( ٦ ) أقلت : حملت.
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار١ يطلبه حثيثا٢ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين( ٥٤ ) ادعوا ربكم تضرعا٣ وخفية٤ إنه لا يحب المعتدين٥( ٥٥ ) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين( ٥٦ ) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت٦ سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون( ٥٧ ) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا٧ كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون( ٥٨ ) [ ٥٤-٥٨ ].
الآيات استمرار للسياق السابق ومتصلة به على ما هو المتبادر، وقد جاءت بعد بيان مصائر المؤمنين والكافرين في الآية لتخاطب الناس عودا على بدء، وتلفت نظرهم إلى مظاهر ربوبية الله في الكون العظيم ومطلق تصرفه، وتذكرهم بنعمة الله، وتبشر المحسنين الصالحين برحمته الواسعة، وتدلل على استحقاقه وحده للعبودية والخضوع والدعاء وتبرهن على قدرته على إحياء الناس بعد الموت.
وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وأسلوبها تقريري رصين موجه إلى العقول والقلوب معا. ومع أن ضمير الجمع المخاطب عائد إلى السامعين فإنه عام التوجيه. وقد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى. سواء في تعليمها آداب دعاء لله وعبادته تضرعا وخفية وخوفا وطمعا بدون إعلان ولا صخب، أم في نهيها عن الفساد في الأرض، أم في تأميلها المحسنين الذين يقومون بواجباتهم، أم في التفكير في آلاء الله وعظمة كونه والاستشعار بعظيم قدرته ومطلق تصرفه، وتحرير النفس من كل ما عداه.
وسامعو القرآن كانوا يعرفون ويعترفون بأن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، والمدبر للأكوان والمتصرف فيها على ما حكته عنهم آيات عديدة منها آية سورة الزخرف هذه : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم٩ وآية سورة يونس هذه : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون٣١ وآيات سورة المؤمنون هذه : قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم٨٦ سيقولون لله قل أفلا تتقون٨٧ بحيث تستحكم الحجة على السامعين بما أرادته الآيات من التدليل على استحقاق الله وحده للخضوع والدعاء وقدرته على إحياء الناس بعد الموت.
والمتبادر أن تعبير ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها هو تعبير أسلوبي ؛ إذ الفساد ليس أصلا، وإنما يكون طارئا ومستأنفا. والجملة بسبيل تشديد خطر البغي والفساد، فإذا كان الفساد في أصله قبيحا محظورا فهو بعد الصلاح أشد قبحا وآكد خطرا ؛ لأنه هدم للصلاح القائم وإقامة الفساد مكانه. ولعل الجملة تتضمن التنويه بالرسالة النبوية التي جاءت بالإصلاح بعد الفساد والتنديد بالذين يقفون منها موقف الهادم لها وإتاحة الاستمرار للفساد أو استئنافه.
وتبدأ بعد هذه الآيات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء مع أقوامهم. وهكذا تكون هذه الآيات وبخاصة الأخيرة منها قد جاءت خاتمة قوية للفصل الطويل الذي ابتدأ من أول السورة.
التفسير الحديث
دروزة