٣٢- ذكر عبد الرزاق(١)، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عائشة، قالت : كان رجال من الأنصار ممن كان يهل(٢) لمناة(٣) في الجاهلية فقالوا : يا نبي الله ! إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما . قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة، فإن الله –عز وجل- يقول : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، فقالت : يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر ابن عبد الرحمان فقال : هذا العلم.
قال أبو بكر : ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي – صلى الله عليه وسلم- : إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما ؟ فأنزل الله –عز وجل- : إن الصفا والمروة ، كلها، قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، فيمن طاف، وفيمن لم يطف.
قال أبو عمر : قول أبي بكر ابن عبد الرحمان : " فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين " يعني القائلين بأن الآية نزلت فيمن قال : يا نبي الله ! إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ؛ يعني مناة التي كانت للأنصار، ليلا يعظموا غير الله تعالى، وكانت لهم آلهة يعبدونها قد نصبوها بين المسلك بين مكة والمدينة، فكانوا يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة من أجل مناة التي كانت لقريش، وما أدري موضع مناة الثالثة الأخرى. والفريق الثاني هم القائلون بأن الآية إنما نزلت لقول من قال : إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج ألا نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله كلها. ( س : ١٢/٢١٥- ٢١٨ ).
٣٣- فإن احتج محتج بقراءة ابن مسعود وما في مصحفه، وذلك قوله : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، قيل له : ليس فيما سقط من مصحف الجماعة حجة، لأنه لا يقطع به على الله –عز وجل- ولا يحكم بأنه قرآن إلا بما نقلته الجماعة بين اللوحين. وأحسن ما روي في تأويل هذه الآية، ما ذكره هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، قالت : كانت مناة على ساحل البحر وحولها الفروث(٤) والدماء مما يذبح بها المشركون، فقالت الأنصار : يا رسول الله ! إنا كنا إذا أحرمنا بمناة في الجاهلية، لم يحل لنا في ديننا أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله –عز وجل- : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، قال عروة : أما أنا فلا أبالي ألا أطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة : لم يا ابن أختي ؟ قال : لأن الله يقول : فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، فلعمري ما تمت حجة أحد ولا عمرته إن لم يطف بين الصفا والمروة(٥). ( ت : ٢/٩٨ ).
٢ - من أهل يهل إهلالا، إذا لبى وأحرم بالحج أو العمرة، وأصل الإهلال: رفع الصوت، وهو هنا بمعنى الذبح. انظر اللسان، مادة "هلل": ١١/٧٠١..
٣ - قال الحافظ ابن عبد البر: أما مناة، فصنم، وهو الذي ذكر الله تعالى أنه أحد الأصنام الثلاثة في قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى- النجم: ٢٠. الاستذكار: ١٢/٢١٥..
٤ - جمع فرث، وهي السرجين مادام في الكرش، اللسان: مادة "فرث": ٦/١٧٦..
٥ - انظر كتاب الحج من الموطأ، باب جامع السعي: ٦٣٩- ٦٤٠. وأخرجه الإمام البخاري في التفسير. انظر صحيحه بشرح الكرماني: ١٧/١٨- ١٩..
جهود ابن عبد البر في التفسير
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي