ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

٢٤- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى : كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُو بَعْدَمَا سَمِعَهُو الآية. قال الشافعي : وكان فرضا في كتاب الله تعالى على من ترك خيرا، والخير : المال، أن يوصي لوالديه وأقربيه. ثم زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة، واختلفوا في الأقربين الغير الوارثين. فأكثر من لقيت من أهل العلم ممن حفظت عنه قال : الوصايا منسوخة، لأنه إنما أمر بها إذا كانت، إنما يورث بها، فلما قسم الله تعالى ذكرُهُ المواريث كانت تطوعا.
قال الشافعي : وهذا ـ إن شاء الله تعالى ـ كله كما قالوا. فإن قال قائل : ما دَلَّ على ما وصفت ؟ قيل له : قال الله تبارك وتعالى : وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ اِلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ ١. أخبرنا ابن عيينة عن سليمان الأحول٢ عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« لا وصية لوارث »٣. وما وصفت من أن الوصية للوارث منسوخة بآي المواريث، وأن لا وصية لوارث مما لا أعرف فيه عن أحد ممن لقيت خلافا.
قال الشافعي : وإذا كانت الوصايا لمن أمر الله تعالى ذكره بالوصية منسوخة بآي المواريث، وكانت السنة تدل على أنها لا تجوز لوارث، وتدل على أنها تجوز لغير قرابة٤، دل ذلك على نسخ الوصايا للورثة، وأشبه أن يدل على نسخ الوصايا لغيرهم.
قال : ودل على أن الوصايا للوالدين وغيرهما ممن يرث بكل حال إذا كان في معنى غير وارث، فالوصية له جائزة. ومن قبل أنها إنما بطلت وصيته إذا كان وارثا، فإذا لم يكن وارثا فليس بمبطل للوصية.
وإذا كان المُوصي يتناول من شاء بوصيته، كان ولده دون قرابته إذا كانوا غير ورثة، في معنى من لا يرث ولهم حق القرابة وصلة الرحم. فإن قال قائل : فأين الدلالة على أن الوصية لغير ذي الرحم جائزة ؟ قيل له ـ إن شاء الله ـ حديث عمران بن حصين : أن رجُلا أَعْتَقَ ستَّةَ مَمْلُوكِينَ لهُ ليس له مال غيرهم، فجزأهم٥ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ٦ أربعة٧. والمعتق عَرَبيٌّ، وإنما كانت العرب تملك من لا قرابة بينها وبينه، فلو لم تجز الوصية إلا لذي قرابة لم تجز للمملوكين، وقد أجازها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٩٨-٩٩. ون الأم : ٤/١١٢-١١٣. و أحكام الشافعي : ١/١٤٩-١٥١. والرسالة : ١٣٧-١٤٥. )

١ - النساء: ١١..
٢ - سليمان بن أبي مسلم الأحول المكي. عن: أبي سلمة، وطاوس. وعنه: شعبة، وابن عيينة. الكاشف: ١/٣٥٢. ون التهذيب: ٣/٥٠٣. وقال في التقريب: ثقة ثقة..
٣ - رواه الترمذي في الوصايا (٢٧) باب: ما جاء لا وصية لوارث (٥)(ر٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في الوصايا (٣٠) باب: إبطال الوصية للوارث (٥)(ر٣٦٤٣ و ٣٦٥٤). وابن ماجة في الوصايا (٢٢) باب: لا وصية لوارث (٦)(ر٢٧١٣) و (ر٢٧١٤) ونصه: « إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث ». قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح. والشافعي في المسند (ر٣٦٤) و (ر١٦٨٨)..
٤ - قال الشافعي: إلا أن طاوسا وقليلا معه قالوا: نسخت الوصية للوالدين، وثبتت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم يجز. واحتج عليهم الشافعي بحديث عمران بن حصين في قضية المملوكين الستة كما هو وارد في النص. ون الرسالة ص: ١٤٣..
٥ - فجزأهم: أي قسمهم..
٦ - أرق أربعة: أي أبقى حكم الرق على أربعة..
٧ - رواه مسلم في الأيْمان (٢٧) باب: من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ (١٢)(ر١٦٦٨). وأبو داود في العتق (١٠) باب: فيمن أعتق عبيدا له لم يبلغهم الثلث (ر٣٩٥٨) و (ر٣٩٦١). والترمذي في الأحكام (١٢) باب: ما جاء فيمن يعتق مماليكه (٢٧) (ر١٣٦٤) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في الجنائز. وابن ماجة في الأحكام. ورواه أحمد، والبيهقي، والشافعي في مسنده (ر١٢٣٣)..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير