٥٧ - قوله تعالى: وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا (١) بين يدي رحمته، مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة (٢) بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: نُشْرًا. يقال (٣) أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء (٤).
قال المرّار (٥):
| وَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ | لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا (٦) |
(١) في (ب): بُشْرًا، وهي قراءة سبعية كما في "السبعة" ص ٢٨٣ وستأتي.
(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية ١/ ١٠١ أ.
(٣) في (ب): (فيقال).
(٤) انظر: "العين" ٦/ ٢٥١، و"المنجد" لكراع ص ٣٣٩، و"الجمهرة" ٢/ ٧٣٤، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧١، و"الصحاح" ٢/ ٨٢٧، و"المجمل" ٣/ ٨٦٨، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٤٣٠، و"المفردات" ص ٨٠٥، و"اللسان" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر).
(٥) المَرَّارُ بن سعيد بن حبيب الفقْعسي، أبو حسان، شاعر أموي مكثر. انظر: "الشعر والشعراء" ص ٤٦٧، و"الأغاني" ١٠/ ٣٦٦، و"معجم المرزباني" ص ٣٠٤، و"الأعلام" ٧/ ١٩٩.
(٦) الشاهد في "الحجة" لأبي علي ٤/ ٣٥ - ٣٦، و"تفسير ابن الجوزي" ٣/ ٢١٧، و"اللسان" ٣/ ١٧٩٠ (ريد)، و"البحر المحيط" ٤/ ٣١٦. وَرْيدَة أي: ريح لينة. انظر: "اللسان" ٣/ ١٧٩٠ (ريد).
ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال:
| إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ | فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ (١) |
| فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً | سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (٤) |
(٢) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: الرَّيَاحَ على التوحيد، وقرأ الباقون: الرِّيَاحَ بالجمع، وقرأ عاصم بُشْرًا بضم الباء وسكون الشين، وقرأ ابن عامر: نُشْرًا بضم النون وسكون الشين، وقرأ حمزة والكسائي: نَشْرًا بفتح النون، وسكون الشين، وقرأ الباقون: نُشُرًا بضم النون والشين. انظر: "السبعة" ص ٢٨٣، و"المبسوط" ص ١٨١، و"التذكرة" ٢/ ٤٢٠، و"التيسير" ص ١١٠، و"النشر" ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٣) في (أ): (الشاة)، وأصل النص في "الحجة" لأبي علي ٤/ ٢٣ وفيه: الشاء.
(٤) "ديوانه" ص ١٧، و"الحجة" لأبي علي ٤/ ٣٣، و"الدر المصون" ٥/ ٣٥٠، والشاهد من معلقته المشهورة قال النحاس في "شرح المعلقات" ٢/ ١٣ - ١٤: (الحلوبة المحلوبة يستعمل في الواحد والجميع على لفظ واحد، والخوافي أواخر =
وقرأ ابن عامر: نُشْرًا خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي نَشْرًا؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: نَشْرًا مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى:
يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ (١)
فإذا حملته على ذلك -وهو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول: أتاني ركضًا أي: راكضًا، ويجوز أن يكون انتصاب قوله: نَشْرًا انتصاب المصادر لا الحال من باب (صُنْعَ الله)؛ لأنه إذا قال: يُرْسِلُ اَلريَاحَ دل هذا الكلام على نشر الريح نشرًا، وقرأ عاصم بُشْرًا جمع بشيرًا على (بُشْر) من قوله: يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ [الروم: ٤٦] أي: تبشر بالمطر والرحمة. قال الفراء: (النُشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب) (٢). قال ابن الأنباري: (واحدها نشور، وأصل هذا من النَّشْر
(١) "ديوانه" ص ٩٣، و"مجاز القرآن" ٢/ ٧٠، و"الجمهرة" ٢/ ٧٣٤، و"الاشتقاق" ص ٢٤٢، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧٠، و"الصحاح" ٢/ ٨٢٨، و"الخصائص" ٣/ ٣٢٥، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٤٣٠، و"اللسان" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٤٧ وصدره: حتَى يقول النَّاسُ مِمَّا رَأَوا. وفي "حاشية الديوان": (الناشر الذي بعث من قبره، والمعنى: وعندئذٍ يتعجب الناس مما يرون فيقولون: يا عجبا للميت الذي بعث من جديد) اهـ.
(٢) "معاني الفراء" ١/ ٣٨١.
وهو الرائحة الطيبة) (١). ومنه قول امرئ القيس:
............ ونَشْرَ القُطُرْ (٢)
وقال أبو عبيدة: (نُشُرًا أي: متفرقة من كل جانب) (٣).
قال أبو بكر: (هي المنتشرة الواسعة الهبوب، والنشر: التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، والنشر المنتشر) (٤).
وقرأ حمزة والكسائي: نَشْرًا يجوز أن يكون من باب حذف المضاف على معنى: ذوات نشر أي: ريح طيبة (٥).
وقوله تعالى: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، قال ابن عباس: (يريد: بين يدي المطر) (٦).
(٢) "ديوانه" ص ٦٩، و"المنجد" لكراع ص ٣٣٩، و"تفسير الطبري" ٨/ ٢٠٩، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٧١، و"الصحاح" ٢/ ٨٢٧، و"اللسان" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر)، والخزانة ٩/ ٢٣١ وتمامه:
كَأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغَمَام... ورِدحَ الخُزَامىَ........
وفي "حاشية الديوان": (المدام: الخمر، وصوب الغمام: ماء السحاب، والخزامى: خيري البر وهو نبت حسن الريح، ونشر القطر: ريح العود الذي يتبخر به) اهـ.
(٣) "مجاز القرآن" ١/ ٢١٧، ومثله قال اليزيدي في "غريب القرآن" ص ١٤٦.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٢١٨، وانظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٣٠١، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٨، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٥، و"تفسير الطبري" ٨/ ٢٠٩، و"نزهة القلوب" للسجستاني ص ٤٥٤، و"معاني النحاس" ٣/ ٤٤.
(٥) ما تقدم في توجيه القراءات هو قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ٣٢ - ٣٩، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٩، و"إعراب القراءات" ١/ ١٨٦، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٥٧، ولابن زنجلة ص ٢٨٥، و"الكشف" ١/ ٤٦٥.
(٦) لم أقف عليه.
وقال الكلبي: (قدّام مطره) (١).
وقال أبو إسحاق: (أي: بين يدي المطر الذي هو رحمته) (٢)
قال أبو بكر: (اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة، يقال: تكون هذه الفتن بين يدي الساعة، يريدون قبيل (٣) أن تقوم، تشبيهًا وتمثيلاً، إذ كانت يد الإنسان تتقدمانه، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به) (٤).
وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا، يقال: أقلَّ فلان الشيءَ أي (٥) حَمَله، وكذلك استقَلَّه (٦)، والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابًا ثقالًا بما فيها من الماء، قاله المفسرون (٧).
وقوله تعالى: سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي: سقنا السحاب، والسحاب لفظه مذكر وإن كان جمع سحابة، لذلك ذكَّر الكناية، وهو من باب تمر وتمرة وجَوْز وجَوْزة (٨).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٥.
(٣) في (ب): (قبيل أن يكون تقوم)، وهو تحريف.
(٤) ذكره الخازن في "تفسيره" ٢/ ٢٤٣، ونحوه قال الطبري في "تفسيره" ٨/ ٢١٠.
(٥) في (ب): (إذا حمله).
(٦) انظر: "المفردات" ص ٦٨١، و"اللسان" ٦/ ٣٧٣٨ (قلل).
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٢١٠، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٥، و"النحاس" ٣/ ٤٥، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٧.
(٨) أصل السَّحْب الجَرُّ، ومنه السحاب لجره الماء ولجر الريح له وانسحابه في الهواء =
لِبَلَدٍ مَيِّتٍ. قال ابن عباس: (يريد: ليس فيه نبات) (١). وقال الكلبي: (إلى مكان لا ينبُت) (٢).
وقال أبو بكر: (أي: سقنا السحاب لبلدِ وإلى بلدٍ محتاج إلى المطر لانقطاعها عنه) (٣). فمنهم من يجعل اللام بمعنى إلى، كما يقال: هديته للدين وإلى الدين، ومنهم من يجعله لام أجل فيقول: سقناه لأجل بلدٍ ميتٍ (٤)، وأما البلد فكل موضع من الأرض عامرٍ أو غير عامر خالٍ أو مسكونٍ فهو بلد، والطائفة منه (بَلْدة)، والجميع البلاد، والفلاة تسمى: بلدة (٥)؛ قال الأعشى (٦):
(١) لم أقف عليه.
(٢) "تنوير المقباس" ٢/ ١٠١.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢١٩.
(٤) انظر: "كتاب اللامات" للزجاجي ص ١٤٤، وللهروي ص ٢٣، وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٣١٧: (اللام في لِبَلَدٍ عندي لام التبليغ كقولك قلت لك) اهـ.
(٥) هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" ١/ ٣٨٣.
وانظر: "العين" ٨/ ٤٢، و"المنجد" ص ١٤٣، و"الجمهرة" ١/ ٣٠١، و"الصحاح" ٢/ ٤٤٩، و"المجمل" ١/ ١٣٤، و"مقاييس اللغة" ١/ ٢٩٨، و"المفردات" ص ١٤٢، و"اللسان" ١/ ٣٤٠ (بلد).
(٦) الشاهد في "ديوانه" ص ١٤٦، و"تهذيب اللغة" ١/ ٣٨٣، و"تفسير الرازي" ١٤/ ١٤٢، و"اللسان" ١/ ٣٤١ (بلد)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٥٢، وهو من معلقة أعشى قيس المشهورة، وفي "حاشية الديوان": (مثل ظهر الترس: شبهها بظهر الدرع في انبساطها وإقفارها لأنها لا شيء فوق ظهرها، وحافاتها: نواحيها، والزجل: الأصوات المختلطة) اهـ.
| وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ | للجِنِّ بِاللَّيْلِ في حَافَاتِهَا (١) زَجَلُ |
وقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ. الظاهر أن الكناية تعود إلى الماء؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء، وقال الزجاج: (وجائز أن يكون فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات؛ لأن البلد ليس يخص به هاهنا بلد دون غيره) (٤).
وقوله تعالى: كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى أي: مثل ذلك الإخراج الذي أشرنا إليه نخرج الموتى. وقال أبو بكر: (أي: نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات بعد أن صاروا رفاتا في التراب كإحياء الأرض بالنبات) (٥).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢١٩، والرازي ١٤/ ١٤٢، و"الخازن" ٢/ ٢٤٣.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٨، والظاهر عودة الضمير إلى أقرب مذكور وهو بلد أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، أفاده أبو حيان في "البحر" ٤/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٥، والأول أظهر وهو اختيار الزجاج في "معانيه"، والسمرقندي ١/ ٥٤٨، وابن عطية ٥/ ٥٤٠، ٥٤١، وقال السمين في "الدر" ٥/ ٣٥١: (الأحسن هو العود على الماء ولا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٧، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٦، و"بدائع التفسير" ٢/ ٢٥٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي