِيدٌ لِلْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ فِي إِسْنَادِ خاضِعِينَ إِلَى أَعْناقُهُمْ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْجَرْيِ عَلَى وَتِيرَةِ الْمَجَازِ أَنْ يُقَالَ لَهَا:
خَاضِعَةً، وَذَلِكَ خُضُوعٌ مِنْ تَوَقُّعِ لَحَاقِ الْعَذَابِ النَّازِلِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ الْأَعْنَاقَ هُنَا جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى سَيِّدِ الْقَوْمِ وَرَئِيسِهِمْ كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ رَأْسُ الْقَوْمِ وَصَدْرُ الْقَوْمِ، أَيْ فَظَلَّتْ سَادَتُهُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ أَغْرَوْهُمْ

صفحة رقم 96

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية