وهناك أحاديث نبوية تفيد أن دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل «١». وأبو حنيفة أخذ بحديث «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» دون هذه الأحاديث فذهب إلى أن دية المرأة المسلمة نفس دية الرجل ونرى هذا هو الأوجه والله أعلم.
وهناك أحاديث تفيد أن دية الكافر الذمي والمعاهد هي نصف دية المسلم وأحاديث تفيد أنها مثل دية المسلم «٢»، فمن الفقهاء من أخذ بهذا ومنهم من أخذ بذاك.
٩- وهناك تشريع نبوي يعرف بالقس امة. ويطبق في حالة وقوع جريمة قتل لا يعرف قاتله معرفة يقينية حيث يحلف خمسون من أهل القتيل على رجل بعينه فيقتص منه وإلا فيحلف خمسون من أهل المتهم على براءته «٣». وقد أخذ بعض الفقهاء بهذا التشريع في حين قال بعضهم إن القصاص لا يكون بالقس امة وإنما يجب فيها الدية إذا أقسم أهل القتيل ومع أن الجمهور في جانب الرأي الأول فإن الرأي الثاني لا يخلو من وجاهة من حيث إن اليمين لا يصح أن يكون في مقام اليقين العياني، والله تعالى أعلم.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
. (١) إذا حضر: بمعنى إذا دنا.
(٢) خيرا: هنا بمعنى المال، أو المال الكثير.
(٢) المصدر السابق نفسه.
(٣) المصدر نفسه ص ١٥.
(٣) جنفا: ميلا وانحرافا عن الحق.
في الآيات: إيجاب الوصية على كل مسلم- حينما يدنو أجله وكان عنده فضل من مال- لوالديه ولأقاربه. وتنبيه على وجوب تنفيذ ذلك على وجه عادل من دون جنف على أحد وعلى الوجه المعروف بأنه الأفضل والأولى. وإنذار لمن يحرف أقوال الموصي أو يبدلها أو يكتمها أو يعطلها. وحثّ على الإصلاح بين ذوي العلاقة بالوصية إذا ما رئي من الموصي نية جنف أو إثم أو ظلم مخالفة للحق.
والآيات فصل جديد بأسلوب تشريعي كسابقة، ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه مناسبة لنزولها وتلهم أنه لم يكن للآباء ولبعض طبقات الأقارب أنصبة معينة ومقررة في التركات وكان هؤلاء وأولئك عرضة للعوز والحرمان فاقتضت الحكمة تنزيل الآيات في مناسبة من المناسبات المتصلة بذلك والمتبادر أنها نزلت قبل نزول آيات المواريث الواردة في سورة النساء لأن هذه الآيات عينت للآباء والأخوة والبنات أنصبة معينة في التركات وفي هذا كما هو المتبادر صورة تطورية للتنزيل القرآني.
ومن المحتمل أن يكون هذا الفصل قد نزل بعد فصل القصاص فوضع بعده، كما أن من المحتمل أن يكون وضعه بعده بسبب المماثلة التشريعية.
تعليق على آيات الوصية
ولقد اختلفت أقوال المفسرين «١» ومن رووا أقواله من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم في مسألة نسخ هذه الآيات. فهناك من قال إن آيات المواريث الواردة في سورة النساء والحديث النبوي المشهور الذي جاء فيه: «إن الله أعطى
كلّ ذي حقّ حقّه وإنّه لا وصيّة لوارث» «١» قد نسختها. ومنهم من قال إنها لم تنسخ وإن حكمها قائم. ومنهم من قال إن آيات المواريث والحديث النبوي قد نسخ الوصية للوارثين فقط دون غيرهم من الأقارب. والقول الأخير هو الأوجه كما هو المتبادر. ومن القرائن على استمرار حكم الوصية بعد نزول آيات المواريث في سورة النساء أن هذه الآيات كررت التنبيه على وجوب تنفيذ وصية الميت وأداء ما عليه من دين قبل توزيع التركة. وهناك كثير من طبقات الأقارب قد لا ينالهم من الإرث نصيب مثل الأخوة في حال وجود الأبناء الذكور والآباء ومثل الأحفاد حينما يكون لهم أعمام ومثل الأعمام والعمات والأخوال والخالات في حال وجود ورثة أقرب كالآباء والأبناء الذكور إلخ إلخ... حيث تكون الوصية لهؤلاء حلّا لمشكلتهم وسدا لعوزهم لأنهم محجوبون عن الإرث وفي هذا ما فيه من حقّ وروعة وجلال.
والآية الأولى قوية التعبير حتى جعلت الوصية فرضا وحقا على من يتقي الله تعالى ولعل هذا من مفردات التشريع الإسلامي وخصوصياته.
ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود حديثا عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «ما حقّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده» «٢».
وقد أورد الطبرسي في سياق تفسير الآيات حديثا نبويا جاء فيه: «من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهلية» وحديثا آخر جاء فيه: «من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروءته وعقله» وحديثا عن علي بن أبي طالب جاء فيه: «من لم يوص عند موته لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية».
وقد أورد الطبري قولا عن الضحاك أحد علماء التابعين جاء فيه: «من مات
(٢) انظر المصدر نفسه ص ٢٤١، وقد أورد ابن كثير قولا لابن عمر بعد أن أورد الحديث المذكور جاء فيه: «ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ذلك إلّا وعندي وصيتي».
ولم يوص لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية». وقولا آخر جاء فيه: «فإن لم يكن له قرابة فيوصي لفقراء المسلمين».
وفي كل ما تقدم من الروعة والجلال ما هو ظاهر حيث ينطوي في ذلك قصد إلى توزيع الثروة وعدم احتكارها في أيدي الورثة. وحضّ على عمل البرّ والخير وصلة الرحم، حتى لقد ذهب بعضهم استنادا إلى قوة الآيات والأحاديث إلى أن الذي يهمل الوصية يكون مضيعا لفرض من فروض الله تعالى على ما ذكره الطبري.
ولقد أثرت أحاديث وأقوال عن الحد الذي يجب فيه هذا الواجب، فهناك حديث نبوي مشهور رواه الخمسة عن سعد بن أبي وقاص قال: «مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعودني فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا ولا يرثني إلّا ابنتي، أفأوصي بمالي كلّه؟ قال: لا. قلت: فبثلثيه؟
قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث. والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس» «١». وهناك حديث يرويه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمران بن الحصين جاء فيه: «إنّ رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فجزّأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة وقال له قولا شديدا» حيث يفيد هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز الثلث فقط «٢».
وهناك حديث يرويه القاسمي عن الإمام أحمد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم غضب لوصية رجل بمال كثير ليتيم له وحدد له الثلث على الأكثر أو أقل مما أراد أن يوصي به.
وهناك أقوال يرويها ابن كثير والطبري وغيره من المفسرين عن بعض
(٢) المصدر نفسه، وننبه على هامش هذا الحديث أن الرقيق كان يعتبر مالا، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يرد بعمله تعطيل عتق الرقيق لذاته، والنبي صلّى الله عليه وسلّم من هذه الناحية أجلّ وأسمى والقرآن الذي أنزل عليه يحثّ على ذلك في مناسبات عديدة وإنما قصد إلى الرفق بورثة الرجل.
أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم. منها أن عليّ بن أبي طالب دخل على ابن عمّ له يعوده فقال له: إني أريد أن أوصي، فقال له: لا توص فإنك لم تترك خيرا فتوصي. وكان ما عنده ما بين السبعمائة والتسعمائة درهم. ومنها أن رجلا استفتى عائشة وكان عنده أربعمائة دينار فقالت له: ما أرى فيها فضلا. ومنها أن قتادة حدد جملة: (إن ترك خيرا) بألف درهم فما فوق. وأن ابن عباس حددها بستين دينارا وطاووسا حددها بثمانين دينارا. ومن المحتمل أن تكون تحديدات ابن عباس وطاووس بل وقتادة وعلي بعد ترتيب الأعطيات للمسلمين في زمن عمر وبعده بحيث يكون المبلغ المحدد خارجا عن حاجة المسلم الضرورية. ومع هذا فيصح أن يقال إن هذه المقادير عرضة للتبدل تبعا لتبدل الظروف. وأن ما يعدّ كثيرا نوعا ما في ظرف قد يكون قليلا لا غناء فيه ولا يتحمل توصية في ظرف آخر والله تعالى أعلم.
ومهما يكن من أمر فالفهم العام الذي يستفاد من الأقوال ومن روح الآية أن جملة: (إن ترك خيرا) تعني إن ترك مالا كثيرا نوعا ما يتحمل فرز قسم منه لغير الورثة من الأقارب والمحتاجين. وفي هذا ما فيه من الحكمة والسداد بحيث يكون الحكم هو على أن الذين يتركون مثل هذا المال واجب الوصية على أن لا يكون أكثر من ثلث ما تركوه. وحديث المماليك الستة يفيد أن لولي أمر المسلمين وقاضيهم أن يمنع إجازة وصية تزيد عن الثلث.
وفي الآية الثانية إنذار لمن يبدلون الوصية أو يعطلون تنفيذها لأن في ذلك إجحافا لذي حقّ مكتسب ومنعا للخير والبرّ المنطويين في الوصية أو تغييرا للوجهة التي أحب صاحب الحق وهو صاحب المال أن يضع ماله فيها.
وروح الآية الثالثة وفحواها هما بسبيل منع الضرر من قبل الموصي ببعض ورثته أو تفضيل بعض على بعض بسائق من الحقد أو الهوى. وفي هذا ما فيه من حكمة وحق. ومن الأمثلة التي أوردها الطبري أن يوصي الأب لابن أحد أولاده دون غيره في حياة أبيه أو توصي المرأة لزوج إحدى بناتها، لأن الحال في الحالتين
سيعود إلى والد أو والدة الحفيد، وهما ورثة لا تجوز لهما الوصية ومن الممكن أن تورد أمثلة أخرى مماثلة. ولقد روى أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الرجل ليعمل أو المرأة لتعمل بطاعة الله تعالى ستين سنة ثم يحضرها الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار» «١». وقد أورد ابن كثير حديثا رواه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الجنف في الوصية من الكبائر» وهذا الحديث ليس من الصحاح ولكنه متطابق مع روح الآية والله أعلم.
ولقد أورد الطبري قولا لابن عباس بعدم جواز وإجازة الوصية التي فيها ضرر. وقولا لقتادة أن للحاكم أن يردّ الوصية التي فيها الضرر ومجانبة للحق والعدل. وأورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
يردّ من صدقة الحائف في حياته ما يردّ من وصية المجنف عند موته. والحديث ليس من الصحاح ولكنه متطابق مع روح الآية أيضا والله أعلم.
وفي تفسير الطبري أقوال لبعض أهل العلم من التابعين في صدد نوع الموصى لهم. منها أن نصّ الآية يحصر الوصية للأقارب سواء أكانوا أغنياء أم فقراء وأن من الواجب الالتزام بذلك. ومنها ما يجيز الوصية لغير الأقارب في حالة وجود أقارب مع شرط أن يكون الأقارب من جملة الموصى لهم. وأن الموصي إذا وصّى لغير أقاربه وكان له أقارب فيكون للحاكم أن ينتزع ثلثي ما وصّى به لغير أقاربه ويردّهما إلى الأقارب. وقد يكون القول الأول مطابقا لحرفية الآية. غير أنه يجب أن يلاحظ أولا أن الوصية للأقارب في الآية كانت قبل نزول آيات المواريث وأنها بقيت محكمة للأقارب غير الورثة. وثانيا أن الأصل في الوصية لغير الورثة هو سدّ حاجة المحتاج منهم كما يلهمه سلك أولي القربى في سلك اليتامى والمساكين في آية سورة النساء هذه: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) وإن هذه الآية تلهم جواز
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة