تفسير سورة سورة الإنشقاق

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الكدح وهي مكية، والله أعلم
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ وَيُقَال: انشقت بالغمام، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام﴾ وَقد ذكرنَا، وَقيل: انشقت لنزول الْمَلَائِكَة.
وَفِي تَفْسِير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسْمه، وَهُوَ بِلَا كَيفَ، وَقيل: (مزقت).
وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: تَنْشَق السَّمَاء من المجرة، وَيُقَال: هِيَ بَاب السَّمَاء.
آية رقم ٢
وَقَوله: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ أَي: واستمعت لأمر رَبهَا، وَحقّ لَهَا أَن تستمع.
قَالَ الشَّاعِر:
(الْقلب تعلل بددن... إِن همي فِي سَماع وَأذن)
وَقَالَ بَعضهم: صم إِذا سمعُوا خيرا ذكرت بِهِ، وَإِن ذكرت بِسوء عِنْدهم أذنوا، أَي: اسْتَمعُوا.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " مَا أذن الله بِشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ".
وَأما اسْتِمَاع السَّمَاء فَيجوز أَن يكون على الْحَقِيقَة، وَيجوز أَن يكون استماعها انقيادها لما تُؤمر بِهِ، وَالله أعلم.
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿وَإِذا الأَرْض مدت﴾ أَي: مدت مد الْأَدِيم لَا يبْقى عَلَيْهَا جبل وَلَا شَيْء إِلَّا
— 186 —
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت (٤) وأذنت لِرَبِّهَا وحقت (٥) يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه (٦) ﴾. دخل فِي جوفها، وَقيل: زيد فِي سعتها لتسعهم.
وَعَن بَعضهم: غيرت عَن هيئتها بالتبديل، وَغير ذَلِك، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿مدت﴾.
— 187 —
آية رقم ٤
وَقَوله: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت﴾ أَي: وَأَلْقَتْ مَا فِي جوفها، من الْكُنُوز والموتى فخلى جوفها، وَيُقَال: أَلْقَت بِمَا اسْتوْدعت، وتخلت عَمَّا استحفظت، وَكَأَنَّهَا أَلْقَت مَا على ظهرهَا، وتخلت عَمَّا فِي جوفها.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ قد بَينا.
فَإِن قيل: أَيْن جَوَاب قَوْله: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَابا؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: قَالَ الْفراء: جَوَابه مَحْذُوف، وَالْمعْنَى: إِذا السَّمَاء انشقت وَكَانَ كَذَا، رأى كل إِنْسَان مَا وجد من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَيُقَال: علم كل مُنكر للبعث أَنه كَانَ فِي ضَلَالَة وَخطأ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْجَواب قَوْله: ﴿وأذنت﴾ وَالْوَاو زَائِدَة، فَالْجَوَاب: أَذِنت.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْجَواب قَوْله: ﴿فملاقيه﴾ أَي: يلقى عمله من خير وَشر.
وَالْوَجْه الرَّابِع: أَن فِي الْآيَة تَقْدِيمًا وتأخيرا، وَالْمعْنَى: يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه إِذا السَّمَاء انشقت.
آية رقم ٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ قَالَ قَتَادَة: عَامل لِرَبِّك عملا.
والكدح هُوَ السَّعْي بتعب وَنصب.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَمَضَت بشاشة كل عَيْش صَالح وَبقيت أكدح للحياة وأنصب)
وَيجوز أَن يكون ذكر الْوَاحِد هَاهُنَا بِمَعْنى الْجمع، فَيكون بِمَعْنى يَا أَيهَا النَّاس.
وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول: يَا أَيهَا الرجل، وكلكم ذَلِك الرجل.
— 187 —
﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا (٨) ﴾.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فملاقيه﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: فملاق عَمَلك من خير وَشر.
وَيُقَال: ملاق رَبك.
— 188 —
آية رقم ٧
وَقَوله: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾.
أَي هينا، وَقيل فِي الْيَسِير: هُوَ أَن يقبل الْحَسَنَات، ويتجاوز عَن السَّيِّئَات.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي مليكَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي قَالَ: " من نُوقِشَ فِي الْحساب هلك، قلت: يَا رَسُول الله، فَإِن الله عز وَجل يَقُول: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ قَالَ: ذَلِك الْعرض " قَالَ رَضِي الله عَنهُ أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن ابْن النقور، أخبرنَا أَبُو طَاهِر (بن) المخلص، أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد يحيى بن صاعد، أخبرنَا الْحسن بن الْحُسَيْن الْمروزِي، عَن عبد الله بن الْمُبَارك، عَن عُثْمَان بن الْأسود، عَن ابْن أبي مليكَة الْخَبَر.
وَأورد أَبُو عِيسَى بِرِوَايَة (ابْن عمر) أَن النَّبِي قَالَ: " من حُوسِبَ عذب "، وَهُوَ بِإِسْنَاد غَرِيب.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي رَآهَا، وَقد رفعت يَديهَا وَهِي تَقول: اللَّهُمَّ حاسبني حسابا يَسِيرا.
فَقَالَ: " يَا عَائِشَة، أَتَدْرِينَ
— 188 —
﴿وينقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا (٩) وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره (١٠) ﴾. مَا ذَلِك الْحساب؟ قَالَت عَائِشَة: فَقلت ذكر الله فِي كِتَابه: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يسير﴾ فَقَالَ رَسُول الله: من حُوسِبَ خصم، وَذَلِكَ الْمَمَر بَين يَدي الله تَعَالَى ".
وَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " ثَلَاث من كن فِيهِ حَاسبه الله حسابا يَسِيرا، وَأدْخلهُ الْجنَّة برحمته.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قلت يَا رَسُول الله، لمن ذَلِك؟ قَالَ: " أَن تصل من قَطعك، وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك، وَتُعْطِي من حَرمك ".
— 189 —
آية رقم ٩
وَقَوله: ﴿وينقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا﴾ أَي: فَرحا مُسْتَبْشِرًا، وَيجوز أَن يَنْقَلِب إِلَى أَهله من الْحور الْعين، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى يَنْقَلِب إِلَى أَهله الَّذين كَانُوا لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَقيل: نزلت فِي أبي سَلمَة بن عبد الْأسد، وَكَانَ زوج أم سَلمَة، وَهُوَ أول من هَاجر إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره﴾ نزلت فِي الْأسود بن عبد الْأسد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره﴾ قَالَ مُجَاهِد: يخلع يَده الْيُمْنَى، وَيجْعَل يَده الْيُسْرَى وَرَاء ظَهره، فَيُوضَع كِتَابه فِيهَا.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ: تغل يَده الْيُمْنَى، وَيُوضَع كِتَابه فِي شِمَاله من وَرَاء ظَهره.
وروى أَبُو
— 189 —
﴿فَسَوف يَدْعُو ثبورا (١١) وَيصلى سعيرا (١٢) إِنَّه كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا (١٣) إِنَّه ظن أَن لن يحور (١٤) ﴾. مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - وَهُوَ عبد الله بن قيس - أَن النَّبِي قَالَ: " يكون فِي الْقِيَامَة ثَلَاث عرضات: فعرضتان جِدَال ومعاذير، والعرضة الثَّالِثَة عِنْد تطاير الصُّحُف، فآخذ بِيَمِينِهِ وآخذ بِشمَالِهِ ".
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي قَالَ: " من حاسب نَفسه فِي الدُّنْيَا هون الله عَلَيْهِ الْحساب فِي الْآخِرَة ".
— 190 —
آية رقم ١٠
قوله تعالى :( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) قال مجاهد : يخلع يده اليمنى، ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها. وقال الكلبي : تغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله من وراء ظهره. وروى أبو موسى الأشعري - وهو عبد الله بن قيس - أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" يكون في القيامة ثلاث عرضات : فعرضتان جدال ومعاذير، والعرضة الثالثة عند تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " ١. وذكر النقاش في تفسيره بإسناده أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من حاسب نفسه في الدنيا هون الله عليه الحساب في الآخرة ".
١ - تقدم تخريجه..
آية رقم ١١
﴿فَسَوف يَدْعُو ثبورا﴾ مَعْنَاهُ: يَقُول واثبوراه، وَمعنى قَوْله: واثبوراه: واهلاكاه.
يُقَال: رجل مثبور أَي: هَالك.
آية رقم ١٢
وَقَوله: ﴿وَيصلى سعيرا﴾ أَي: يقاسي النَّار، وَيُقَال: يدْخل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿اصلوها﴾ أَي: ادخلوها، وَقُرِئَ: " وَيصلى سعيرا " أَي: يكثر عَذَابه بِنَار جَهَنَّم، ذكره الْأَزْهَرِي.
آية رقم ١٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا﴾ أَي: لم يحزن للتقصير فِي أوَامِر الله تَعَالَى، وَلم يتعب، وَلم ينصب فِي الْعَمَل بِطَاعَة الله، ذكره الْقفال.
وَيُقَال: كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا، أَي: رَاكِبًا هَوَاهُ، مُتبعا شَهْوَته.
آية رقم ١٤
وَقَوله: ﴿إِنَّه ظن أَن لن يحور﴾ أَي: أَن لن يرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَهُوَ إِخْبَار عَن إِنْكَاره بِالْبَعْثِ.
وَقَوله: ﴿يحور﴾ يرجع، وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " أعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور " أَي: النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة.
وَفِي رِوَايَة: " من الْحور بعد الكور " أَي: من انتشار أمره بعد أَن كَانَ مجتمعا، أَو من فَسَاد أمره بعد أَن كَانَ صَالحا.
— 190 —
﴿بلَى إِن ربه كَانَ بِهِ بَصيرًا (١٥) فَلَا أقسم بالشفق (١٦) وَاللَّيْل وَمَا وسق (١٧) وَالْقَمَر إِذا اتسق (١٨) ﴾.
وَقَالَ الشَّاعِر:
— 191 —
آية رقم ١٥
وَقَوله: ﴿بلَى إِن ربه كَانَ بِهِ بَصيرًا﴾ أَي: عَالما.
آية رقم ١٦
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بالشفق﴾ أَي: أقسم بالشفق، قَالَ مُجَاهِد: هُوَ النَّهَار كُله.
وَالْمَعْرُوف أَن الشَّفق هُوَ الْحمرَة من عِنْد غرُوب الشَّمْس إِلَى الْعشَاء الْآخِرَة.
قَالَ الْفراء: سَمِعت الْعَرَب تَقول على فلَان ثوب كَأَنَّهُ الشَّفق، وَكَانَ عَلَيْهِ ثوب مصبوغ بالحمرة.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الشَّفق هُوَ الْحمرَة ".
وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم: ابْن عمر، وَسَعِيد بن الْمسيب، وَغَيرهمَا.
وَعَن أبي هُرَيْرَة: أَن الشَّفق هُوَ الْبيَاض، وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز.
آية رقم ١٧
قَوْله: ﴿وَاللَّيْل وَمَا وسق﴾ أَي: وَمَا جمع ولف، وَضم الْأَشْيَاء بعد انتشارها، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ اللَّيْل آوى كل شَيْء إِلَى مَأْوَاه، وَرجع كل إِنْسَان إِلَى منزله، وَإِذا كَانَ النَّهَار انتشروا فِي التَّصَرُّف.
آية رقم ١٨
وَقَوله: ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ أَي: إِذا اجْتمع ضوءه، وَيُقَال: امْتَلَأَ نورا، وَهُوَ لَيْلَة الثَّالِث عشر من الشَّهْر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس [عشر].
— 191 —
﴿لتركبن طبقًا عَن طبق (١٩) فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ (٢٠) وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ (٢١) ﴾.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَمَا الْمَرْء إِلَّا كالشهاب وضوئِهِ يحور رَمَادا بعد إِذْ هُوَ سَاطِع)
— 192 —
آية رقم ١٩
وَقَوله: ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ وَقُرِئَ: " لتركبن " على الوحدان، فَمن قَرَأَ على الْجمع فَمَعْنَاه: لتركبن أَيهَا النَّاس حَالا بعد حَال، وَالْحَال هُوَ بِمَعْنى الطَّبَق.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِن لنا قلائصا حقائقا مستوسقات (لَو) يجدن سائقا)
(فَبينا الْمَرْء فِي عَيْش لذيذ ناعم خفض أَتَاهُ طبق يَوْمًا على مُنْقَلب دحض)
وَمعنى حَال بعد حَال: هُوَ أَنه يكون نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح، وَبعد ذَلِك تتبدل أَحْوَاله، وَيخْتَلف على الْمَعْهُود الْمَعْلُوم من طفولية، وشباب، وهرم، وَغير ذَلِك.
وَيُقَال: لتركبن طبقًا عَن طبق أَي: شدَّة على شدَّة، وَالْمعْنَى: أَنه حَيَاة ثمَّ موت ثمَّ بعث ثمَّ جَزَاء.
فَأَما الْقِرَاءَة على الوحدان فَفِيهِ قَولَانِ.
أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ السَّمَاء، وَالْمعْنَى: أَنه ينشق وَيكون مرّة كالدهان، وَمرَّة كَالْمهْلِ، وَمرَّة مشقوقة، وَمرَّة صَحِيحَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه خطاب للنَّبِي، وَالْمعْنَى لتركبن أطباق السَّمَاء طبقًا على طبق، وَذَلِكَ لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَيُقَال: لتركبن طبقًا عَن طبق يَعْنِي: أصلاب الْآبَاء، وَذَلِكَ للرسول.
قَالَ الْعَبَّاس فِي مدح النَّبِي:
— 192 —
﴿بل اللَّذين كفرُوا يكذبُون (٢٢) وَالله أعلم بِمَا يوعون (٢٣) فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم (٢٤) إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم أجر غير ممنون (٢٥) ﴾.
— 193 —
آية رقم ٢٠
وَقَوله ﴿فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ فِي التَّفْسِير: أَن النَّبِي سجد وَأَصْحَابه، وَالْكفَّار على رؤوسهم يصفقون ويصفرون فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة " أَن النَّبِي سجد سجد فِي هَذَا الْموضع ".
آية رقم ٢١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٠:وقوله ( فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) في التفسير : أن النبي صلى الله عليه و سلم سجد وأصحابه، والكفار على رؤوسهم يصفقون ويصفرون فأنزل الله تعالى ( فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) وقد ثبت برواية أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه و سلم سجد سجد في هذا الموضع " ١.
١ - متفق عليه، رواه البخاري ( ٢ /٢٩٢ رقم ٧٦٦ و أطرافه ٧٦٨، ١٠٧٤ ١٠٧٨) و مسلم ( ٥ /١٠٦ -١٠٩ رقم ٥٧٨)..

آية رقم ٢٢
وَقَوله: ﴿بل الَّذين كفرُوا يكذبُون وَالله أعلم بِمَا يوعون﴾ أَي: يكتمون ويجمعون فِي صُدُورهمْ.
آية رقم ٢٣
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢:وقوله :( بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون ) أي : يكتمون ويجمعون في صدورهم.
آية رقم ٢٤
قَوْله: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ أَي أجعَل لَهُم النَّار مَوضِع الْبشَارَة للْمُؤْمِنين بِالْجنَّةِ.
آية رقم ٢٥
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم أجر غير ممنون﴾ أَي غير مَنْقُوص وَلَا مَقْطُوع.
وَيُقَال: لَا يمتن عَلَيْهِم أحد غير الله تَعَالَى فيكدره عَلَيْهِم الْمِنَّة وَالله أعلم.
— 193 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج (١) وَالْيَوْم الْمَوْعُود (٢) وَشَاهد ومشهود (٣) ﴾.
تَفْسِير سُورَة البروج
وَهِي مَكِّيَّة
— 194 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

24 مقطع من التفسير

(من قبلهَا طبت فِي الصلاب وَفِي مستودع حِين يخصف الْوَرق)
(تنقل من صالب إِلَى رحم إِذا مضى عَالم بدا طبق)