وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون٥٧ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون [ الأعراف : ٥٧ ٥٨ ].
تفسير المفردات : الريح : الهواء المتحرك، والرياح عند العرب أربع بحسب مهابّها من الجهات الأربع : الشمال والجنوب، وسميا كذلك باسم الجهة التي يهبان منها. والصبا أو القبول وهي الشرقية وقد ينسبونها إلى نجد كما ينسبونها الجنوب إلى اليمن والشمال إلى الشام. والدبور، وهي الغربية. والريح التي تنحرف عن الجهات الأصلية فتكون بين اثنتين منها يسمى النكباء.
قال الراغب : كل موضع ذكر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب وكل موضع ذكر فيه بلفظ الجمع كان للرحمة، وفي الخبر : إنه صلى الله عليه وسلم كان يجثو على ركبتيه حين هبوب الرياح ويقول :( اللهم اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك ).
وبشرا : مخفف بشرا واحدها بشير : كغدر جمع غدير، والرحمة : هنا المطر، وأقلّت : رفعت ؛ قال في المصباح : كل شيء حملته فقد أقللته، والسحاب : الغيم واحده سحابة، والثقال منه، المشبعة ببخار الماء، وسقناه : سيرناه، والبلد والبلدة : الموضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وبلد ميت : أرض لا نبات فيها ولا مرعى، والثمرات : واحدها ثمرة، والثمرة واحدة الثمر : وهو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا، فيقال ثمر الأراك وثمر النخل والعنب.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه تفرده بالملك والملكوت وتصرفه في العالم العلوي والسفلي وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وأبان لنا أن رحمته قريب من المحسنين ـ قفى على ذلك بذكر بعض ضروب من رحمته، إذ أرسل إلينا الرياح وما فيها من منافع للناس ـ فبها ينزل المطر الذي هو مصدر الرزق وسبب حياة كل حي في هذه الأرض، وفي ذلك عظيم الدلالة على قدرته تعالى على البعث والنشور.
الإيضاح : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت أي إن ربكم المدبر لأمور الخلق، هو الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته : أي بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها، فينشئ بها سحابا ثقالا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله.
ونحو الآية قوله : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور [ فاطر : ٩ ].
فأنزلنا به الماء أي فأنزلنا بالسحاب الماء، إذ قد ثبت أنه حينما يسخن الهواء القريب من سطوح البحار وغيرها بتأثير الحرارة، يرتفع في الجو ويبرد لوصوله إلى منطقة باردة، أو لامتزاجه بتيار من الهواء البارد، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء وتكوّن السحاب، فالسحاب ناشئ من تكاثف بخار الماء من الهواء في الطبقات العالية من الجو، وهو لا يكون ثابتا في مكان، بل يسير في اتجاه أفقي مدفوعا بقوة الريح، ويتراوح بعده عن الأرض بين ميل وعشرة أميال، ويكون معتما مشبعا بالماء إذا كان قريبا من سطح الأرض، وهو الذي ينشأ عنه المطر لتجمع قطيرات الماء التي فيه بعضها مع بعض بتأثير البرودة، فتتكون قطيرات كبيرة تسقط من خلاله نحو الأرض لثقلها بحسب سنة الله في جاذبية الثقل كما قال تعالى في سورة الروم : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق المطر يخرج من خلاله [ الروم : ٤٨ ] وفي سورة النور : ألم تر أن الله يزجي يسوق سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما مجتمعا فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار [ النور : ٤٣ ] والمراد بالسماء السحاب، إذ هي لغة : كل ما علا الإنسان وأظله.
وقد أثبت العلم ودلت المشاهدة أن سكان الجبال الشامخة يبلغون في العلو حذاء السحاب الممطر أو يتجاوزونه إلى ما فوقه فيكون دونهم كما شاهد ذلك بعض النازلين في بعض الفنادق في جنيف بسويسرا.
فأخرجنا به من كل الثمرات أي فأخرجنا بالماء أنواع الثمار على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها، فتخرج كل أرض أنواعا مختلفة منها تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله كما قال : وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ الرعد : ٤ ].
وبعد أن ذكرهم بهذه الآيات قفى على ذلك بما يزيل إنكارهم للبعث فقال :
كذلك نخرج الموتى أي ومثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من الناس وغيرهم، إذ القادر على هذا قادر على ذلك..
لعلكم تذكرون هذا الشبه فيزول استعبادكم للبعث بنحو قولكم : من يحي العظام وهي رميم [ يس : ٧٨ ] وقولكم أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون [ الصافات : ١٦ ] وقولكم : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد [ ق : ٣ ].
فأمثال هذه المقالات الدالة على إنكار خروج الحي من الميت تزول إذا أنتم تذكرتم خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لا فارق بين حياة النبات وحياة الحيوان، فكل منهما خاضع لقدرة الإله القادر على كل شيء.
والحياة في عرف المخاطبين كانت تعرف بالتغذي والنمو في النبات والحس والحركة في الحيوان.
وما يقوله علماء الطبيعة الآن من أن الحي لا يولد إلا من حي سواء في ذلك الحيوان والنبات، فالنبات الذي يخرج في الأرض القفراء بعد سقيها بالماء لا بد أن تكون له بذور فيها حياة كامنة لا تظهر إلا بالماء فمثل هذه الحياة لم يكن معروفا عند واضعي اللغة، على أنه لا ينفي صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لولا تغذي البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت.
والقرآن الكريم قد حدثنا بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها ثم يعيدها الله كما بدأها فقال : إذا رجت الأرض رجا٤ وبست الجبال بسا٥ فكانت هباء منبتا [ الواقعة : ٤ ٦ ] فهذه الرجة هي التي سميت في الآيات الأخرى بالقارعة والصاخة، إذ ربما يقرعها ويصطدم بها فتتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق في الجو المسمى بالسديم.
إعادة الموتى :
جاء في الكتاب الكريم قوله : كما بدأنا أول خلق نعيده [ الأنبياء : ١٠٤ ] وقوله : كما بدأكم تعودون [ الأعراف : ٢٩ ] وقوله : قال من يحي العظام وهي رميم٧٨ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [ يس : ٧٨ ٧٩ ].
فأثبت في هؤلاء الآيات الإعادة وشبهها بالبدء، وهو تشبيه في جملة ذلك لا في تفصيله، فإنه كما خلق جسد الإنسان الأول خلقا ذاتيا مبتدأ ونفخ فيه الروح يخلق أجسام أفراد الإنسان خلقا ذاتيا معادا، ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسي في الحياة الدنيا، فما الأجساد إلا كالسكن للأرواح.
وليس بالبعيد على خالق العالم أن يعيد أجساد ألوف الملايين دفعة واحدة ولاسيما بعد أن أثبت العلم أنه يمكن تحليل بعض المواد المؤلفة من عناصر مختلفة، ثم إعادة تركيبها، وقد كان لتقدم الإنسان في العصر الحديث ومعرفته لكثير من ظواهر الكون أثر عظيم في تعرفنا لكثير من أخبار عالم الغيب وسهولة إدراك العقول لها، ومن ثم قال كثير من علماء العصر الحديث : ليس في العالم شيء مستحيل.
ولا يراد بحشر الأجساد حشرها بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها، ألا ترى أن العلماء يقولون : إن الأجساد تتجدد في قليل من السنين. ومع ذلك لا يعتقد أحد من القضاة أن العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فحقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل، إذ ليس هذا إلا كتبدل الثياب ونحوها، إذ المستحق للثواب والعقاب هو الروح، لأن مبنى الطاعة والعصيان الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات.
والخلاصة : إن الإنسان الحقيقي هو الذرة التي تحل في القلب وفيها تحل الروح وتكسبها الحياة وتسري منها إلى الهيكل الجسماني، فهذا الهيكل هو آلة قضاء أعمال تلك الذرة في هذا الكون واكتساب العلوم والمعارف، وهي مع الروح الحال فيها هما المخاطبان بالتكليف، وهما المعادان والمنعّمان والمعذبان إلى نحو ذلك.
وبعد أن ضرب الله إحياء البلاد بالمطر مثلا لبعث الموتى ضرب اختلاف نتاج البلاد مثلا لما في البشر من اختلاف الاستعداد لكل من الهدى والكفر والرشاد والغي فقال : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا .
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه تفرده بالملك والملكوت وتصرفه في العالم العلوي والسفلي وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وأبان لنا أن رحمته قريب من المحسنين ـ قفى على ذلك بذكر بعض ضروب من رحمته، إذ أرسل إلينا الرياح وما فيها من منافع للناس ـ فبها ينزل المطر الذي هو مصدر الرزق وسبب حياة كل حي في هذه الأرض، وفي ذلك عظيم الدلالة على قدرته تعالى على البعث والنشور.
تفسير المراغي
المراغي