ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ولما ذكر القصاص وهو مظنة الموت، والموت من أسباب الوصية ذكرها بإثره، فقال :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قلت : إذا حضر ظرف، العامل فيه : كتب ، أي : توجَّهَ إيجابُ الوصية عليكم إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية، أي : كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت، و الوصية نائب فاعل كتب ، ولا يصح أن تعمل في إذا ؛ لتقدمه عليها ؛ لأن المصدر لا يعمل في ما قبله، إلا على مذهب الأخفش. اللهم إلا أن يُتوسع في الظروف، وجواب الشرطين محذوف، أي : إذا حضر الموت، إن ترك خيراً، فقد كُتبت عليه الوصية. والجنَف : الميل عن الصواب، فإن كان خطأ فهو جَنَفٌ بلا إثم، وإن كان عمداً فهو جنَف إثم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : كتب الله عليكم أن تُوصوا للوالدين والأقربين إذا حضر أحَدكم الموتُ إن ترك المستحضر خيراً أي : مالاً : قال سيّدنا عليّ - كرّم الله وجهه - :( ألف درهم فصاعداً، فلا وصية في أقل ). وقال النخعي :( خمسمائة درهم لا أقل ). وقال الزُّهْرِي :( تجب فيما قلّ أوكَثُر )، وعن عائشة - رضي الله عنها - :( أن رجلاً أراد أن يوصي، فسألته : كم مالُك ؟ فقال : ثلاثة آلاف. فقالت : كم عِيالك ؟ فقال : أربعة، فقالت : لا، إنما قال الله تعالى إن ترك خيراً وإن هذا لَشيء يسير، فاتركْه لعيالك ).
وتكون تلك الوصية بالمعروف ، أي : بالعدل، فلا يُفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. فقد حَقَّ الله ذلك حقّاً واجباً على المتقين .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطَرَات، وصان سرّه من الغَفَلات - وأعظمُ الشهوات حبُّ الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السُّفْليات حتى حَضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يُفيد تلك العلوم، أو يوصي مَنْ يقيدها لينتفع بها الوالدان وهما الأشياخ، والأقربون وهم الإخوان.
فإن الحكمة تَرِدُ في حال التجلّي كالجبَل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبَيْضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له :( إنْ وَرَدَ عليكم واردٌ فقَيِّدْه وأعطني منه نسخة ). وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فَمنْ قَيَّدَ وارداً أو سمعه من غيره، فلا يُغيرْه بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصاً أو ميلاً عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم .


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير