ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

قوله : وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بشرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ عطف على قوله : يُغْشِي الليل والنهار يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على عباده، مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلاهيته. ورياح جمع ريح، وأصل ريح روح، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو نشراً بضم النون والشين، جمع ناشر على معنى النسب. أي ذات نشر. وقرأ الحسن وقتادة، وابن عامر نُشْراً بضم النون وإسكان الشين من نُشْر. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي نشراً بفتح النون، وإسكان الشين على المصدر، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النشر، الذي هو خلاف الطيّ، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية، ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة. وقال أبو عبيدة : معناه متفرقة في وجوهها، على معنى ننشرها هاهنا وهاهنا. وقرأ عاصم بَشَرًا بالباء الموحدة، وإسكان الشين جمع بشير : أي الرياح تبشر بالمطر، ومثله قوله تعالى : وهو الذي يُرْسِلُ الرياح مبشرات .
قوله : بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أراد بالرحمة هنا المطر، أي قدّام رحمته، والمعنى : أنه سبحانه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات بين يدي المطر.
قوله : حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً أقلّ فلان الشيء : حمله ورفعه. والسحاب يذكر ويؤنث، والمعنى : حتى إذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً بالماء الذي صارت تحمله سقناه أي السحاب لِبَلَدٍ مَّيّتٍ أي مجدب ليس فيه نبات. يقال سقته لبلد كذا، وإلى بلد كذا. وقيل اللام هنا لام العلة : أي لأجل بلد ميت. والبلد : هو الموضع العامر من الأرض فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء أي بالبلد الذي سقناه لأجله، أو بالسحاب : أي أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله، أو بالريح : أي فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء. وقيل إن الباء هنا بمعنى من : أي فأنزلنا معه الماء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أي بالماء مِن كُلّ الثمرات أي من جميع أنواعها.
قوله : كذلك نُخْرِجُ الموتى أي مثل ذلك الإخراج، وهو إخراج الثمرات نخرج الموتى من القبور يوم حشرهم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون، فتعلمون بعظيم قدرة الله وبديع صنعته، وأنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج الثمرات التي تشاهدونها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية قال : السرّ إنه لا يحبّ المعتدين في الدعاء ولا في غيره. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة، قال : التضرّع علانية. والخفية سرّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله : ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية يعني : مستكيناً. وخفية : يعني في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة، إنه لا يحب المعتدين يقول : لا تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشرّ : اللهم اخزه والعنه ونحو ذلك، فإن ذلك عدوان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، في قوله : إنه لا يحب المعتدين قال : لا تسألوا منازل الأنبياء. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن قال : لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً فرضي قوله فقال : إذ نادى ربه نداء خفياً .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صالح، في قوله : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قال : بعدما أصلحها الأنبياء وأصحابهم. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي سنان، في الآية قال : أحللت حلالي، وحرّمت حرامي، وحدّدت حدودي، فلا تفسدوها. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : ادعوه خوفاً وطمعاً قال : خوفاً منه، وطمعاً لما عنده إن رحمت الله قريب من المحسنين يعني المؤمنين، ومن لم يؤمن بالله فهو من المفسدين.
وأخرج ابن جريج، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله : وهو الذي يرسل الرياح قال : إن الله يرسل الريح، فيأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض، من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : بشرا بين يدي رحمته قال : يستبشر بها الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله : بين يدي رحمته قال : هو المطر، وفي قوله : كذلك نخرج الموتى قال : كذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما يخرج الزرع بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : كذلك نخرج الموتى قال : إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى يشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فيهوي كل روح إلى جسده، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر، كإحيائه الأرض.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : والبلد الطيب الآية. قال : هو مثل ضربه الله للمؤمن، يقول هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب والذي خبث ضرب مثلاً للكافر، كالبلد السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية