(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ).
وقد قال بعض الفقهاء مناسبة الآية بعد آية القصاص فوق ما ذكرنا أن آية القصاص تفيد أن للولي أن يقتص فيكون هذا الذي يقتص منه قد حضرته الوفاة، فكان له أن يوصي، بما يوصيه، إذ قد حضره الموت، فيجب عليه أن يوصي، إن ترك خيرا.
وهذه أول آية ذكرت فيها الوصية، وقد ذكرت بعد ذلك في توزيع الميراث، وأنه يكون بعد وصية يوصي بها أو دين، ثم ذكرت في آخر المائدة عند الشهادة عليها، إن حضر الموت وهو في سفر.
وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) إلى آخر الآية، كُتِب تدل على الفرضية المؤكدة مما يؤكد به القول عادة وهو الكتابة المقيدة المسجلة.
وقد قال بعض الفقهاء: إن الوصية لمن كان عنده مال يسمى " خيرا " تكون واجبة، وقد احتجوا بما روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (١) وإذا استدل على هذا بأن ذلك إذا أراد الوصية، فإذا لم يردها لَا جناح عليه إذا لم يوص ولم
________
(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري: الوصايا (٢٥٣٣) ومسلم: الوصية (٧٤ ٠ ٣) عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما.
يكتبْ، فنقول إنه بعد ذكر صيغة الوجوب، وهي " كتب " الدالة على الفرضية يكون الحديث دالا على الكتابة تنفيذًا للفرضية وتأكيدا لها، وتثبيتا، وقال الأكثرون الوصية ليست واجبة في غير الودائع، والديون التي عليه، والصدقات التي وجبت ولم يؤدها، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوصية في هذه الأمور التي تكون حقا عليه، ولم يقم بأدائه في حياته فيوصي به بعد وفاته.
والظاهرية من نفاة القياس قرروا أن الوصية واجبة بظاهر الوجوب في قوله تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمْ) وأنه إن لم يقم بذلك كان للقاضي أن يأخذ قدرا من الوصية يعطيه لمن يستحقه أي قدر كان.
وقد علق تعالى طلب الوصية على وجود قدر من المال يسمى " خيرا " فقال تعالى: (إِن تَرَكَ خَيْرًا) وما المراد بالخير؛ قال بعض العلماء: إن أي قدر من المال خير، لأن الله تعالى سماه خيرا فقال تعالى: (ومَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتمْ لَا تُظْلَمُونَ)، وإن المال القليل يطلق عليه إنه خير؛ ولذا قال تعالى عن موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، وإطلاق كلمة خير على المال قل أو جل لأنه سبيل للخير، وخلق المال لجلب الخير، ودفع الضر.
وروي عن كثير من الصحابة أن الخير المراد به في الآية الكثير كثرة نسبية النسبة لحال الورثة وعددهم، روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم. قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إن الله تعالى يقول: (إِن تَرَكَ خَيْرًا) وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك (١).
________
(١) عن أم المؤمنين عائشةَ بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - قالتْ: قالَ لَهَا رَجُلٌ: إنِّى أريدُ أنْ أوْصِي، قالتْ: كَمْ مالُكَ؟ قالَ: ثلاثةُ آلاف، قالتْ: كم عيَالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَة، فقالتْ: قالَ الله سُبْحَانَهُ: (إِن ترَكَ خَيْرًا الْوصِية...)، وإنَّ هَذَا لشىَء يسيرٌ، فاترُكْهُ لِعِيَالِك فهو أفْضَلُ. [رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئا كثيرا (١٢٧٢٧)].
وروي أن عليا كرم الله وجهه دخل على رجل يعوده، فقال الرجل: أوصي؟
فقال الإمام كرم الله وجهه: " قال الله تعالى: (إِن تَرَكَ خَيْرًا) إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لأولادك " (١).
ويفهم من هذا أن المراد بالخير المال الكثير، وتقديره نسبي بحسب حال الورثة وحاجتهم وعددهم؛ ولذلك اختلف الصحابة في تقدير الكثرة فمعظمهم قدرها بما فوق الستين دينارا، وقدرها بعضهم بثمانين دينارا فأكثر، وروي عن قتادة أنه قال: ألف فما فوقها، أي من الدراهم. وهكذا نرى أن الكثرة من علماء الصحابة فسروا الخير بأنه المال الكثير الذي يتناسب مع حاله وحال ورثته وعددهم وأن أحدا من الصحابة لم يفسره بأنه أي مال.
ولم يقدر مقدار الموصى به، ولا دليل على تقدير قدر معين له، وقد ترك التقدير لتحقيق كلمة بالمعروف، أي الأمر الذي لَا تستنكره العقول، وتعرفه وتقر به، وتعبير القرآن الكريم في قوله: (بِالْمَعْروفِ) يدل على ما لَا يستنكر في العرف والعادات، المستقيم الذي يضع الأمور في مواضعها ويزنها بميزان الحق.
وقوله تعالى: (لِلْوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وقد ذكرنا معنى بالمعروف، وقد كان النصب يوجب على من يقول بالوجوب الوصية للوالدين والأقربين وذكر الوالدين أولا؛ لأن الله تعالى أوصى بالإحسان إليهما وأكد الإحسان ولو كانا مشركين وقال تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا معْرُوفَا...).
والأقربون من الأقارب هم الذي تدنو قرابتهم أكثر من غيرهم كالإخوة والأخوات والأبناء والبنات، وغيرهم من ذوي العلاقات المباشرة بالقرابة كالعم وابن الأخ.
________
(١) رواه البيهقي: كالسابق (١٢٧٢٦) عن هشام بن عروة، بلفظ: إنَّ الله تَعَالَى يقولُ: (إِن تَرَكَ خَيْرًا الوَصيَّة...)، وإنَّكَ إنما تَدعُ شيئا يسيرا، فَدَعْهُ لِعِيَالكَ، فإنهُ أفْضَلُ.
وهنا يثور بحث أيوصي لها وجوبا بالمعروف، ولو كان لهم ميراث مقرر في آية المواريث، والميراث فريضة محكمة، وقد قال النبي - ﷺ -: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (١).
لقد قال الأكثرون من الفقهاء: إن هذه الآية إنما يؤخذ بها إذا كان هؤلاء غير وارثين كما كان الأمر في أول الإسلام إذا أسلم وأبواه مشركان، وكما كان من بعد من تزاحم الورثة أو تقديم بعضهم على بعض، كان يكون له أخت شقيقة أو لأب، وله ابن، فإن الأخت لَا ترث وهي من الأقربين، وكذلك أخوه؛ لأن الابن حجبه ففي الحال إذا كان الأخ ذا حاجة كمتقدم السن فإنه يوصى له.
ولذا قال هؤلاء الغلبة من الفقهاء إنه يجمع بين آية الوصية وآية المواريث وتكون آية الميراث مخصصة لآية الوصية بأنها في غير الوارثين من الأقارب.
هذا ما عليه الجمهرة العظمى من الفقهاء، ولا يقال إن آية الميراث نسخت آية الوصية؛ لأنها بقيت شريعتها في غير الوارثين، وهي في ذاتها سير لما عساه يكون من حاجة عند بعض الأقارب الأقربين الذين لم يصل إليهم تقسيم الميراث ويكون هذا هو العدل، وهو البر والرحمة بذوي قرباه.
ويرى بعض الفقهاء أنه لَا تعارض لَا في الكل ولا في الجزء بين آيات الميراث، وآية الوصية، فآية الوصية في الثلث يوصي به لمن يراه أشد حاجة وأقوى
________
(١) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» ثُمَّ قَالَ: «العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ». رواه بهذا اللفظ الترمذي: كتاب الوصايا (٢٠٤٦).
ورواه أبو داود مختصرا: كتاب البيوع (٣٠٩٤) ورواه ابن ماجه بلفظ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ فِى خُطْبَتِهِ عَامَ حِجةِ الْوَدَاع: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقَّهُ فَلا وَصِيةَ لِوَارِثِ ".
قرابة، والميراث في الثلثين، ولقد قال - ﷺ -: " إن الله تصدق عليكم في آخر أعماركم بثلث أموالكم فضعوه حيث شئتم " (١).
ولقد قال ذلك القول من الشيعة الجعفرية، وقالوا: إنه حديث " إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث إلا بالثلث ". ولعلهم عللوا ذلك بأن بعض الورثة ربما لَا يسد نصيبه حاجته، فالأخ قد يكون ذا متربة فلا يسد نصيبه حاجته، وقد يكون أحد الورثة زمنا مريضا بمرض لَا يرجى البرء منه، وهو في حاجة إلى أكبر من نصيبه، فيوصى له بما يكمل حاجته وقد شرع الله تعالى الوصية لتكميل ما عساه يكون في توزيع الميراث من رأب يجب سده.
وقد أخذ القانون المصري برأي الإمامية في جواز الوصية.
ونقول إن الاعتبار في حال الأخذ بجواز الوصية للوارث أن يكون ذلك بالأمر المعروف الذي لايستنكره الشرع ولا يستنكره العقل، فإن فعل فقد ارتكب إثما، فلا يوصي لابنة الغني، أو الذي يكون من الزوج المحبوبة ويترك الآخر، وقد قال النبي - ﷺ -: " سووا بين أولادكم " (٢) أو يوصي لابنه، ويترك ابنته فإن الوصية للوارث مهما يكن مبررها هي مخالفة للميراث، أو استثناء من أحكامه ويستقيم الاستثناء إذا كان في بر وعدل، لَا في قطيعة وإثم.
وإن القاعدة الشرعية في الأمور الاستثنائية أو الاستحسانية التي تجيء على خلاف القاعدة أن تكون مكملة للقاعدة أو الأصل العام والباعث عليه، غير مناقضة
له.
________
(١) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " إِنَّ اللَّهُ تَصَدقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أمْوَالِكُمْ زِيَادَة لكُمْ فِى أعْمَالِكُمْ " [رواه ابن ماجه: كتاب الوصايا: الوصية بالثلث (٢٧٠٠) وأحمد عن أبي الدرداء (٦٢٢١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهُ تَصَدقَ عَلَيْكُمْ بثُلُثِ أمْوَالِكم عِنْدَ وَفَاتكُمْ ".
(٢) عن الشعبي قال: سمعت النعمان (هو ابن بشير) علَى منبرنا هذا يقول: قَال رسول الله - ﷺ -: " سَوا بَينَ أوْلادِكُمْ فِى العَطِيةِ، كَمَا تحِبونَ أنْ يُسَووا بَيْنكمْ فِى البِر " [شرح معاني الآئار: كتاب الهبة والصدقة ج ٤ ص ٥٨].
ْولقد أكد سبحانه طلب الو صية، فقال " تعالى (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) وحَقًّا في الآية مفعولا لفعل محذوف يقدر بما يناسب القول أو الحكم، فيقدر مثلا يجعلها الله حقا، أو أوجبه حقا على المتقين.
وإن اقتران حكم الوصية الدال على وجوبها للوالدين والأقربين يومئ إلى أنها محكمة لَا تنسخ، لأن الله تعالى لَا يؤكد حكما جرى في علمه المكنون أنه سينسخه ذلك التأكيد.
وهو يدل على الوجوب ويؤكده، وذكر الوجوب على المتقين للإشارة إلى أنهم الذين يطيعونه اتقاء غضب الله سبحانه وتعالى وابتغاء رضوانه، وإلى أنهم يسارعون بإجابته، وأنهم ينفذون في دائرة المعروف غير المنكور.
وإن الوصية تكون عطاء من رجل فانٍ يتركها لمن بعده من ذوي قرابته أو الاتصال به، وهي تكون وديعة بين أيديهم، هي وديعة ذلك المتوفى الذي صار لا يملك من أمره شيئا، وهي أيضا وديعة الله إذا كانت في سبيل الخير الذي يرضاه الله تعالى؛ ولذا نهى الله تعالى عن تبديلها، وقال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة