تفسير سورة سورة البلد

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء

معاني القرآن للفراء

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء (ت 207 هـ)

الناشر

دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر

الطبعة

الأولى

المحقق

أحمد يوسف النجاتي / محمد علي النجار / عبد الفتاح إسماعيل الشلبي

آية رقم ٢
بأيمانهم «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ» إلى ما أعد اللَّه لَكَ من الثواب. وقد يكون أن يقولوا لهم هَذَا القول ينوون: ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع. وأنت تقول للرجل: ممن أنت؟ فيقول: مضرى.
فتقول: كن تميميا، أو قيسيا. أي: أنت من أحد هذين. فيكون «١» «كن» [صلة] «٢» كذلك الرجوع [١٣٧/ ب] يكون [صلة] «٣» لأنه قَدْ صار إلى القيامة، فكأن الأمر بمعنى الخبر، كأنه قَالَ:
أيتها النفس أنت راضية مرضية.
وقرأ ابْنُ عَبَّاس وحده: «فادخلي فِي عبدي «٤»، وادخلي جنتي» والعوام (فِي عِبادِي).
ومن سورة البلد
وقوله عز وجل: أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦).
اللبد: الكثير. قَالَ بعضهم واحدته: لُبدة، ولُبَد جماع. وجعله بعضهم عَلَى جهة: قُثَم، وحُطَم واحدًا، وهو فِي الوجهين جميعا الكثير. وقرأ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ. «مالًا لُبَداً» «٥» مشددة مثل رُكّع، فكأنه أراد: مال لا بِدٌ، ومالان لابدان، وأموالٌ لبَّد. والأموال والمال قَدْ يكونان معنى واحد.
وقوله عزَّ وجلَّ: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢).
يقول: هُوَ حلال لَكَ أحله يوم فتح مكَّة لم يحل قبله، ولن يحل بعده.
وقوله عز وجل: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣).
أَقسم بآدم وولده، وصلحت (ما) للناس، ومثله: «وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «٦» » وهو الخالق الذكر والأنثى ومثله «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ «٧» »، ولم يقل: من طاب.
وكذلك: «وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ «٨» » كل هَذَا جائز فِي العربية. وَقَدْ
(١) فى ش: فيكون.
(٢، ٣) سقط فى ش.
(٤) وقرأ (عبدى) أيضا: عكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر، وأبو صالح والكلبي. (البحر المحيط ٨/ ٤٧٢)
(٥) وعنه وعن زيد بن على بسكون الباء: لبدا، ومجاهد وابن أبى الزناد بضمهما (البحر المحيط: ٨/ ٤٧٦).
وقد قدم المؤلف هنا الكلام عن الآية ٦ على الآية ٢.
(٦) سورة الليل الآية: ٣.
(٧) سورة النساء الآية: ٣.
(٨) سورة النساء الآية: ٢٢.
آية رقم ٧
تكون: (ما) وما بعدها فِي «١» معنى مصدر، كقوله: «وَالسَّماءِ وَما بَناها «٢» »، «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها «٣» »، كأنه قَالَ: والسماء وبنائها ونفس وتسويتها. ووالد وولادته، وخلقه الذكر والأنثى، فأينما وجّهته فصواب.
وقوله عزَّ وجلَّ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤).
يَقُولُ: منتصبا معتدلًا، وَيُقَال: خَلَقَ فِي كبد، إنه خَلَقَ يعالج ويكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة، [١٣٨/ ا] ونزلت فِي رَجُل من بني جمح كَانَ يكنى: أبا الأشدين، وكان يجعل «٤» تحت قدميه الأديم العكاظي، ثُمَّ يأمر العشرة فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق «٥» الأديم. ولم تزل قدماه. فَقَالَ اللَّه تبارك وتعالى: «أَيَحْسَبُ» (٥) لشدته «أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» (٥) والله قادر عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ:
أنفقت مالًا كثيرًا فِي عداوة محمد صلّى الله عليه وهو كاذب، فَقَالَ اللَّه تبارك وتعالى: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ» (٧) فِي إنفاقه.
وقوله عزَّ وجلَّ: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠).
النجدان: سبيل الخير، وسبيل الشر.
قال: [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «٦» حَدَّثَنَا الفراء قال: [حدثنا الْكِسَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ] «٧» وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ عنْ زِيَادِ بْن عِلاقَةَ عنْ أَبِي عُمَارَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قوله جَلَّ وَعَزَّ: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» قَالَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
وقوله عزَّ وجلَّ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١).
ولم يُضَم إلى قوله: [فلا أقتحم] كلام آخر فيه (لا) لان العرب لا تكاد تفرد (لا) في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر، كما قال عز وجل: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى «٨» » و «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٩» »، وهو مما كان في آخره معناه، فاكتفى بواحدة من
(١) فى ش: من معنى.
(٢) سورة الشمس الآية: ٥.
(٣) سورة الشمس الآية: ٧.
(٤) فى ش: يضع.
(٥) فى ش: فيمزق. [.....]
(٦، ٧) ما بين الحاصرتين زيادة من ش.
(٨) سورة القيامة، الآية: ٣١.
(٩) سورة يونس، الآية: ٦٢.
آية رقم ١٣
أخرى.
ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بشيئين، فقال: «فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ»، ثم كان [من الَّذِينَ آمنوا «١» ] ففسرها بثلاثة أشياء، فكأنه كان «٢» في أول الكلام، فلا فعل ذا ولا ذا ولا ذا «٣».
وقد قرأ العوام: «فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ «٤» » (١٤)، وقرأ الحسن البصري: «فَكُّ رَقَبَةٍ» وكذلك علي بن أبى طالب [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٥» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي «٦» مُحَمَّد بْن الفضل المروزي عنْ عطاء عنْ أبي عبد الرحمن عن علي أنه قرأها:
«فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ «٧» » وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لأن الإطعام: اسم، وينبغي أن يرد عَلَى الاسم «٨» اسم مثله، فلو قيل: ثم إن كان أشكل للإطعام، والفك، فاخترنا: فَكَّ رقبةً لقوله: «ثُمَّ كانَ»، والوجه الآخر جائز تضمر فيه (أن)، وتلقى [١٣٨/ ب] فيكون مثل قول الشاعر «٩» :
ألا أيها ذا الزَّاجِري أحْضُرَ الوغى وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنتَ مُخْلِدِي
ألا ترى أن ظهور (أن) فِي آخر الكلام يدل: عَلَى أنها معطوفة عَلَى أخرى مثلها فِي أول الكلام وَقَدْ حذفها.
وقوله عزَّ وجلَّ: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤).
ذي مجاعة، ولو كانت «ذا مسغبة» تجعلها من صفة اليتيم، كأنه قَالَ: أَوْ أطعم فِي يَوْم يتيمًا ذا مسغبة أَوْ مسكينًا [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «١٠» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي «١١» حبّان
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من ش.
(٢) فى ش، قال.
(٣) هذه رواية: ش.
(٤) وهو اختيار أبى عبيد، وأبى حاتم، لأنه تفسير لقوله تعالى: «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ» ؟ ثم أخبره فقال:
«فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ»، والمعنى: اقتحام العقبة: فك رقبة أو إطعام (تفسير القرطبي ٢٠/ ٧٠)
(٥) ما بين الحاصرتين زيادة فى ش.
(٦) فى ش: حدثنى.
(٧) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: أيضا (تفسير القرطبي: ٢٠/ ٧٠).
(٨) فى ش: على اسم مثله.
(٩) لطرفة فى معلقته، وأحضر بالنصب بأن المحذوفة على مذهب الكوفيين، والبصريون يروونه بالرفع (الإنصاف: ٣٢٧) وانظر (الخزانة ١/ ٥٧ و ٣/ ٥٩٤، ٦٢٥).
(١٠) ما بين الحاصرتين زيادة فى ش.
(١١) فى ش: حدثنى. [.....]
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

3 مقطع من التفسير