وتفعل العرب ذلك كثيرًا إذا اختلف اللفظ، ألا ترى أنّ اللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان.
وقوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع (١). وقيل: إلى الجنة والثواب، وقيل: إلى الحق والصواب (٢)، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا قرأ هذه الآية قال: نعم (٣) العِدلان، ونعمت العلاوة (٤) (٥).
١٥٨ - قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة.
قال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (٦)، والمروة: واحدة المرو،
(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨١، "معالم التنزيل" ١/ ١٧٠.
(٣) في (م): (نعمت).
(٤) في (ش) حاشية: (قال عبد المؤمن: أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء).
(٥) الأثر أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" ٢/ ٦٣٤، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٧/ ١١٦، من طريق مجاهد عن عمر، والحاكم ٢/ ٢٧٠، وصححه على شرط الشيخين، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٢٢٦ من طريق مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر، ومجاهد لم يلق عمر، وسعيد أدرك عمر ولم يسمع منه. والأثر ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٢٨١، و"تفسير البغوي" ١/ ١٧٠، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٦٢.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٤٣، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٣، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٢، "المفردات" ص ٢٨٦، "البحر المحيط" ١/ ٤٥٤، وذكر أبو حيان =
وهي حجارة بِيض برّاقة، يكون فيها النار (١).
قال الأعشى:
| وتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا | فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (٢) |
وشعائر الله: واحدتها شعيرة. قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (٤)، وهي من قولهم: شعرتُ، أي: علمتُ، وهي كلّها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره (٥).
(١) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٤٣ - ٤٤، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٣،"تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٣، "البحر المحيط" ١/ ٤٥٤، وذكر في "البحر" أقوالا أخر هي: الحجارة الصلبة، أو الصغار المرهفة الأطراف، أو الحجارة السود، أو الحجارة البيض، أو الحجارة البيض الصلبة.
(٢) البيت في مدح إياس بن قبيصة الطائي، ينظر: "ديوان الأعشى الكبير" ص٤٠، وفيه: (مجمرًا) بدل (ذابلًا)، وفي "تفسير الطبري" ٢/ ٤٣، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٣، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٨٠. يصف الشاعر خف ناقته بأنه إذا وطئ المرو -وهي الحجارة الصغيرة- تكسرت من تحت خفها الأحجار، ورضح الحصى: كسرها.
(٣) "تفسيرالثعلبي" ١/ ١٢٨٣.
(٤) سقطت مشعر من (أ)، (ش) كما أن فيها تقديمًا وتأخيراً بين المذكورات.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٣، وينظر "البحر المحيط" ١/ ٤٥٤.
ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (١): الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها (٢) من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم. قال الكميت:
شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (٣)
ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (٤)، وبه قال مجاهد في قوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (٥)، كأنه إعلام من الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة (٦).
وقوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه.
(٢) في (ش): (من أسنامها).
(٣) وشطره الأول:
نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلًا، تَرَاهُمُ
ينظر: "القصائد الهاشميات" للكميت بن زيد ص ٢١، في "مجاز القرآن" ١/ ١٤٦، "تفسير الطبري" ٢/ ٤٤، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٤، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٦٥.
(٤) ينظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٤٦، "تفسير الطبري" ٢/ ٤٤، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٣، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٨٤ وما بعدها، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٤، "المفردات" ص ٢٦٥، "تفسير البغوي" ١/ ١٧٢.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٤، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٢٨٤.
(٦) قال الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٢٧: وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: (إن الصفا)، عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم - ﷺ - إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر.
وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. (١)
وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (٢) العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (٣).
وكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (٤):
يحجُّون سِبَّ (٥) الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرا (٦)
(٢) في (م): (فلتكرار)
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٤٤ - ٤٥، "المفردات" ص ١١٥، "اللسان" ٢/ ١٨١ - ٧٧٨ (حجج).
(٤) هو المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع، أبو يزيد، شاعر فحل، هاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء، وله شعر كثير جيد، هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد. ينظر: "طبقات ابن سلام" ص ٦١، "الشعر والشعراء" ٢٦٩.
(٥) في (ش): (سب الزعفران الزبرقان المزعفرًا).
(٦) صدر البيت:
وأشهد من عوف حُلُولًا كثيرةً
ينظر في نسبته إليه "إصلاح المنطق" ص ٣٧٢، "تفسير الطبري" ٢/ ٤٤، "البيان والتبيين" ٣/ ٩٧، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٦، "تفسير السمعاني" ٢/ ١٠٦، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٦٥، وروي (المعصفرا) بدل (المزعفرا). وقوله: يحجون أي: يزورون. والسِبّ: العمامة، وقيل: الاست. والزبرقان: هو حصين بن بدر =
وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًّا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَجّ والحِجّ لغتان (١)، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: حَجَّة بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرّة، كان صوابًا، مثل: مددته مدّةً، وقددته قدّةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم يريدون: جمع الحاجّ، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو (٢) حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد:
| وكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ | حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (٣) (٤). |
وراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ
قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (٧) القصد، وأنشد للعجاج:
| لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (٨) حينَ اعْتَمَرْ | مَغْزًى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر (٩) |
(١) ذكر في "اللسان" ٢/ ٧٧٩ "حجج"، أن الكسائي لا يفرق بين الحِج والحَج، وغيره يقول: الحَج حَج البيت، والحِج عمل السنة.
(٢) في (ش)، (م): (ذو).
(٣) البيت لجرير يهجو الأخطل في "ديوانه"، ص١٠٤، "لسان العرب" ٢/ ٧٧٨، وقال: والمشهور في روايات البيت: حِجّ، بالكسر، وهو اسم الحاج.
(٤) ينظر فيما تقدم "اللسان" ٢/ ٧٧٨ - ٧٧٩ (حجج).
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٤.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٤٥، "المفردات" ص ٣٥٠.
(٧) في (م): (للاعتمار).
(٨) في (ش): (معتمر).
(٩) البيت للعجاج يمدح عمر بن عبيد الله التميمي، في "ديوانه" ص ١٩، "تفسير =
يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا (١).
وقوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ [الأنفال: ٦١] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها. قال ابن دريد: معنى لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق.
وقال أبو علي الجرجاني: معنى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (٢).
قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبهًا لهم (٣) على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه
(١) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٨٦.
(٢) ينظر في معنى الجناح: "تفسير الطبري" ٢/ ٤٥، الثعلبي ١/ ١٢٨٩، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٤٦، "المفردات" ص١٠٧، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٦٦، "اللسان" ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨ (جنح).
(٣) سقطت من (م).
طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين (١).
فالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله - ﷺ -: "يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا" (٢).
وهو مذهب الشافعي، رضي الله عنه (٣)، والواجب أن يبدأ بالصفا،
(٢) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" ٦/ ٤٢٢، حديث (٢٦٩١٧)، وابن خزيمة في "صحيحه" ٤/ ٢٣٢ برقم (٢٧٦٤)، والدارقطني في "سننه" ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ ٢٥٥، والحاكم ٦/ ٤٢١، والحديث صححه الحافظ المزي، وابن عبد الهادي كما في "الإرواء" ٤/ ٢٧٠، وقواه الحافظ في "الفتح" ٣/ ٤٩٨، وصححه الألباني في "الإرواء" ٤/ ٢٧٠.
(٣) ينظر: "المجموع شرح المهذب" ٨/ ٦٣، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٢٩٥، وقد اختلف العلماء في السعي: فمنهم من قال بركنيته، وهذا قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، ومنهم من قال بسنيته، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير =
ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مسيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط (١)؛ لأن النبي - ﷺ - لما دنا من الصفا في حجته قرأ: " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ابدأوا (٢) بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى (٣).
وقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فيه وجهان من القراءة (٤):
أحدهما: تَطَوَّعَ على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (٥):
أحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو تَطَوَّعَ على لفظ المثال
(١) ينظر: "المغني" لابن قدامة ٥/ ٢٣٧.
(٢) في (م): (فابدأوا).
(٣) جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - ﷺ -، أخرجه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٤) قرأ حمزة والكسائي وخلف: (يَطَّوَّعْ) بالياء التحتية، وتشديد الطاء، وإسكان العين على الاستقبال، والباقون: بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين. ينظر "السبعة" ص ١٧٢، "النشر" ٢/ ٢٢٣.
(٥) في (م): (وجهين).
الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك.
الثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (١) مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو تَطَوَّعَ، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ [النحل: ٥٣] وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (٢) النعمة ابتداؤه [ذلك] (٣)، كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ [البقرة: ٢٧٤].
وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا إلى قوله: فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، وقوله: وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥]، وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ [البقرة: ١٢٦]، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠]، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]. ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً [البقرة: ٢٧٤].
(٢) في (ش): (ابتدا).
(٣) زيادة يقتضيها الكلام، من كلام أبي على الفارسي في "الحجة" ٢/ ٢٤٦.
الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (١) الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتُوقع الماضي موقعَ المستقبل في الجزاء، إلا أنّ اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن (٢).
وأما التفسير: فقال مجاهد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا بالطواف بهما (٣)، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا.
وقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فزاد في الطواف بعد الواجب (٤).
ومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (٥)، وكان يرى العمرة غير واجبة.
وقال الحسن: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (٦).
(٢) ما تقدم من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٨ بتصرف واختصار.
(٣) "تفسير مجاهد" ص ٩٢، ورواه الطبري عنه في "تفسيره" ٢/ ٥٠، وعزاه في "الدر المنثور" ١/ ٢٩٢ إلى: سيعد بن منصور، وعبد بن حميد، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٦٨ عن أنس قوله: والطواف بهما تطوع، وكذا روي عن ابن عباس، وعزاه في "الدر": إلى عبد بن حميد، وأبي عبيد في "فضائله"، وابن أبي داود في "المصاحف".
(٤) "تفسير مقاتل" ١/ ١٥٢، وذكره عنهما الثعلبي ١/ ١٣٠٠، والبغوي ١/ ١٧٥.
(٥) رواه الطبري عنه في "تفسيره" ٢/ ٥٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٠١.
(٦) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٠١، والبغوي في "معالم التنزيل" ١/ ١٧٥.
وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا صيغته تدلّ على العموم (١).
وقوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ أي: مُجازٍ بعمله عَلِيمٌ بنيته (٢).
قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [البقرة: ٢٤٥]، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (٣) في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المُقرِض، بأن يقدّمَ، فيأخذ أضعاف ما قدَّمَ في وقت فقره وحاجته (٤)!؟
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٠١.
(٣) في (م): (اللطف).
(٤) وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص ٨٧: فلما كان الله عز وجل يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها، ولا يضيع لديه تبارك وتعالى لهم عمل عامل، كان شاكرا لذلك لهم، أي: مقابلًا له بالجزاء والثواب. وقال الشيخ السعدي في "تفسيره" ص ٧٧: الشاكر والشكور من أسماء الله تعالى: الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره وامتثل طاعته أعانه عليه وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي بدنه قوةً ونشاطًا، وفي جميع أحواله قلادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملًا موفرًا، لم تنقصه هذه الأمور، ومن شكره لعبده أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي