١٨٠- قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت |البقرة : ١٨٠|.
اختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا، فذهب قوم إلى أنها منسوخة كلها، وذهب قوم إلى أنها محكمة كلها. وذهب قوم إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم. والذين ذهبوا إلى أنها كلها منسوخة اختلفوا في معناها. فذهب قوم إلى أنها فيمن يرث خاصة من الوالدين والأقربين، وذهب قوم إلى أنها فيمن يرث ومن لا يرث.
واختلف الذاهبون إلى أنها فيمن يرث خاصة في الناسخ لها ما هو ؟ فذهب قوم إلى أن الإجماع على أن الوصية لمن يرث لا تجوز هو الناسخ لها، وهو معترض بأن١ الإجماع إنما ينعقد بعد موت النبي –عليه السلام-، فالنسخ به لا يصح، وإنما حكي جوازه عن عيسى بن أبان، وهو قول ضعيف. لكنا٢ نقول قد ينعقد على قول الجمهور عن نظر واجتهاد، فهذا القسم لا يصح النسخ به بوجه.
وقد ينعقد عن استناد٣ إلى خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا إذا صح مستنده إلى الخبر جاز النسخ به، والناسخ على هذا هو الخبر الذي وقع الإجماع على معناه، والإجماع في هذه المسألة على أن الوصية لمن يرث لا تجوز، وقد يصح أن يقال لم يخل عن الاستناد إلى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه درس ويعني٤ الإجماع المقطوع به٥.
وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل عليه وهو قوله –عليه الصلاة و السلام- : " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت٦، فهو لأولي عصبة ذكر " ٧ وذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة، وهو قوله –عليه الصلاة والسلام- : " لا وصية لوارث " وهو قول بعض أهل العلم. وحكى أبو الفرج عن مالك أنه قال : نسخت الوصية للوالدين ما تواتر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا وصية لوارث " ٨ ونسخت الوصية للأقربين آية المواريث. وهذا القول معترض من أوجه :
أحدهما : أنه ليس له في الصحة أصل لأنه منقطع.
والثاني : أنه خبر آحاد ولا يجوز نسخ القرآن به على قول الجمهور، وأجاب من أجاز ذلك أنه لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وضعف هذا القول مبين في كتب الأصول. وقد قيل إن الإجماع منعقد على تلقي هذا الخبر بالقبول ومثل ذلك يجوز أن٩ ينسخ به الكتاب١٠.
والثالث : أنه وإن تواتر ففي نسخ القرآن به نظر، لأن السنة إنما هي مبينة لا ناسخة، وقد روي هذا القول عن الشافعي، وقد تبين في الأصول ضعف هذا القول، فإن الصحيح جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة١١.
وذهب قوم إلى أن الناسخ لها قوله تعالى في سورة النساء : وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين الآية |النساء : ٨| وهذا قول ضعيف لأنه لا تعارض بين الآيتين.
وذهب قوم إلى أن الناسخ لها آية المواريث، وهو قول مالك في " الموطأ " ١٢ وهذا معترض بأنه ليس بين الآيتين تعارض، ولا ثم أصل في معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة، قالوا : فما المانع من أن يجتمع الوصية والميراث١٣، وإنما نسخ الشيء بما ينافيه، والله تعالى إنما جعل الميراث بعد الوصية فلا يمتنع أن يأخذ حضه من الوصية ثم يعطى الميراث بعدها، وقد قال الشافعي في كتاب " الرسالة " ١٤ : يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها –ثم قال –لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا وصية لوارث " استدللنا به وإن كان حديثا منقطعا على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين و الأقربين١٥.
ووجه هذا القول أن الله تعالى جعل الوصية واجبة ليأخذ كل ذي حق حقه من مال الميت بعد موته، وكان إثبات الحق للوارث١٦ من ماله لمكان القرابة، ولما كان الموصي قد يميل لبعضهم دون بعض١٧، وعلم الله تعالى منه ذلك أعطى كل ذي حق حقه بآية المواريث، ولذلك قال النبي –عليه السلام- في الحديث : " إن الله لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب " ١٨ الحديث إلى أن قال : " لا وصية لوارث " فكان الميراث قائما مقام الوصية، فلم يجز الجمع بينهما١٩.
وأما الذاهبون إلى أن الآية عامة فيمن يرث ومن لا يرث فقالوا : إن الآية منسوخة في حق الوارثين جملة، وأما في حق من ليس بوارث، فإنما نسخ منها الوجوب وبقيت الوصية في حقهم ندبا. وذكر المهدوي عن ابن عباس وغيره : أنها منسوخة بآية المواريث، فلا وصية واجبة لقريب ولا بعيد٢٠. يريدون٢١ والله أعلم، أن الوصية للوارث تسقط جملة، ويسقط وجوبها في حق غير الورثة، وذلك بآية المواريث لأنها بينت من له حق في المال وليس له غيره، ومن لا حق له واجب، فبقيت الوصية في حقه على الندب. وقال الربيع بن خثيم، وغيره : لا وصية، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم : أوصي لي بمصحفك فنظر الربيع إلى ولده وقرأ : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ونحو هذا صنع ابن عمر –رضي الله عنه-٢٢. وقد اختلف في الوصية للوارث إذا أجازها سائر الورثة هل يجوز ذلك أم لا ؟ ففي المذهب أنها تجوز لهم لأن نسخ الوصية إنما كان بسبب غيرهم من الورثة فإذا سلموا صحت.
وقالت جماعة من أهل العلم : لا تجوز وإن أجازوها لعموم الحديث : " لا وصية لوارث " لا على سبيل الهبة المفتقرة إلى الحيازة. وهكذا إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث.
وأما الذين ذهبوا٢٣ إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم فقالوا نسخ من الآية٢٤ فرض الوصية للوالدين الوارثين وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون محكما غير منسوخ.
ويعترض هذا القول فإن آية الوصية عامة فيمن يرث ومن لا يرث والذي عارضها خاص فيمن يرث فكيف يكون هذا نسخا فيمن يرث ؟ والجواب عن هذا ما حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس، والحسن وقتادة٢٥ بأن الآية عامة ولم يقرر الحكم بها برهة، ونسخ منها من يرث بآية الفرائض.
وأما الذين ذهبوا إلى أنها محكمة كلها فاختلفوا في معناها، فقالت طائفة هي آية عامة فيمن يرث ومن لا يرث من الوالدين والأقربين، والمراد بها، من لا يرث منهم كالوالدين الكافرين والعبدين دون من يرث بدليل آية المواريث. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا وصية لوارث " فالأدلة على أن الوصية للوارث لا تجوز مخصصة لا ناسخة. وقال طائفة الآية خاصة فيمن لا يرث دون من يرث من الوالدين والأقربين، فالآية على هذا لا تحتاج إلى تخصيص.
وقد اختلف الذاهبون٢٦ إلى أنها محكمة، هل الوصية واجبة للأقربين أو مندوب إليها٢٧ ؟ فقال قوم : إنها مندوب إليها بدليل قوله تعالى : متاع بالمعروف حقا على المتقين ٢٤١ |البقرة : ٢٤١| لأن الواجب لا يقال |فيه|٢٨ إنه معروف، ويستوي فيه المتقي وغيره. وذهب قوم إلى أنها واجبة بدليل قوله تعالى : كتب عليكم وقال بعضهم وقوله تعالى : حقا على المتقين يؤكد الوجوب. وبدليل قوله –عليه الصلاة والسلام_ :٢٩ " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده " ٣٠ وحمل الذين ذهبوا إلى أن الندب هذا الحديث على طريق الندب واحتجوا بما جاء في بعض طرقه من أنه قال –عليه الصلاة والسلام- : " ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به " ٣١ قالوا وتعليق الوصية بإرادته نص على سقوط الوجوب، وهذا هو قول الجمهور٣٢.
والوصية في الوجوب أو الندب سواء في حال الصحة أو في حال المرض، وظاهر الآية يقتضي أنها إنما تكون في حال المرض وقد قال به قوم مشيا على ظاهر الآية، وقد اتفقوا على أن الوصية للأقربين الذين لا يورثون أفضل منها للأجانب فلا يجوز أن يوصى للأجانب٣٣ ويتركوا.
وقال الناس حين مات أبو العالية : عجبا له أعتق امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي : لم يكن ذلك له ولا كرامة.
واختلفوا إذا أوصى للأجنبين دونهم، فعلى مذهب مالك الذي لا يرى الوصية واجبة هي ماضية حيث جعلها الميت.
وقال طاوس ينقض فعله وترد الوصية إلى قرابته. وقاله جابر بن زيد. وقال الحسن، وجابر بن زيد أيضا وعبد الملك بن يعلى : يبقى ثلث الوصية حيث جعلها ويرد ثلثاها إلى قرابته٣٤. وقيل : يصرف إلى قرابته ثلث الثلث، وهذه الأقوال على القول الأول بأن الآية في الأقربين محكمة، وأنها على الوجوب والوصية قد اتفقوا على أنها لا تجوز بأكثر من الثلث لمن معه ورثة. واختلفوا فيمن لا وارث له سوى بيت المال. فأجاز له أبو حنيفة الوصية بجميع ماله. وقال مالك لا يجوز أكثر من ثلثه٣٥ لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد " الثلث والثلث كثير " ٣٦ وهذا الحديث مخصص لعموم الآية في الوصية للأقربين، ومن العلماء من استحب ألا يبلغ بالوصية الثلث لقوله –عليه الصلاة والسلام- : " والثلث كثير " وروي عن ابن عباس أنه قال : لو غض الناس من الثلث إلى الربع٣٧. وأوصى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بربع ماله وأبو بكر بخمس ماله. وقال : رضيت في وصيتي بما رضي الله تعالى به لنفسه من الغنيمة. وتلا : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية |الأنفال : ٤١|٣٨. وقد استحب جماعة من العلماء الثلث في الوصية لقول٣٩ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة في أعمالكم ". واختلف في قدر المال الذي إذا كان عند الإنسان استحبت له فيه الوصية أو وجبت عليه فيه لاختلافهم في مقدار الخير في قوله تعالى : إن ترك خيرا |البقرة : ١٨٠| فقال الزهري وغيره : تجب فيما قل وكثر. وقال النخعي : تجب في خمسمائة درهم فصاعدا. وقال علي –رضي الله عنه- وقتادة : في ألف درهم فصاعدا. وروي عن علي أيضا تجب في خمسمائة ألف فما دونها نفقة. وعن عائشة –رضي الله عنها- في امرأة لها ثلاثة آلاف درهم وأربعة من الولد لا وصية تجب٤٠ لمالها٤١. واستدل محمد بن الحسن على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين بهذه الآية. وهذا استدلال لا خفاء في ضعفه٤٢ والجمهور على خلافه٤٣.
٢ في ب "لأنا"..
٣ في ب "استناده"..
٤ في ب "يقع"..
٥ يراجع في هذا الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/٨٣ -٩٢ و١٢٠ وأحكام الفصول للباجي ص٤٢٨، ٤٢٩والمستصفى للغزالي ٢/٩٩ -١٠٨ –ط المحققة وإرشاد الفحول للشوكاني ص١٩٠ -١٩٣..
٦ في ب "بقيت"..
٧ أخرجه البخاري عن ابن عباس في الفرائض ٦٧٣٢ ومسلم في الفرائض ١٦١٥ وعندهما "لأولى رجل ذكر" قال ابن حجر في الفتح ١٢/١٢: ""ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي "فالأولى عصبة ذكر" فال ابن الجوزي والمنذري: هذه اللفظة ليست محفوظة.."..
٨ سبق تخريجه ص١٦٤..
٩ في ب "نسخ الكتاب" به" والمثبت موافق لما في أحكام القرآن للهراسي..
١٠ يراجع أحكام القرآن للهراسي ١/٥٧، ٥٨..
١١ قال أبو بكر الجصاص في حديث ابن عباس وغيره مرفوعا "لا يجوز لوارث وصية..": "هو عندنا في حيز التواتر لاستفاضته وشهرته في الأمة تلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له وجائز عندنا نسخ القرآن بمثله إذ كان في حيز ما يوجب العلم والعمل من الآيات" كذا في أحكام القرآن ١/٢٠٥..
١٢ كتاب الوصية ٢/٣١٤/ رقم ٢٢٢٤..
١٣ في هامش مثل المثبت وفي أصلها "يعطي"..
١٤ يراجع الرسالة ص٦٠ -٦١ – رقم ٢٦ و٢٧ ط دار الوفاء المنصورة..
١٥ نقل هذا الكيا الهراسي في أحكام القرآن ١/٥٨ وقبله الجصاص في أحكام القرآن أيضا ١/٢٠٥..
١٦ في ب "سمواريث"..
١٧ في ب "لبعض على بعض"..
١٨ يراجع الدر المنثور للسيوطي ٣/٢٥٠..
١٩ يراجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/٥٨ وأحكام القرآن للجصاص ١/٢٠٥، ٢٠٦..
٢٠ يراجع الروايات عن ابن عباس وغيره في ذلك في تفسير الطبري ٢/١٥٦ -١٥٨..
٢١ في ب "يريد"..
٢٢ يراجع لهذه الأقوال المحرر الوجيز ١/٥٠٣ وتفسير الطبري ٢/١٥٨..
٢٣ في ب "الذاهبون"..
٢٤ في ب "منها"..
٢٥ تراجع الروايات عنهم عند الطبري في تفسيره ٢/١٥٥، ١٥٦..
٢٦ في ب "الذاهبون"..
٢٧ يراجع في أحكام القرآن للهراسي ١/٥٧ والمحرر الوجيز ١/٥٠٤ وأحكام القرآن لابن العربي ١/٧٢، ٧٣ وتفسير القرطبي ٢/٢٥٩، ٢٦٠..
٢٨ سقطت من أ..
٢٩ أخرجه من حديث ابن عمر البخاري في الوصايا ٢٧٣٨ ومسلم في الوصية ١٦٢٧..
٣٠ في أ "عنده مكتوبة"..
٣١ يراجع هذا اللفظ وغيره في الباري لابن حجر ٥/٣٥٧..
٣٢ يراجع فتح الباري لابن حجر ٥/٣٥٤ -٣٦٣..
٣٣ في ن "يوصي للأجنبين"..
٣٤ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٥٠٣، ٥٠٤ وتفسير القرطبي ٢/٢٦١..
٣٥ في ب "ثلث"..
٣٦ أخرج حديثه البخاري في الوصايا ٢٧٤٢ ومسلم في الوصية ١٦٢٨..
٣٧ أخرجه البخاري في الوصايا ٢٧٤٣ ومسلم في الوصية ١٦٢٩..
٣٨ يراجع تفسير القرطبي ٢/٢٦٠ وكلام الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/٣٦٣ -٣٧١..
٣٩ أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في السنن ٢/٢٦٩ وابن ماجه في الوصايا ٢٧٠٩ بنحوه وكذا البزار في مسنده كما في نصب الراية ٤/٤٠٠ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء عن أبي هريرة. فذكره.
وطلحة بن عمرو متروك فالسند ضعيف جدا. وله طرق ضعيفة حسن بها الحديث بعضهم فيراجع نصب الراية ٤/٤٠٠ والتلخيص الحبير لابن حجر ٣/٩١ وإرواء الغليل للألباني ٦/ رقم ١٦٤١..
٤٠ في ن "في مالها"..
٤١ تراجع هذه الأقوال في أحكام القرآن للجصاص ١/٢٠٢ وزاد المسير لابن الجوزي ١/١٨٢..
٤٢ في أ "وهو استدلال ضعيف لا خفاء به"..
٤٣ أحكام القرآن للهراسي ١/٦٠..
أحكام القرآن
ابن الفرس