ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

مقدسات البيت الحرام
ما زالت النصوص القرآنية الشريفة تتكلم حول الكعبة من ناحية كونها قبلة، وأن الصلاة لا تصح من غير الاتجاه إلى البيت الحرام، وإنه مما حول البيت والصفا والمروة، وهما جبلان مجاوران للكعبة، قيل إن هاجر أم إسماعيل كانت تتردد بينهما عندما أصابهما الجوع والعطش وهي تناجي ربها أن يمن عليها بالغوث فأنبع الله تعالى لها زمزم، وقيل كانت لها طعما وغذاء وشفاء للعلة من عطشها، وقد قال تعالى فيها : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما .
والشعائر جمع شعيرة، وهي المتعبد الذي يكون فيه عبادة الله تعالى والقيام بحق الطاعة، وفي هذا النص تقرير بأن الصفا والمروة موضعا تعبد لله تعالى، وقد قال بعض العلماء : إن ذكر أنهما من شعائر الله دليل على طلب السعي بينهما، ولكن ابن جزي الكلبي الفقيه المالكي ضعف هذا، ولكنا لا نجد فيه ما يسوغ التضعيف لأن كونهما متعبدا يدل على طلب التعبد عندهما، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم التعبد فيهما بطلب السعي بينهما فقد قال صلى الله عليه وسلم :( كتب عليكم السعي فاسعوا )(١) وإنه صلى الله عليه وسلم في حجه واعتماره سعى والناس بين يديه وهو وراءهم، لأنه كان راكبا، فهو منسك من مناسك الحج والعمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال :( لتأخذوا عني مناسككم )(٢).
ويقول تعالى : فمن حج البيت أو اعتمر فمن قصد البيت حاجا أو معتمرا فلا جناح عليه أن يطوف بهما والحج هو المعرف بأركانه وركنه الأكبر الوقوف بعرفات، ومن مناسكه النحر ورمي الجمار، والوقوف بالمزدلفة، أما العمرة فهي زيارة البيت والطواف حوله، والسعي بين الصفا والمروة، وقد سعى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان النص في هذه الآية، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، ونتكلم هنا في ثلاثة أمور :
أولها : أن نفي الجناح –والجناح هو الميل إلى الإثم –يقتضي نفي الإثم لا الوجوب، لأن نفي الإثم يؤدي إلى معنى الجواز لا الوجوب، أو الطلب فرضا أو سنة، فمن أين جاء الطلب ؟ نقول إن الطلب جاء من كلمة "شعائر" أولا، وقد بينا ذلك، ومن بيان النبي صلى الله عليه وسلم بأن بين أن السعي كتب علينا، ومن مداومته صلى الله عليه وسلم على السعي في عمرته وحجه، ولذلك قال مالك وأحمد والشافعي : إن السعي فرض، وقال أبو حنيفة : واجب وهو مرتبة بين السنة المؤكدة والفرض، ويعرفونه بأنه ما ثبت طلبه الحتمي اللازم بدليل ظني فيه شبهة.
الثاني : لماذا عبر سبحانه بنفي الجناح، ولم يعبر بالطلب ولا شك أنه كان ثمة موجب لنفي الإثم، وجعله أساس القول، ولقد قيل في هذا كلام فرددته بعض كتب التفسير قالوا : إنه كان على الصفا صنم اسمه إساف، وعلى المروة صنم اسمه نائلة، وقد تحرج بعض المسلمين من السعي بينهما لمكان هذين الصنمين اللذين كان أهل الجاهلية يعبدونهما، ولأن الوحدانية طردت الوثنية من القلوب، فنفى الله تعالى الإثم لهذا، ولا يمنع نفي الإثم من الوجوب أو الطلب بشكل عام، وقيل إن بعض الأنصار لم يجدوا النص على السعي في القرآن فتحرجوا من أن يفعلوا ما كان يفعله الجاهليون من غير نص، فبين أنه لا إثم، ودل على الطلب بالنص الذي صدر به القول فيهما وبعمل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.
الأمر الثالث : قوله تعالى : أن يطوف بهما أصل يطوف يتطوف قلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء قوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق ٢٩ [ الحج ] والتطوف المبالغة في الطواف بأن يعددوه، ولا يكتفوا بواحدة، ولكن الصفا والمروة لا يطوف حولهما ولكن يسعى بينهما، والمشابهة بينهما ليست بعيدة، لأن السعي على الأرض بينهما وتكرار ذلك سبع مرات، فكان كالطواف في الأرض التي بينهما والله سبحانه وتعالى هو مبين مناسك الحج بالقرآن والسنة النبوية المبينة للقرآن.
ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم التطوع المبالغة في الطاعة فيما أمر الله تعالى به من فرض وواجب ومندوب، فهي المبالغة في أصل الطاعة، وإطلاقها على النفل غير المفروض والمندوبات ونحو ذلك هو من قبيل الاصطلاح الفقهي باعتبار أن النوافل والمندوبات مكملات للفرائض التي هي أصل الطاعات، و"خيرا" وصف لمصدر محذوف وهو مفعول مطلق، والوصف يقوم فيه أحيانا مقام المصدر كما في قوله تعالى : واذكروا الله كثيرا... ٤٥ [ الأنفال ].
والخير كل ما يكون فيه نفع للناس، وأداء لما أمر الله، وقيام بالواجبات الاجتماعية والإنسانية والدينية، ووصف طاعات الله أو المبالغة في الأداء بأنها خير، لأنها في ذاتها خير، ولا يكون ما يأمر الله تعالى به إلا خيرا خالصا، ونافعا خالصا، فكل أمر من الله تعالى فهو نافع لا ينفع سواه.
ومن تطوع خيرا فعل شرط جزاؤه قوله تعالى : فإن الله شاكر عليم وهذه الجملة السامية هي دالة على الجزاء، متضمنة له، لأن تقدير الجواب فله أجر يكافئ ما فعل، لأن الله شاكر عليم، أي مجاز حسنا على ما فعل، لأن الله شاكر، والتعبير بالشكر في هذا، وهو أعظم من أن يشكر عبدا له فالكل منه وإليه، وقد وصف نفسه بأنه غفور شكور، فكيف يشكر المنعم من أنعم عليه ؟ ! وكل ما يقدم العبد من طاعات هو شكر للمنعم جل جلاله، وشكر المنعم واجب بالعقل والنقل، فكيف يكون الله شاكرا لأنعمه ؟ ولكن عبر بذلك، تكميلا لنعمه وتفضله أولا، كما يشكر من يقوم بالواجب تفضلا، ولتحريض العبد على كمال الطاعة ثانيا، ولتعليم العبد شكر النعم ثالثا، ولإثبات رضوان الله تعالى رضوانا كاملا، فإن الشكر زيادة في الرضوان، والرضوان الجزاء.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه مع الشكر الدال على الرضا بقوله :"عليم" أي وصف نفسه بالعلم، للدلالة على أنه عالم بمن يقوم بالطاعات فيجازيه، ومن يعمل بالمعصية، فيجزيه بالسوء سوءا، فهو إشعار للطائع بأنه يعمل تحت رعاية الله تعالى، تحت سمعه وبصره، وهو القائم بكل ما في الوجود، وهو القادر على مكافأة كل بما يعمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وإن الله تعالى من أول قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم... ٤٠ ] البقرة ] كان كلامه في بني إسرائيل، وكفرهم بنعم الله تعالى ومخالفتهم لشرائع النبيين الجامعة لرسائل الله تعالى إلى خلقه، وما تخلل ذلك من استقبال القبلة كان ردا على سفاهتهم وغيهم، ثم ما كان يومئ إليه تحويل القبلة من إيذان بفتح مكة، وأن ذلك يحتاج إلى جهاد، فبين سبحانه أن عدة الجهاد الصبر والصلاة، وجاء ذكر الصفا والمروة تبعا لذكر الكعبة وما حولها.

١ عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي فاسعوا". [رواه أحمد في مسند القبائل ٢٦١٩١]..
٢ رواه مسلم: كتاب الحج ٢٢٨٦، وأبو داود: المناسك ١٦٨٠ وأحمد في مسنده ١٤٠٩١ عن جابر بن عبد الله بلفظ: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم فاني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه"..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير